نساء سوريات يتحدثن عن أبرز 5 أمراض نفسية أُصبن بها بسبب الحرب

أورينت نت - فادية كمال 2021-12-04 06:00:00

تعبيرية

تعاني كثير من النساء السوريات في شمال غرب سوريا من أمراض نفسية وعصبية نتيجة الحرب التي طال أمدها أكثر من عشرة أعوام متتالية، والتي لم تقتصر على القصف والدمار فقط بل تعدتها إلى دمار اقتصادي وتفكك اجتماعي ونزوح متكرر، وتتحمل النساء الجزء الأكبر  من التوتر الذي ينتج عنه.

طبعاً هذا عدا عن تحميل الرجال جزءا  من توترهم للنساء، اللواتي أصبحن يتحملن معظم المسؤوليات في الأسرة بدءا من مسؤولية المرأة عن الأولاد وعن سلامتهم وتربيتهم وتعليمهم، كما إنها قد تضطر للقيام بدور الأب و الأم في آن واحد، حين يكون الأب غائباً عن المنزل لأي سبب من الأسباب، فعمل الأب لتأمين لقمة العيش قد يتطلب منه الابتعاد عن البيت لعدة أيام، أو أن تفتقده الأسرة بشكل كامل كأن يكون شهيداً أو متوفياً، فتجد الأم نفسها المعيل الوحيد للعائلة، كما إنها قد تكون امرأة عاملة وذلك يتطلب منها الكثير من الجهد، والسهر، والتفكير بأمور فوق طاقتها، وكل هذه الأعباء قد تؤدي إلى التوتر النفسي الذي ينتج عنه الكثير من الأمراض العصبية والنفسية دون أن تدرك خطورة الأمر، وحاجتها للعلاج والراحة لتستعيد قوتها وتبدأ من جديد لتكمل مسيرتها وتتخطى صعوبات الحياة.

ولا شك أن معظم السوريات لا سيما الذين عانين مرارة النزوح والفقد والفقر يشتكون من مشاكل وأزمات عديدة أثرت بشكل كبير على مجرى حياتهم الزوجية، في ظل استمرار المسببات وغياب العناية اللازم، إن كان بما يخص الطبابة والعلاج، كما أن التوتر النفسي الذي ينتج عنه عدد كبير من الأمراض النفسية، مثل القلق والتوتر والخوف والوسواس القهري وكل هذه الأعراض تؤثر سلباً على الأسرة بأكملها، وبالأخص على الأم التي تعتبر النواة الأساسية في الأسرة .

أمراض نفسية

تعتقد لمياء السيد البالغة من العمر ٤٠عاماً من قرية معرة النعمان التابعة لريف إدلب الشرقي، أنها تعاني من مشكلة نفسية قد تحتاج لطبيب لعلاجها وقالت لأورينت : "أعاني من نوبات اكتئاب وحزن مستمر  كما أشعر  بحالات من الغضب والانفعال غير المبرر لأتفه الأسباب، كما أعاني من أرقٍ ليلي مستمر قد يصل إلى عشرة أيام متواصلة دون نوم كاف، الأمر الذي يسبب لي حالة من الصداع الشديد، فيزيد من حالة توتري على أفراد أسرتي، كما وصلت لحالة إدمان على الدخان و الأركيلة والقهوة، بالإضافة إلى الرغبة بالوحدة وعدم الاندماج مع أي شخص كان".

وأضافت السيدة: "في بعض الأحيان توجد في منزلي ابنتي المتزوجة وطفلها بسبب عمل زوجها ليلاً فتحاول جاهدة إخراجي من المنزل وإبعادي عن جو البيت والحال الذي يلازمني، إلا أنني سرعان ما أعود  لآلامي وأحزاني وعزلتي و إدماني.

 

وتشير السيدة الأربعينية: إلى أنها بعدما افتقدت لمة الأهل والأقارب والأصدقاء بسبب الحرب والتهجير، ولم يعد يعنيها وجود الآخرين بل تشعر بحاجة للابتعاد عن الجميع والاكتفاء بأسرتها، وتضيف "مشكلتي أني لم أعد أحتمل أي شيء أو التفكير بحلول ممكنة لأتعايش مع أسرتي، وليس لدي الجرأة على عرض مشكلتي على طبيب نفسي أو أخصائي اجتماعي، لعله يخفف من معاناتي على الرغم من وجود الجمعيات والمنظمات الأهلية التي تقدم الدعم الاجتماعي والنفسي، وإعادة التأهيل للفئات المتضررة نفسيا إثر الحرب، فهناك الكثير من النساء لجأن لهذه المشاريع إلا أنه لا يوجد ثقة تامة بكفاءة هؤلاء المتدربين و اختصاصاتهم".

 شبح الظروف 

 أما سمر (27 عاماً) من قرية سرمين التابعة لريف إدلب الشرقي، والتي نزحت إلى بلدة ترمانين التابعة لريف حلب الغربي منذ أكثر من سبعة أعوام هرباً من القصف والمعارك والدمار، تقول في حديثها لأورينت إنها تنقلت عدة مرات من منزل لآخر طمعاً في شيء من الاستقرار، لكنها لم تشعر يوماً بالاستقرار، وتضيف: "خلال فترة الحرب أصبح زوجي أكثر عنفاً اتجاهي إذ أصبح دائم التوتر لدرجة أنني أصبحت أخشى أن أخبره بنفاد أي من المواد الضرورية للمنزل، و كنت أشعر بالهلع حين تنفد أسطوانة الغاز وأخشى أن أخبره خوفاً من غضبه"، وتكمل روايتها بأنها: منذ سنتين بدأت تعاني من خوف شديد من أي شيء، كالخوف على أسرتها وأطفالها وأن تتوقع في كل لحظة حدوث كارثة منتظرة، وتقول: في تلك الأثناء حدث لي حمل لم أكن أريد إتمامه بسبب قلقي وخوفي على مستقبل أطفالي الضائع في تلك البلاد التي لم تعد لنا وطناً آمناً، فأطفالنا لا يسجلون في قيود نظامية، ومدارسنا غير معترف بها، و لا نعرف إن كنا سوف نكمل في تلك البلاد أم سوف نرغم على الرحيل مجددا.

 تتابع الشابة: "كل هذه الصعوبات زادت من إصراري على عدم الإنجاب ولكن قضاء الله لم يحل دون إتمامه وزادت حالة الخوف بعد الولادة فلم أستطع تقبل طفلي وأتساءل دائماً لماذا يأتي الأطفال إلى هذه الحياة، وبدأت رحلة المعاناة مع عائلتي واتسعت الفجوة بيني وبين زوجي وأطفالي بسبب رفضي الذهاب إلى طبيب نفسي، فبدأ يخاف على أطفاله مني من شدة توتري الدائم عليهم، وترك لي الخيار إما العلاج أو أن أعود إلى بيت أهلي فقررت الالتحاق بجلسات دعم نفسي كانت تقوم بها أخصائيات في جمعيات لحماية المرأة ودعمها وإعادة تأهيلها".

وخلال علاجها أكدت الطبيبة المختصة أن سبب سوء حالة سمر هو عدم انتظام في الهرمونات بعد الولادة، وبعد عدة جلسات بدأت تشعر بتحسن كبير و بدأ أولاً على أسرتها وأطفالها، وقالت "ازداد إيماني بأنه لن يصيبنا إلا ما قدره الله لنا، والآن بدأت استعيد قوتي وأتعافى لأعود لأسرتي كأي أم تحلم برعاية أطفالها بكل حب وحنان".

أطباء مزيفون

منى عليان البالغة من العمر ٣٥ عاماً من قرية أطمة الحدودية التابعة لريف إدلب الشمالي تروي لأورينت نت: أن ظاهرة المعالجين النفسيين الذين يمارسون المهنة دون تدريب أو شهادة في الطب النفسي انتشرت كثيراً في السنوات الأخيرة، وأنها "مع الأسف" كانت واحدة من ضحايا هؤلاء الأطباء المزيفون الذين يقتاتون على جراح الناس.

وتوضح منى: "لقد صعقت عندما أدركت أن الطبيب الذي كنت أزوره في العيادة ليس طبيباً ولا يمتلك أي شهادة في الطب النفسي أو الاجتماعي، إنما هو منتحل لهذه المهنة بعد ازدياد الطلب على المعالجين النفسيين في منطقتنا، بسبب تعدد أساليب القهر والحرب والحرمان والوضع الاقتصادي المتردي الذي أدى إلى زيادة في تدهور الحالة النفسية والصحية والعصبية لسكان  المنطقة.

تشير السيدة أن ذلك "الطبيب المزيف" كان يتمتع بلسان طليق يوحي أنه يستطيع توصيف الحالة بشكل دقيق، ولذلك اعتقدت أنه الشخص الذي يمكن أن يفهمها ويستطيع مساعدتها كونه "مستمع جيد" ولديه الوقت الكافي بسبب تفرغه الكامل لهذا المهنة التي تحتاج لفترة طويلة للعلاج، لكن الأمر الذي لاحظته "منى" أن مرضاه، أي "الطبيب المزيف" جميعهن من النساء فقط، وأنه كان يتحدث بنفس الكلمات والأسئلة معهن ويصف نفس الدواء لجميع مرضاه.

تتابع حديثها: "في بعض الأحيان كان يقترب أكثر من اللازم مبرراً الأمر على أنه لغة جسد، وهي ضرورية عند الأطباء النفسيين لمساعدة المريض في استخراج ما لديه، والتقرب منه دون الشعور بالضغط و الإحراج، وهذا ما زاد شكّي في أمره، من المحزن أن كثيراً من ضحاياه لم تستطعن التمييز بين لغة الجسد والتحرش".

كان ذلك الطبيب يطلب الاسترخاء التام من "منى"، و يصغي بشكل جيد حتى تنهي كلامها، لكنها كانت تطلب التوقف و استكمال الجلسة في وقت آخر، وعندما تخرج من العيادة تصاب بتشنجات جسدية وتشعر بزيادة الضغوطات النفسية في رأسها، كما تروي السيدة، والتي بدأت بعد ذلك تشعر بمضاعفات لحالتها لكنها كانت تبرر الأمر على أنه نتيجة خوفها من المجتمع ونظرة الناس لعدم وجود الوعي الكافي لضرورة زيارة الطبيب النفسي، وتقول:  "إلا أن حالتي زادت سوءاً فأصبحت أعاني من تشنجات في معدتي وأحياناً تشنجات في عضلة القلب على الرغم من إجراء الفحوصات اللازمة وعدم وجود أي مشكلة عضوية، وهذا ما دفعني للتحقق من كفاءة هذا المدعي ولكن للأسف بعد فوات الأوان وتراجع حالتي النفسية، فبدأت أحذر الناس من حولي من أمثال هذا الممتهن الذي يسعى للربح من آلام ومعاناة الآخرين دون الأخذ بعين الاعتبار مدى الضرر الذي قد يلحق بهن" .

ما وراء الأسباب

من جهتها تعتبر بيان ريحان رئيس "مكتب المرأة في المجلس المحلي لمدينة دوما سابقا" في حديثها لأورينت نت: أن الأمراض النفسية التي تصيب النساء تحت ظروف الحرب من أهمها الاكتئاب بدرجاته جميعها إن كان حاداً أو بسيط، وقد يؤدي إلى انفصام الشخصية في بعض الأحيان وقد تقدم بعض النساء على الانتحار بسبب حالة اليأس والاكتئاب التي تعيشها، وتضيف ريحان: "هناك أمراض مثل الوسواس القهري ووسواس النظافة الذي ينتج عن عدم توفر المياه وعدم وجود الماء الساخن وأدوات الراحة قد تصيب النساء، مشيرة إلى أن مرض الوسواس القهري ينتج إما من الخوف الذي يصيب الكثير من النساء من القصف أو الأصوات المرتفعة أو الطيران أو اي شيء يتحرك أو من القتل وأصوات الرصاص.

غير أن تلك المخاوف الناجمة عن ظروف الحرب والقصف تسبب أمراض جسدية أو تبول غير إرادي إثر سماع أي صوت، بحسب ريحان التي تقول: إن "أثر هذه الأمراض هو أثر مباشر ينعكس على جميع أفراد الأسرة إذا كان لديها أطفال فقد تخاف عليهم من الخروج من المنزل أو اللعب مع الأطفال والاحتكاك بهم فإذا كانت مكتئبة ستكون علاقتها سيئة بكل الوسط، ويزداد العنف الأسري، فتستخدم مع طفلها الضرب لتمنعه من الخروج، من شدة خوفها عليه لعدم قدرتها على استخدام أساليب أخرى".

إلى جانب تؤكد ريحان أن حالات الرجل المعنّف قد ازدادت بشكل كبير، وشهدت معظم مناطق سوريا زيادة في حالات التعنيف من قبل الزوج، بسبب ظروف الحرب والحصار وقلة ذات اليد، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على وضع الأسرة بشكل عام، وأدى إلى اضطرابات داخل الأسرة وازدادت نسبة المعنفات بشكل كبير، وخاصة في السنوات الأخيرة وأصبحت حالات الطلاق اكثر من حالات الزواج .

أخصائي يوضح

بدوره أوضح الطبيب النفسي باسل نمرة في حديثه لأورينت نت: أن الأمراض النفسية التي تصيب النساء في ظروف الحرب تبدأ من اضطراب الشخصية نتيجة الظروف التي يعيشونها، سواء فقدان الزوج أو الوضع الاقتصادي الذي بدأ يصبح أصعب كلما ازدادت المدة الزمنية، وهذا ما زاد عند النساء اللواتي لديهن التزامات نحو البيت والأسرة والأطفال، من حالات الاضطراب بالشخصية والإحساس بالمسؤولية والإدارة لتبقى داعمة لزوجها لتستمر سفينة هذه الاسرة.

و أضاف نمرة أن وجود أطفال في سنّ المدرسة واضطراب التعليم ومشاكل المدرسة يؤثر على الأم ومدى إمكانية أن تكون البديل عن المدرسة إن كانت واصلة لمرحلة دراسية وثقافية معينة، وإن لم تكن متعلمة سوف يحصل لديها اضطراب إضافي، كما إن الكثير من الحالات التي لم يكن لديها أطفال بعمر المدرسة يوجد خطر محيط بهم، "هذا إن كان الزوج موجود يدعم أكثر وإذا لم يكن موجوداً تزداد الصعوبة على الأم، كيف ستحمي العائلة وتؤمن لها الوضع المعيشي؟ لأنها المسؤولة عن الأولاد بعد غياب زوجها أو في حال فقدانه نهائياً، إذ تبدأ في هذه الحالة تزداد مرحلة الاضطرابات النفسية والاكتئاب والإدمان على التدخين، ما يؤدي إلى دخولها مرحلة حادة من الإدمان وانحراف في السلوك ومعظم هذه الحالات سببها الوضع المعيشي الصعب في ظل الحرب.

 ويقول الطبيب: إن النساء اللاتي تبدأ عندهنّ الاضطرابات النفسية بوجود الأسرة أو الزوج الداعم ودخولها لبرنامج علاجي يتحسن وضعها بشكل ملحوظ، ويتابع "إلا أننا لا نستطيع أن ننكر أن هناك حالات نتيجة دخولها أمراض نفسية أو اكتئاب بدأت العدوانية عندها تجاه حتى أسرتها التي أصبحت بالنسبة لها تشكل عداءً، وتدفعها لممارسة العنف الذي لم يكن من شخصيتها بالأصل اتجاههم"، حيث إن ذلك يأتي نتيجة الظروف ويصبح لديها ردة فعل وهذه حالة مرضية، بحسب نمرة الذي يعتبر أن "هذه الحالات للأسف عددها لا بأس به، وهناك حالات أدت أن الزوج بعد محاولته أو ربما لم يحاول عرضها على أخصائي للعلاج رفض استمرار الزواج، ما أدى إلى تفكك الأسرة والطلاق وأصبح الأطفال بدون أم، وهذا بالتأكيد يسبب للأطفال اضطرابات في شخصيتهم، وبالتالي أي حالة اضطرابات نفسية تصيب الأم ستؤثر على الأولاد وتنقلها لهم، ونادراً ما ينجو الأطفال من التأثر بالحالة التي تصيب والدتهم".

التعليقات