هل يسري التشبيح في دماء الأدب وشرايين الفن والفنانين؟

محمد صخر بعث | 2021-12-03 08:25 بتوقيت دمشق

سوزان نجم الدين وزهير رمضان وأحمد رافع
سوزان نجم الدين وزهير رمضان وأحمد رافع
لم يصل شاعر سوري – إذا استثنينا نزار قباني طبعاً-  إلى العالمية كما وصل أدونيس، ولم ينتشر ممثّل سوري في الكوميديا عربياً كما دريد لحّام، ولم تبلغ ويبلغ النجاح والتألّق ممثّلة وممثّل سوري في الدراما كما بلغت وبلغ منى واصف وبسّام كوسا، كما لم تُطرب مغنّية سورية كما أطربت ميّادة الحنّاوي، أو مُطرب سوري مثل جورج وسّوف (قبل أن يبدأ بالجعير طبعاً). 

ولقد وقف هؤلاء جميعاً وغيرهم الكثير من أهل الأدب والفنّ، في الكتابة وفي التمثيل والغناء مع المجرم بشّار أسد، فآزروه وساندوه أو مدحوه ومجّدوه، فشجّعوه وأمدّوه، ومن يقف مع مجرم بأيّة وسيلة أو طريقة أو لأجل أيّما غرض أو مبرّر فعلاً وقولاً أو فكراً، فهو مجرم مثله، وفي الأصل.. لو لم يكن للقاتل أدوات، لما استطاع أن يقتُل، وأسد كان مجرّد أداةٍ امتلكت أدوات، هكذا: مثل قاتل مأجور أُعطيَ بندقيةً فيها بضعة مخازن من الطلقات ليقتل بها عدداً محدّداً من الناس، حتّى نفدت طلقاته فاكتشف أنّه يملك في كلّ ركن من أركان المزرعة التي يحتلّها آلافاً مؤلّفةً من الذخيرة المطواعة من الناس، فقتل بأجرة وبغير أجرة آلافاً مؤلّفةً من أبرياء الناس. 



بالذخيرة التي قدّمها له من أيّده ومن ادّعى أنّه عارضه، قتل أسد كل ما أمكن له أن يقتل، وهو مجرّد "بندقية"!. 

طبعاً هذا مُزعج، بل مزعج جدّاً، لأنّك تتمنّى ببساطة إن كنتَ من أهل الثورة أن يكون معها أكفياء الناس، في الطبّ والهندسة والقانون وفي الرياضة والعلوم والفنون، لكنّ الموهبة شيء والأخلاق شيء آخر تماماً، كما والفعل الواضح الفاضح شيء والسكوت أو التهاون شيء آخر، وكذا فرّق الكثير من "أهل الثورة" بين زهير رمضان وصباح فخري -بلا تشابيه-، فلقد أفصح الأوّل عن وقاحته وإجرامه، ولم يفعل الثاني شيئاً سوى السكوت أو الرضوخ، مع ملاحظة أنّه لا مقارنة بين ممثّل هزيل واتاه ظهور الظروف وواتته ظروف الظهور ولم يظفر بإنجاز، وبين مطرب عملاق أدار رياح الغناء وأطلق صوته فارتدّ صداه صافياً رخيماً وبرجعة إعجاز، وفي الحقيقة.. الأعمال الجميلة أو الحضور والأداء والوجود والإبداع السوري حالات بلا شكّ وبلا شعور أو تفكير حتّى، تأخذك أحياناً إلى التهوين من شدّة البأس حين ترى أصحابها منصرفين عن قضية "الثورة"، لسبب أو لآخر، وقد تفكّر أحياناً بحكم محبّتك للجمال فتحزن، تُرى لماذا المبدع بسّام كوسا جحش؟ ولماذا الحقير عمر السومة لاعب كرة قدم عظيم؟، وأنت تتلقّف دراما راقية صافية أو تشاهد لعباً وأهدافاً استثنائية!!. 

بالفعل إنّ التفريق بين الفنّ والسياسة وبين الأدب والسياسة وبين الرياضة والسياسة أمر لا بدّ منه.. لا مناص ولا مفرّ، يعني إذا استمعت لأغنية "جرحونا برمش عين" لجورج وسّوف وتذكّرت مشهد عناقه لبشّار مثلما يعانق كلبٌ أخاه بالرضاعة، أو شاهدتَ براعة منى واصف في الأداء التمثيلي ورأيتها جالسة في الصف الأمامي الأقرب إلى أسد حين كان يجدّد التبرّز على الدستور بعد إعادة اجتراره، أو قرأت مقالة لحسن .م يوسف من مقالات صحيفة تشرين "قديماً نسبياً" ثمّ قرأت موقفه حول "الثورة السورية العُظمى"، فستجد نفسك إن كنتَ صحيح الفؤاد صريح البيان في صفّ الحقّ. 

الحقّ شيء والمهارة شيء مختلف، لكنّ الحقّ يلعن أمّ كلّ شيء، لكن.. من معه؟. 

أحياناً أتساءل: تُرى لو كان نزار قبّاني حيّاً هل سيقف مع الثورة؟، والماغوط مثلاً من الشعراء؟، أو سعد الله ونّوس من الكتّاب؟، نهاد قلعي من الممثّلين، أو رفيق شُكري من المطربين، رغم كلّ الأعمال التي قدّموها وقدّموا أنفسهم من خلالها مُحبيّن للعروبة والحرّية وللناس؟، عدا عن المسألة الشائكة مسألة العروبة، بالتأكيد قدّم هؤلاء أمثلةً واضحة المعالم عن الأدب الملتزم والفنّ الجيّد، ورسالةً صريحة في أعمالهم أو في حيواتهم أو هنا وهناك في معارضة الاستبداد والطغيان، لكن.. هل نحنُ متأكّدون تماماً؟. 

هل كان لنزار بعد الثورة أن يشبّح كما فعل أدونيس بحجّة خروج المظاهرات من المساجد؟، هل سينصرف سعد الله ونّوس إلى "الطائفية" في الموقف من إسقاط النظام، كما فعل حيدر حيدر ونبيل سليمان، وهل سيمقت رفيق شكري الثورة لأنّه كان يحبّ الديكتاتور السافل "جمال عبد الناصر"، وهل سيصمت الماغوط كما صمت أهل "سَلَميّة"، أو كان سيطبّل وينفخ ويزمّر نهاد قلعي كما طبّل ونفخ وزمّر بل ونبح دريد لحّام؟، تُرى ما الحكاية، وما هو أصل الموهبة أصلاً!.

أصلاً في الموهبة، من قال إنّ الشيطان ليس موهوباً!!

التعليقات