ملف التعليم في الشمال يتفاعل وأورينت تواجه رئيس الحكومة المؤقتة (2 من 3)

عقيل حسين 2021-12-07 10:50:00

العلاقة غير الواضحة وغير المستقرّة بين المجالس المحلية من جهة، والحكومة المؤقتة ومجلس محافظة حلب الحرة من جهة أخرى، أدت إذن إلى مشاكل كبيرة على مختلف الصعد وفي جميع المجالات تقريباً، وفي مقدمتها قطاع التعليم، وقد استعرضت "أورينت نت" في الجزء الأول من هذا التحقيق مجموعة من الأسباب التي رأى خبراء ومختصون أنها أدت إلى هذا الواقع الذي له انعكاسات سلبية على مجمل الوضع في المناطق المحررة.

درويش خليفة: الاعتبارات عائلية وعشائرية

بالإضافة إلى الأسباب التي ذكرها المختصون سابقاً، ونتج عنها هيمنة المجالس على دور الحكومة وصلاحياتها، فإن الكاتب السياسي درويش خليفة، وهو مسؤول سابق في مجلس مدينة حلب الحرة، يرى أن هناك مشكلة في العلاقة التنظيمية والصلاحيات بين مؤسسات المعارضة المدنية والسياسية كلها، وليس بين الحكومة المؤقتة والمجالس المحلية فقط.

ويضيف في حديثه لـ"أورينت": "غير واضح إذا ما كانت هذه المؤسسات تعمل وفق قانون الإدارة المحلية رقم 107 الصادر عام 2011 عن النظام، أم تم تعديله قبل اعتماده، أم إن العلاقة يضبطها قانون خاص بالمعارضة؟..لا أحد يدري، وهذا إشكال يولّد عدم فهم كل مؤسسة لحدودها وسلطاتها وصلاحياتها.

ويرى أنه بالإضافة إلى انتزاع تمويل المجالس من يد الحكومة المؤقتة، وبالتالي خسارة هذه الحكومة العامل الرئيسي الذي كانت تخضع لها بسببه المجالس، فإن اعتماد مبدأ التعيين وليس الانتخابات في اختيار أعضاء ورؤساء الغالبية العظمى من المجالس المحلية، وفق اعتبارات مختلفة، بينها العشائري والعائلي، وتحت إشراف الولايات التركية، جعل هؤلاء المسؤولين لا يشعرون بأي حاجة للحكومة أو مجلس المحافظة، المؤسستين اللتين لم يعد لديهما أي سلطة أو قدرة على ممارسة أي صلاحيات على هذه المجالس.

ويختم خليفة تصوره حول أسباب تراجع مكانة الحكومة المؤقتة في الشمال بالقول: من المعلوم أن الحكومة المؤقتة هي بالأصل فكرة قطرية، ولم تكن مدعومة من الدول المؤيِّدة للثورة والمعارضة، وهذا الأمر له بُعد سياسي وقانوني بالوقت نفسه، إلا أن تركيا وباعتبارها حليفة لقطر أولاً، ولكي تحافظ على الدعم المادي القطري المقدَّم لهذه الحكومة ثانياً، فقد حافظت عليها بالاسم، أما عملياً فإنها تتعامل مع المجالس المحلية مباشرة، وهذا أمر لا يزعج شركاءها الغربيين أو حتى روسيا، وهذه الدول من المتحفّظين على وجود حكومات متعددة في الأراضي السورية.

رئيس الحكومة المؤقتة: نحن مصدر شرعية المؤسسات 

إلا أن رئيس الحكومة المؤقتة عبد الرحمن مصطفى لا يوافق على ما سبق، ويقدم توضيحات على الأسئلة المطروحة بهذا الخصوص بعد أن وضعته "أورينت" أمام كل التفاصيل التي استطاعت جمعها فيما يخص هذا الملف.

يقول مصطفى: "كل المؤسسات العاملة في المحرر تأخذ شرعيتها من الحكومة السورية المؤقتة، المعترف بها من قبل المجتمع الدولي، وأصدقاؤنا الأتراك يقدمون الدعم الاستشاري ويقومون بتمويل المشاريع الخدمية، ويمكننا القول إن تركيا هي الدولة الوحيدة التي تساند أكثر من ثلاثة ملايين سوري يقطنون في المناطق المحررة".

وحول فكرة عدم ارتياح الدول الداعمة للمعارضة، وخاصة الغربية، لوجود الحكومة المؤقتة، ما أدى إلى برود تركي تجاهها يقول: "على العكس تماماً، هناك اهتمام واعتراف متزايد من الدول الفاعلة بالملف السوري بالحكومة المؤقتة، وخير دليل على ذلك اللقاءات المستمرة بين الحكومة وبين ممثلين عن الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي والدول العربية، إضافة الى الدعم الكبير من الأشقاء الأتراك في كافة المجالات".

وفيما يتعلق بالأساس القانوني الذي يحكم العلاقة بين مؤسسات المعارضة التنفيذية، يقول مصطفى: "اعتمدت الحكومة السورية المؤقتة تطبيق القانون 107 الخاص بتنظيم الإدارة المحلية في سوريا منذ لحظة تأسيسها، ووضعت تعليمات تنفيذية لهذا القانون، وشكلت الهيئات العامة التي انتخبت بدورها المجالس المحلية ومجالس المحافظات، لكن كما ذكرت سابقاً، لسنا في الحالة المُثلى لتطبيق اللامركزية الإدارية، وما زال هناك تداخل في بعض الصلاحيات كونها التجربة الأولى على مستوى سوريا".

رئيسا مجلسي الباب وعفرين يتهربان

لم تكن الأنظار لتتجه إلى هذا الواقع غير الطبيعي الذي يحكم العلاقة بين هذه المؤسسات، لولا حادثتان أثارتا الجدل مؤخراً وأجبرتا الجميع على وضع ملف التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة تحت المجهر.

الحادثة الأولى كانت في الكشف عن تسجيل قائد لواء السلطان سليمان شاه، محمد الجاسم (أبو عمشة) في كلية الحقوق بجامعة حلب الحرة بعد حصوله على شهادة التعليم الثانوي (الفرع العلمي) بمعدل عالٍ، والثانية توزيع كتاب على مدارس التعليم الابتدائي في بعض المدن والبلدات يحمل عنوان "السيرة النبوية" صادر عن مركز أبحاث خاص وغير معتمد من وزارة التربية في الحكومة المؤقتة.

دفعت هاتان الواقعتان "أورينت نت" للبحث في خلفياتهما والأطراف المسؤولة عنهما، خاصة مع مسارعة الحكومة المؤقتة إلى إصدار بيانات تتبرأ من الشهادة ومن الكتاب، الأمر الذي جعل الكثيرين يتساءلون: وفق أي سلطة أو أي قانون عملت المجالس التي أصدرت شهادة الجاسم أو أقرت هذا الكتاب دون الرجوع إلى السلطة الأعلى؟!

تواصلت "أورينت" مع العديد من المسؤولين في المجالس المحلية للحديث عن هذا الملف والإجابة عن التساؤلات المطروحة حوله، إلا أن رئيسي المجلس المحلي في كل من الباب وعفرين رفضا التجاوب مع طلبنا التعليق على هذا الموضوع، والاستثناء كان رئيس المجلس المحلي لمدينة إعزاز، الذي أجاب عن أسئلتنا لكن بتحفظ واقتضاب، إلا أنه ومن خلال المعلومات التي حصلت عليها "أورينت نت" من مصادر مختلفة، أمكن الخروج بخريطة صادمة للواقع التعليمي في مناطق سيطرة المعارضة.

 

المناهج  تفرض مقابل مصاريف المدارس

تعتمد جميع المجالس القائمة في مناطق سيطرة الجيش الوطني المناهج المقررة من قبل وزارة التربية في الحكومة المؤقتة، والتي تم إقرارها عام ٢٠١٤، وهي المناهج ذاتها التي تُدرّس في مناطق سيطرة النظام، بعد أن تم تنقيح مواد التاريخ والجغرافيا والتربية الإسلامية، وإلغاء مادة التربية القومية.

لكن يحدث في جميع المدن والبلدات تقريباً أن تتكفل بعض المنظمات والجمعيات، بالاتفاق مع المجالس المحلية فيها، بمصاريف عدد محدّد من المدارس، أو بجزء من هذه المصاريف، وغالباً ما تطلب هذه المنظمات إضافة كتيب أو مجموعة كتيبات من خارج المنهاج، تحت بند (تنشيط خارجي) وهذا الطلب يحال إلى لجنة تتبع مكتب التعليم في كل مجلس، ولهذه اللجنة الحق في قبول الطلب أو رفضه دون العودة لوزارة التربية في الحكومة المؤقتة!

وعلى هذا الأساس تم اعتماد كتاب "السيرة النبوية" الذي تضمّن رسوماً تعبيرية أثارت غضباً شعبياً عارماً، وهو كتاب صادر عن مركز "استشراف"، من قبل المجالس المحلية في بعض المدن، التي يبدو أنها دفعت ثمن عدم وجود كوادر خبيرة متخصصة، ما أدى إلى حدوث هذه المشكلة.

لكن على أي أساس أجازت مؤسسات لا تمتلك أي خبرة في مجال إعداد ووضع المناهج لنفسها التدخل في هذا القطاع الذي يعتبر من أخطر القطاعات وأكثرها حساسية، بالنظر إلى تأثيره المباشر والتراكمي على شخصية وفكر التلاميذ؟، ولماذا أُقصيت وزارة التربية في الحكومة المؤقتة والخبرات التابعة لها أو المستقلة عنها، عن هذا الحقل وهو مجالها؟!

الامتحانات والشهادات

السؤال السابق لا يُعَدّ شيئاً، على خطورته وأهميته، أمام ما يجري فيما يتعلق بالامتحانات ومنح الشهادات، إذ إن أكثر من طامّة تشهدها هذه المناطق، وعلى رأسها مشكلتان:

 الأولى: لا توجد أسئلة موحّدة صادرة عن سُلطة مركزية معتمدة في جميع هذه المناطق، وهذا لا يقتصر فقط على امتحانات السنوات الانتقالية، بل ينسحب أيضاً على امتحانات الشهادات، بما في ذلك الإعدادية والثانوية بكل فروعها، حيث يلجأ كل مجلس إلى اعتماد أسئلة خاصة صادرة عن مكتب التربية والتعليم في المجلس، بعد موافقة مديرية التربية في الولاية التركية التي تشرف عليه.

الثانية: لا توجد أي جهة رقابية مستقلة تشرف على وضع الأسئلة وسير الامتحانات أو تصحيح الأوراق، الأمر الذي يفتح الباب واسعاً لحدوث كل الاختراقات المحتملة، وعلى رأسها أن أي مجلس يمكنه منح أي شهادة لأي شخص! 

وعليه فإن امتحانات الشهادة الثانوية أو الإعدادية ستجري في غياب الجهة الرقابية المسؤولة والقادرة على المراقبة والمحاسبة، كما إن الشهادات الصادرة عن هذه المجالس ستصبح محل تشكيك كبير، وهذا ما أدى إلى الجدل الواسع حول شهادة محمد الجاسم "أبو عمشة"، وفتح الباب واسعاً للتشكيك بسلامة الطريقة التي حصل بها العديد من قادة الفصائل، ومن غير قادة الفصائل أيضاً، على شهاداتهم من مدارس تابعة للمجالس المحلية.

مديريات وزارة التربية.. مسموحة هنا.. ممنوعة هناك!

المفاجأة التي قد تصدم الكثيرين عند قراءة هذا التحقيق، تتمثل في أن المديريات التابعة لوزارة التربية في الحكومة المؤقتة، تسمح لها حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام بالعمل في مناطقها، بينما تُحرم هذه المديريات من القيام بالدور المنوط بها في مناطق سيطرة الجيش الوطني!!

وتتبع للحكومة المؤقتة أربع مديريات تربية هي: مديرية تربية حلب، مديرية تربية إدلب، مديرية تربية حماة ومديرية تربية اللاذقية. وتقوم وزارة التربية بمهمة وضع الأسئلة الموحدة في كل المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة الإنقاذ، وعن هذه المديرية تصدر الشهادات ويتم اعتمادها من قبل وزارة التربية في "المؤقتة" و"الإنقاذ".

واقع يبدو سريالياً بكل معنى الكلمة، إذ لا يمكن تصور أن الجهة التي تعتمد عليها حكومة الإنقاذ، التابعة لفصيل مستقل عن الجيش الوطني، بل وعلى خلاف معه غالباً، وهذه الجهة هي وزارة التربية في الحكومة المؤقتة، ترفض المجالس المحلية في مناطق سيطرة الجيش الوطني نفسه، الذي يفترض أنه تابع للحكومة المؤقتة، التعامل معها؟!!

واقع كان حصيلة طبيعية لمعطيات عدة أدت إلى أن تتضخم سلطة المجالس المحلية على حساب الحكومة المؤقتة، وأن تتغول على كل المؤسسات الأخرى، بينما تبدو سيناريوهات معالجة هذا الواقع شديدة التعقيد، وإمكانية تجاوزه وإيجاد حلول له "غير يسيرة اليوم" كما يقول رئيس مجلس مدينة حلب الحرة السابق أحمد عزوز.

ويرى عزوز في إجابته عن سؤال طرحته "أورينت نت" حول إمكانية وسبل معالجة هذا الواقع أنه "لا يمكن إصلاح هذه العلاقة قبل إصلاح المجالس المحلية ذاتها، فتكوين هذه المجالس وتشكيل أغلبها تم بقرار وليس بانتخابات، لكن إعادة النظر بذلك يتطلب قراراً تركياً في الواقع، ومن ثم يتم الانتقال إلى إصلاح الحكومة المؤقتة ومجلس محافظة حلب الحرة".

عزوز الذي يؤكد أن الأتراك في البداية لم يتدخلوا بعمل المجالس أو تشكيلها، إلا أن خلافات الفعاليات والقوى والكتل من أجل الهيمنة على هذه المجالس دفع كل طرف منها للاستقواء بالجانب التركي، ما أدى إلى الوصول إلى هذا الواقع، الذي لا يمكن أن يتغير إلا بالعودة إلى شرعية الناس والشارع، وهذا الشارع عليه أن يدرك أن اختيار المجالس المحلية هو حقه الذي يجب ألا ينازعه به أي طرف أو أي جهة، وعندما يعود هذا الحق للناس سيحسب المسؤولون عن هذه المجالس ألف حساب قبل أن يتخذوا أي قرار خاطئ، لكن هذا الأمر يتطلب مبادرة، ويفترض أن من عليه أن يقوم بهذه المبادرة هو مجلس محافظة حلب الحرة الذي يمكنه أن يعلن إجراء انتخابات في كافة المدن والبلدات، لكن كيف يمكن أن يطلب مجلس المحافظة ذلك بينما يرفض هو ذاته إجراء انتخاباته الخاصة بعد مرور أشهر على انتهاء ولاية أعضائه الحاليين؟!

يتبع.. غدا حلقة ثالثة وأخيرة. 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات