ملف التعليم يطرق جامعات المناطق المحررة ومسؤولون لايجيبون عن الأسئلة (3من3)

تحقيق-عقيل حسين | 2021-12-08 13:19 بتوقيت دمشق

ملف التعليم يطرق جامعات المناطق المحررة ومسؤولون لايجيبون عن الأسئلة (3من3)
نسبة غير قليلة من الطلاب الحاصلين على الشهادة الثانوية عن العام الدراسي الأخير لم تتمكن من الالتحاق بالجامعات والمعاهد في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، أو التحقت بأفرع وأقسام لا تتناسب مع ميولها أو رغباتها، بسبب ارتفاع الأقساط وعدم توفر عدد كاف من المنح.

وبينما يشتكي الطلاب وذووهم في هذه المناطق مما يصفونه بـ"هيمنة التوجه الربحي" على مؤسسات التعليم العالي، يقول المسؤولون إن الأقساط المقررة مدروسة بعناية.
وتترواح الأقساط المقررة في المعاهد والكليات في إدلب ومناطق سيطرة الجيش الوطني بين 100و 1000 دولار للسنة الدراسية، وهو مبلغ كبير بالنظر إلى متوسط الدخل في هذه المناطق، خاصة بالنسبة للأُسر التي يكون لديها أكثر من طالب جامعي.

ومع عدم توفر عدد كاف من المنح الدراسية، يضطر الكثيرون إما إلى اختيار تخصصات لا تتناسب مع ميولهم أو المجموع الذي حصلوا عليه، وإما التخلي عن طموحهم بمواصلة التعليم.

تقول "حسناء" الحاصلة حديثاً على شهادة التعليم الثانوي في إدلب، إنها لم تتمكن من الالتحاق بالجامعة في هذا العام نظراً لعدم قدرة أسرتها على دفع القسط المطلوب، مثلها مثل العديد من الطلاب والطالبات الذين تعرف حالاتهم.

وتضيف في حديثها لـ"أورينت": بموجب المفاضلة كان يحق لي التسجيل في جميع كليات وأقسام العلوم الإنسانية، لكن نظراً لارتفاع قسط الكلية التي كنت أرغب بالتسجيل فيها، وعدم تمكّني من الحصول على أي منحة، فقد فكرت بالالتحاق بالفرع الذي تكون رسوم التسجيل فيه هي الأقل، لكن حتى هذا الخيار لم أتمكن من إنجازه بسبب عدم قدرتنا على تأمين مبلغ المئة دولارٍ المطلوبة للتسجيل فيه، ما اضطرني إلى التخلي عن حلمي في مواصلة التعليم والحصول على شهادة جامعية.





رسوم خارج قدرة الطلاب وجامعات لا تبالي!


تتشابه الظروف التي يعيشها الطلاب بما يخص رسوم التسجيل والأقساط في منطقة إدلب مع الظروف في مناطق سيطرة الجيش الوطني (درع الفرات، غصن الزيتون ونبع السلام) .
ورغم أن جامعة إدلب تعرّف عن نفسها بأنها مؤسسة مستقلة، إلا أنها عملياً تتبع لحكومة الإنقاذ وتموّل من قبلها، بينما تتبع جامعة حلب الحرة للحكومة السورية المؤقتة، أي أنهما تتبعان للقطاع العام ومؤسستان غير ربحيتين.

الجامعتان توفّران برنامجَي تعليم، مباشر (نظامي) وموازي، ورسوم التسجيل في كلا الجامعتين متقاربة، حيث تتراوح في جامعة إدلب بين ال150 دولاراً إلى 250 دولاراً في العام بالنسبة للطلاب النظاميين، وبين 250 إلى 600 دولار في برنامج التعليم الموازي، أما في جامعة حلب الحرة، فإن رسوم التسجيل تتراوح بين 100 و250 دولاراً للطلاب في مفاضلة التسجيل المباشر والموازي.


تواصلت "أورينت نت" مع المسؤولين في جامعتَي حلب الحرة وإدلب من أجل استيضاح أسباب ارتفاع رسوم التسجيل فيهما، لكن أي منهم لم يجب عن الأسئلة التي كانت حصيلة نقاشات أجريناها مع عدد من الطلاب وذويهم في المنطقتين، وأغلبهم ممن لم يتمكنوا من الالتحاق بالجامعة بسبب ارتفاع الرسوم.

يقول أبو محمد، وهو والد طالب يعيش بريف إدلب، كان يفترض أن يكون في السنة الأولى من دراسته الجامعية هذا العام، إنه لم يتمكن من توفير القسط المطلوب للفرع الذي اختاره ابنه (إرشاد نفسي) وهو مئة وخمسين دولاراً في السنة ما عدا رسوم التسجيل.



لكن الحالة الأكثر تعقيداً بين جميع الحالات التي اطلعت عليها "أورينت" خلال جمعها العينات عن الطلاب غير القادرين على دفع الرسوم والأقساط، كانت حالة "أم أسعد" النازحة من ريف حلب الجنوبي إلى ريف إدلب.

تقول أم أسعد، وهي أرملة تعيل أربع بنات وطفلا: قُتل زوجي خلال القصف على ريف حلب عام 2016، ونزحت مع بناتي الأربع وابني الوحيد إلى هنا، وجميعهم من المتفوقين دراسياً، وأنا أشتغل بكل ما يُعرض علي من أعمال يدوية، من أجل إعالة أسرتي وأن يكمل أولادي تعليمهم، لكنني مع ذلك لم أتمكن من تحقيق هذا الحلم.

وتتابع: حصلت ابنتاي الكبيرتان على الشهادة الثانوية هذا العام، وكانت فرحتنا بهما كبيرة جداً، لكن للأسف لم نكن نعلم أن التسجيل في جامعة إدلب يتطلب دفع رسوم وأقساط، وكنا نظن أنه مجاني، لذا كان علي أن أدفع مئتين وخمسين دولاراً من أجل تسجيلهما وهو أمر مستحيل بالنسبة لي.

حالة أم أسعد تطرح سؤالاً كبيراً بالفعل حول ما الذي يمكن أن يفعله رب الأسرة الذي يكون لديه أكثر من ابن واحد في الجامعة، إلا أن المفاجأة كانت حين أخبرتنا هذه السيدة أنها تعرف عائلة لديها ثلاثة أبناء في الجامعة ابتداء من هذا العام، وأن الابن الأكبر اضطر للتوقف عن الدراسة من أجل أن يساعد والده على إعالة الأسرة وأن يستكمل شقيقه وشقيقته تعليمهما.



مسؤولون يتهربون من الأسئلة


يرى العديد من المسؤولين عن الجامعتين ممن حاولت "أورينت نت" الحصول منهم على تصريحات رسمية بهذا الخصوص، لكنهم اعتذروا أو تهربوا، وهم يرون أنه بالمقارنة مع جامعات النظام، فإن الرسوم تبدو "منطقية".

لكن وإلى جانب المقارنة غير المنطقية من حيث المبدأ، فإن ردود الفعل على هذه المقارنة كانت غاضبة جداً، إذ إن كل من عرضت عليهم "أورينت" من الأهالي والطلاب هذه المقارنة، اعتبروا أنها تمثل استخفافاً بعقولهم وظروفهم، متسائلين كيف يثور الشعب على نظام كان يتفاخر بأنه يوفر التعليم المجاني، ليجد نفسه أن مضطر لدفع مبالغ طائلة من أجل أن يتعلم أولاده ؟!!

لكن أليس لهذه الجامعات مصاريف تشغيلية ورواتب يجب أن تدفعها للكوادر التعليمية والإدارية .. وكيف يمكن أن تستمر في عملها وتقديم خدماتها بدون تحصيل الرسوم والأقساط التي تعدّ مصدر دخلها الرئيسي ؟؟ 

سؤال وضعناه أمام عدد من الخبراء والمتخصصين بالإدارة والتعليم الجامعي من المنشقين عن النظام، الذين طلبوا قبل الإجابة عنه أرقاماً حول عدد الطلاب المسجلين في كل جامعة، وعدد الموظفين من مدرسين وإداريين وعمال، بالإضافة إلى ميزانية المصاريف التشغلية وغيرها، من أجل تقديم إجابة معقولة على هذا السؤال، لكن للأسف لم يكن ذلك متاحاً بشكل رسمي.

فالجامعات العاملة في الشمال المحرر تنشر على مواقعها ومنصاتها عدد الطلاب المسجلين لديها فقط، لكن لا تقدم أي معلومات عن ميزانياتها السنوية، ولا تعتمد الشفافية حول عدد الكوادر والموظفين والعمال لديها، ولا فيما يخص رواتبهم أو المصاريف التي تدفعها في كل عام، ناهيك عن أرباحها أو خسائرها السنوية.




جليلاتي: هذه هي الأرقام المنطقية


إلا أنه بما أن مؤسسة "مداد" هي الجهة الرئيسية الداعمة لجامعة حلب الحرة، وتتكفل بالجزء الأكبر من تمويلها، كما توفر برنامج منح سخي جداً للطلاب الأشد فقراً، فقد توجهت "أورينت" إلى السيد محمد جليلاتي مدير البرامج للمؤسسة بسؤال حول نسبة مساهمة "مداد" في ميزانية الجامعة، فقال:

"منذ تأسيس جامعة حلب الحرة ومداد هي الداعم الوحيد لكامل عمليات الجامعة، من مصاريف التشغيل إلى البنية التحية والمخابر وغيرها، وهذا يشمل كامل مناطق انتشارها، وقد استمرت المؤسسة على هذا المنوال حتى الآن، حيث وصل المبلغ المقدم من مؤسسة مداد للعام الدارسي الماضي 2020-2021 إلى 750 ألف دولار غطت كتلة الرواتب والتشغيل والمخابر، علماً أن عدد الطلاب بلغ العام الماضي نحو 7 آلاف طالب جدي ومتابع، وبالتالي دخل الجامعة من الرسوم والأقساط أقل منه هذا العام، هذا عدا عن برنامج المنح الطلابية التي تغطي الأقساط الجامعية والتي وصلت العام الماضي لـ800 طالب، وهذا العام من المقرر أن تصل لـ1500 طالب.

ويضيف: عملياً ومع مرور هذه السنوات، فإن مصدر تمويل الجامعة هو رسوم الطلاب والتي تشارك بجزء منها مداد، والتمويل المباشر المقدم من مداد، بالإضافة إلى مساهمة جهات أخرى على شكل منح وهبات تغطي بعض الكلف والمصاريف البسيطة، مثل إكساء مدرج أو تجهيز مكتب أو التكفل بمشروع صغير هنا أو هناك.

يقدر جليلاتي الميزانية السنوية لجامعة حلب الحرة بـ2 مليون دولار، لكن هذه الميزانية نظرية كما يقول، لأنه عملياً يتم التنازل عن العديد من المشاريع والأعمال بسبب عدم توفر تغطية مالية كافية.

لكن بما أن الجامعة تقول على موقعها الرسمي في الإنترنت إن عدد الطلاب المسجلين لديها بلغ عام 2021 نحو عشرة آلاف طالب، فهذا يعني أن دخل الجامعة من رسوم التسجيل والأقساط فقط كان حوالي مليون ونصف المليون دولار، إذا ما اعتبرنا أن متوسط الرسوم والأقساط مئة وخمسين دولاراً.

وإذا ما أضفنا هذا المبلغ إلى الهبة التي من المتوقع أن تقدمها "مداد" وتبلغ 750 ألف دولار، فإن المجموع سيكون نحو 2 مليون و 250 ألف دولار، ما يعني فائضاً في الحد الأدنى على الأقل 250 ألفاً، هذا إذا لم يتم احتساب مساعدة جهات أخرى كما أشرنا، وإذا اعتبرنا أن الجامعة تنفذ كامل المشاريع التي تضعها في الميزانية مع بداية العام، وعليه فإن السؤال هو أين يتم توظيف هذا الفائض، ولماذا لا ينعكس تخفيضاً في الرسوم والأقساط ؟ 

ما ينطبق على جامعة حلب الحرة يمكن القول، وبشكل تقريبي، أنه ينطبق على جامعة إدلب، سواء من حيث عدد الطلاب المسجلين أو عدد الكوادر والموظفين وكتلة المصاريف ومتوسط الرواتب، وكذلك الدعم والتمويل الذي تحصل عليه هذه الجامعة أيضاً من جانب حكومة الإنقاذ والمؤسسات والجمعيات والمنظمات التي تساهم في تحمّل جزء غير قليل من مصاريفها.


وبسبب عدم توفر جهة مسؤولة تجيب عن هذا السؤال، فقد وضعنا هذه المعطيات والأسئلة بين يدي المسؤول في مؤسسة "مداد" محمد جليلاتي الذي نبّه إلى أن من بين الطلاب العشرة آلاف وخمسمئة المسجلين في جامعة حلب الحرة يوجد ما لا يقل عن 1500 لا يستكملون تسجيلهم ولا يلتزمون بدفع الرسوم والأقساط المقررة، كما أن مساهمة المنظمات والمؤسسات الرسمية والخيرية الأخرى لا تشكل رقماً في احتياجات ومصاريف الجامعة الكبيرة بالفعل. 

لا يعني ما سبق توجيه اتهامات بالفساد للقائمين على هذه الجامعات، وبالتأكيد فإن مهمة المحاسبة والتدقيق يجب أن يتوفر لمن يقوم بها أرقام ومعطيات دقيقة، وبالإضافة إلى ذلك، من المعلوم أن الجامعتين تجريان توسعة في كل عام، وتضيفان كليات وأقساما جديدة قد تتطلب شراء أراض وتنفيذ إنشاءات وتوظيف كوادر جديدة (يجري الحديث عن محسوبيات في اختيار هذه الكوادر) إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا:
أليس الأولى أن يتم تخفيض الرسوم والأقساط، بل ورفعها بشكل كامل عن الطلاب الأشد فقراً، طالما أن هناك وفراً يمكن من القيام بهذه الخطوة، بدل التوسع الذي قد يفسر سعي القائمين على هاتين الجامعتين إلى زيادة عدد الأقسام والتخصصات على حساب قدرات المواطنين ودون الأخذ بعين الاعتبار عجز الكثير منهم عن تأمين هذه الأقساط والرسوم التي تستخدم في أعمال التوسعة التي لا تعد أولوية في ظل الظروف التي تعيشها المناطق المحررة ؟!!





الإنقاذ تتجاهل والمؤقتة تعد بمساعدة الطلاب



مرة أخرى نجد أنقسنا مضطرين للإشارة إلى أننا لم نتمكن من الحصول على إجابة عن هذا السؤال أيضاً بسبب رفض المسؤولين عن جامعتي حلب الحرة وإدلب الإجابة عنها، كما حاولت الحصول على إجابات من قبل المسؤولين عن التعليم العالي في حكومتي الانقاذ والمؤقتة، وبينما تجاوبت الأخيرة عبر رئيسها عبد الرحمن مصطفى، تجاهلت وتهربت الأولى من الإجابة عن أي من الأسئلة التي تقدمنا بها إليهم.

يقول عبد الرحمن مصطفى رئيس الحكومة السورية المؤقتة تعليقاً على ارتفاع تكاليف التسجيل في جامعة حلب الحرة ودور الحكومة المؤقتة في دعم عملية التعليم الجامعي: تعمل الحكومة السورية المؤقتة بإمكانيات مادية قليلة وذاتية، ولم تتلقّ أي دعم مالي من أي جهة دولية، وهي تحاول تنفيذ مشاريعها وتقدم الخدمات للأهالي وفق المتاح من هذه الموارد الذاتية.
وأضاف: تولي الحكومة اهتماماً كبيراً للتعليم الأساسي والجامعي، وتقدم دعماً مالياً لجامعة حلب في المناطق المحررة، وبالطبع هذا الدعم غير كاف لتغطية مصاريف الجامعة، لذلك تتم الاستعانة بالرسوم الجامعية وبالدعم المقدم من جهات أخرى.
ويشير مصطفى إلى أن الحكومة المؤقتة منحت إعفاءات وتخفيضات في الرسوم  الجامعية لأبناء الشهداء ولزوجاتهم ولذوي الاحتياجات الخاصة وأبناء معتقلي الثورة، كاشفاً عن سعي جدي لتأمين دعم إضافي من أحل تخفيض الرسوم الجامعية، وأن هناك خططا بذلك عند وزارة التربية والتعليم تعمل على إنجازها.

رغم أن "أورينت نت" تنهي مع هذا الجزء تسليط الضوء على ملف التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة شمال البلاد، إلا أن العديد من الأسئلة والتفاصيل ما زالت تستحق المتابعة والاهتمام، إذ ينتظر المواطنون في هذه المناطق تركيزاً أوسع على معاناتهم المفتوحة، على أمل أن تؤدي المتابعة الإعلامية المستمرة إلى استجابة أعلى من قبل المؤسسات للجهات المعنية بإدارة هذه المناطق ومؤسساتها، خاصة التعليمية منها.

التعليقات