لماذا لم يثر دروز السويداء؟

أيمن الشوفي | 2021-12-09 07:33 بتوقيت دمشق

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
استقال الفعل الاجتماعي للأقليات من حسابات الثورة السورية باكراً، وربما استقال قبل أن يبدأ أصلاً، فكان مردوده متفاوت الإثمار بين المحدود جداً، والمنعدم نسبياً، بحسب الأقلية الإثنية وعلاقتها بنظام بشار، وبحسب برمجة عقل مجتمعاتها الجمعيّ على تقبّل فضائل زوال هذا النظام، مقارنةً بسلبيات بقائه قائماً.

ولعل الإسماعيليين في السلمية لم يُزهِقوا روح صمتهم حيال فضائع هذا النظام بحق المجتمع السوري، كون أن "كريم آغا خان" تربطه علاقة جيدة بنظام بشار منذ زيارته للسلمية عام 2008، وربما قبل ذلك، وهو مرجعيتهم الدينية العليا، باعتباره يقترب من حدود الربوبيّة وفق معتقداتهم، ويمثل فكرة "الحلول" الإلهي في الجسد البشري، فكان بديهياً نمو حيادهم من محطات الاحتجاج التي عبَرها الفعل السياسي المناوئ للسلطة في سوريا. في حين تم تصفية أصوات العلويين المحتملة من مسيرة إسقاط النظام وفق الترويج لفرضية أنهم يشكلون الحاضنة الاجتماعية لرأس النظام وعائلته الحاكمة، وانزلاق تلك الفرضية إلى مقولات تربط مصير الطائفة العلوية بمصير بشار، مستفيدةً من معطيات ديموغرافية تقول إن أغلب المحافظات السنيّة وأريافها التي تدمرت، وهُجّر ناسها تحيط بعلويي الساحل أي إدلب وحلب وحمص وحماه. ما جعل الحراك الاجتماعي الرافض للسلطة لدى العلويين يكاد يكون معدوماً خلال كل تلك السنوات التي مضت، بالرغم من أنهم كغيرهم من السوريين يحفظون عن ظهر قلب كل فصول الرداءة التي تعاقبت على مصادرة حياتهم، وما زالت ماثلةً إلى الآن.   

العاقل يعيد طرح السؤال مجدداً




مؤخراً جرى تداول منشور للعميد الدرزي المتقاعد نايف العاقل، ينعى فيه ما وصلت إليه الحياة العامة من انعدام مكوناتها البسيطة، ويستغرب سكوت الناس على واقعهم المبكي، ويشير إلى تجبّر السلطة، وفصامها القصدي عمّا يحدث على الأرض. 

ذاك المنشور المنسوب إليه بدا مستغرَباً لجهة أن العميد ما زال موالياً للنظام، ليس فقط بسبب مسيرته الطويلة في السبعينيات والثمانينيات كضابط يفيض بالولاء، بل لأنه ظلّ كذلك خلال سنوات محنة السوريين السابقة، حيث كلّفه النظام بتشكيل ميليشيا عام 2015 تحت اسم "درع الوطن" في محاولة لتجميع شتات ميليشيات السلطة المسلحة التي جرى بثّها على كافة ترددات الاستقبال الممكنة، لكن ميليشيا العاقل بقيت مجرّد محطة ترويج إعلامي، إذ عجز عن خلقها واقعياً نظراً لتعدد الجهات الوصائية على الميليشيات المسلحة، وبالتالي تعدد مراكز النفوذ والمصالح في آن. وصحيحٌ أن العاقل قد التصقت به العديد من قصص الشجاعة التي بثّها الخيال الشعبي، وأشرف على حراستها من التشكيك، كغرزه للأوسمة في لحم صدره، وقتاله الجنود الإسرائليين تارةً بسلاح فردي، وتارةً أخرى بيديه فقط، وأسره نحو ثلاثين منهم في حرب تشرين/ أكتوبر، وخلعه البلاط أثناء تأدية التحيّة العسكرية...الخ. لكنه بقي في بلاط النظام مجرّد ضابط درزي مزوّد بوسام بطل الجمهورية عام 1973، وبوسامي الشجاعة و6 تشرين عام 1974، ومع ذلك فتلك الأوسمة لا تكفي لتدعيم شخصية متوازنة سياسياً تكون مقبولةً من طيف واسع من الدروز الذين بالرغم من انعزالهم جنوباً، وبقاء زيجاتهم حبيسة طائفتهم، إلا أنهم مجتمعٌ متنوع للغاية، فهناك المعارضون بشدة، والموالون، وهناك العلمانيون واليساريون والمتدينون، وهناك المتحررون والمحافظون. 

التساؤلات التي أشار إليها المنشور المنسوب للعاقل تفتح شهية البحث عن طرق استنطاق شهية الدروز للحراك السياسي، وهل هم بالفعل يبحثون عن نموذج قيادي يحاكي نموذج شخص سلطان الأطرش؟ أم إن خيبة حراكهم يمكن صرفها من كوّة أخرى غير كوّة بحثهم عن كاريزما قياديّة بعينها؟!

من يحلّ معادلة صمت الدروز؟!


لم يستطع سلطان الأطرش كسب ولاء وجهاء العائلات الدرزية وكبار رجال الدين أثناء قيادته عصياناً ضد سلطات الانتداب الفرنسي قبل أن يتبلور إلى ثورة ساندتها البرجوازية السنيّة، الشاميّة منها على وجه الخصوص. فالمهادنة مع سلطة الأمر الواقع ليست سمةً معاصرة، أو طارئة على تاريخ دروز الجبل، وإنما هي سمةٌ ذات سياق تاريخي دلاليّ لا يمكن قهرها بإنكارها، بل بتفحّصها عن كثب.

ولعل شراء ولاء وجهاء العائلات الدرزية الكبيرة، ومشيخة العقل هو دأبُ السلطات المتعاقبة، إذ لدى دروز السويداء ثلاثة شيوخ عقل، لا واحد، وهو ما نجد خلافه لدى دروز لبنان على الأقل، بعد أن تمكن شيخ عقل الدروز الراحل محمد أبو شقرا عام 1970 من توحيد مشيخة العقل الدرزية في لبنان بعد أن كانت مقسومةً بين الثنائية العائلية اليزبكية والجنبلاطية.

وهنا بارك النظام السوري وجود مراكز متعددة للنفوذ الديني العائلي تحت مسميات شيوخ عقل الطائفة الدرزية في السويداء، تكون تحت إمرته وقت الطلب، وهذا ما جناه فعلياً في سنوات صمت الدروز السابقة، والتي أبقتهم مكممي الأفواه، يبردون ويجوعون ويتآخون مع العتمة والجريمة المنظمة، ولا يصرخون مطالبين بزوال تلك البشاعات التي تأصلت داخل حياتهم.

ومعلومٌ تغيّب شيوخ العقل الثلاثة عن حضور جنازة الشيخ الراحل وحيد البلعوس، مؤسس حركة رجال الكرامة وباقي رفاقه من قيادة الحركة الذين تمت تصفيتهم بمجزرة دبّرها النظام عام 2015، وكأنهم باركوا مثل تلك التصفية. ومن غير الجائز نكران الاستقطاب الواسع الذي يمكن أن تجنّده المراكز الثلاثة لمشيخة العقل الدرزية، والتي آثرت الولاء للنظام القائم على حساب إسقاط معاناة الناس المستمرة منذ عشر سنوات من حساباتها السياسية، والاكتفاء بتبضع بعض المساعدات من الدروز المحيطين بسوريا في الجولان وفلسطين، والتي لم تغيّر من معادلة المعاناة على الأرض شيئاً.

كان بمقدور شيوخ العقل تغيير معادلة الصمت الدرزي بالكامل لو شاؤوا فعل ذلك، ووحدهم من يستطيع فقط تبديل مدخلات تلك المعادلة ومخرجاتها، نظراً للسلطة المكانيّة والزمانيّة التي يختزلونها بشخوصهم، ونظراً لأن المجتمع الدرزي لا يزال مجتمعاً دون المدني، أي مجتمع تحكمه العلاقات العائلية والعشائرية والدينية، وتسوسه كيفما شاءت مصالحها الآنية الضيقة أن يُسَاسْ.  

التعليقات