ما حقيقة مناقصة المناهج المخصصة لمناطق سيطرة المعارضة وما هو دور الائتلاف ؟

عقيل حسين 2021-12-02 14:37:00

يبدو أن قضية كتاب "السيرة النبوية" الذي تم توزيعه في شمال شرق حلب مؤخراً، وتضمن رسوماً تعبيرية مثيرة للجدل، ليست سوى تفصيل في سياق ملف شامل يتعلق بقضية المناهج التعليمية في المناطق المحررة، بدأ يثير خلافات واسعة داخل قوى المعارضة.

فبعد الهجوم العنيف الذي تعرض له "مركز استشراف للأبحاث" بسبب هذه الرسوم، انتشرت معلومات تتحدث عن أن المركز التابع لرئيس التيار الوطني السوري عماد الدين رشيد بصدد وضع عدة مواد أخرى في إطار إقرار منهاج جديد للمناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني شمال سوريا.

المعلومات التي جرى الكشف عنها كارتدادات للهزة التي أحدثها كتاب "السيرة النبوية" تحدثت عن أن المركز فاز بمناقصة أجراها الائتلاف قبل أشهر من أجل وضع وطباعة المنهاج الجديد، الأمر الذي نفاه الائتلاف، مبيناً أنه ليس جزءاً من هذه العملية.

مناقصة المناهج ودور الائتلاف

مسؤول في الائتلاف قال في تصريح ل"أورينت نت": إن الاتفاق تم بين وزارة التربية والتعليم في الحكومة التركية وبين مركز "استشراف" بعد أن رست المناقصة التي أعلنت عنها وزارة التربية التركية وفق الأصول المتبعة على المركز.

وحتى اليوم فإن المناهج المعتمدة في مناطق سيطرة المعارضة هي مناهج النظام المقررة قبل عام ٢٠١٤ بعد تنقيحها من كل ما يرمز للبعث وآل أسد، باستثناء ثلاث مواد تم تعليق العمل بها بطلب تركي، وهي التربية الإسلامية والتاريخ والجغرافيا.

ورغم أن رئيس التيار الوطني السوري عماد الدين الرشيد، وكذلك المدير التنفيذي لمركز استشراف التابع للتيار، قد تجاهلوا الطلبات التي قدمتها "أورينت" من أجل الإجابة عن أسئلتها بهذا الخصوص، إلا أن مقربين منهم بلغوا "أورينت" أن قيادة التيار تعتبر أن ما يجري هو "استهداف سياسي للتيار ومؤسساته"، لكن من دون الرد على الشبهات التي يثيرها هذا الملف فيما يخص فوز مركز يتبع لجهة ممثلة في الائتلاف بمناقصة ربحية.

الائتلاف من جانبه أيضاً لم يعلق على الأسئلة التي تقدمت بها "أورينت" حول المناقصة وتفاصيلها، وفيما إذا كان قد ساهم هو أو أي مؤسسة تتبع له بوضع شروطها، على اعتبار أن المناهج تعدّ للمناطق التي تخضع لإدارة هذه المؤسسات (الحكومة المؤقتة والمجالس المحلية).

وكان التيار الوطني السوري قد اعتبر في بيانين صدرا بوقت سابق، أن تقييم الرسوم التي تضمنها كتاب السيرة النبوية الموزّع على بعض مدارس الداخل وأثارت الجدل، كان تقييما سلبياً مبالغاً به، وأن الرسوم لا تتضمن أي إساءة، قبل أن يعود ويقدم اعتذاراً رسمياً ويقوم بسحب النسخ الموزعة من الكتاب.

ومع ذلك فإن هذه التبريرات أثارت حفيظة المنتقدين الذين لم يكن الكثير منهم على علم بقضية (مناقصة المنهاج)، لولا أن ظهرت للعلن بعد السجال الذي دار على وسائل التواصل بين أحد أعضاء المجلس الإسلامي والائتلاف من جهة، وبين مسؤول في مركز استشراف من جهة ثانية.

فقد انتقد الدكتور أيمن الجمال عضو الائتلاف عن المجلس الإسلامي القائمين على المركز  بشكل غير مباشر يوم الأربعاء، وطالب بمحاسبتهم في منشور له على الفيسبوك قام بحذفه لاحقاً، وذلك بعد يومين من مطالبته بمنشور آخر أن تكون المناهج "تحت مرجعية شرعية غير شخصية".

الإشارة إلى قضية المناهج كانت لافتة فيما كتبه الجمال، خاصة بعد أن رد عليه المدير التنفيذي لمركز استشراف في تعليق كشف فيه أن الجمال نفسه كان عضواً في لجنة التدقيق، وأنه قام بإنجاز ١٥ ملفاً من الملفات التي يعمل عليها المركز.

الكشف عن هذا العدد من الملفات التي عهد بها للجمال وحده من أجل إنجازها، دفع للبحث في المهام التي يضطلع بها المركز فيما يتعلق بالمنهاج، ليتبين أن الموضوع لا يتعلق فقط بكتاب السيرة النبوية الذي أثار الجدل.

لكن مصادر مقربة من المركز أكدت ل"أورينت" أن عدد الخبراء الذين تم التعاقد معهم لإنجاز هذه المهمة بلغ 160 من مختلف التخصصات، وأن هؤلاء الخبراء يتم مراجعة وتقييم المهام الموكلة لهم بشكل دوري، من أجل استبعاد واستبدال من تثبت عدم أهليته للقيام بهذا الدور، إلا أن خبراء اعتبروا أن هذا ليس كافياً للحكم بأهلية المركز من أجل القيام بمثل هذه المهمة، خاصة بعدما جرى بخصوص الرسوم في كتاب السيرة النبوية.

من جانبه يرى صلاح الدين هوى، الأكاديمي المختص في المناهج والتعليم، أن عملية وضع المناهج على درجة كبيرة من الأهمية والحساسية، ومن يتصدى لها يجب أن تتوفر لديه خبرات ومؤهلات خاصة جداً.

ويقول هوى في حديث ل"أورينت": إعداد المناهج هو اختصاص بحد ذاته، يتم تدريسه في كلية التربية وعلم النفس، ومع ذلك فإن خريج هذا الاختصاص لا يكون مؤهلاً للتصدي لهذه المهمة بمجرد حصوله على الشهادة، إذ يجب أن يخضع لدورات ويتحصل على خبرات عملية في مختلف الحقول والاختصاصات المرتبطة به.

ويرجح هوى أن المركز لم يتعمد الخطأ الوارد في كتاب السيرة النبوية، ويقول: عند توضيحه لما جرى بقضية الرسوم المتضمنة في كتاب السيرة النبوية، أصدر مركز استشراف بياناً قال فيه إنه تفاجأ بالرسوم التي تضمنها الكتاب وأنه لم يكن مطلعاً عليها، وهذا خطأ إذا دل فإنه يدل على أنه ليس لدى القائمين على العمل معرفة بتأثير الصورة وعلاقتها بالمعلومات التي تعبر عنها، وباستخدامات الصور والرسوم والألوان والهدف منها لدى استخدامها في المناهج.

ويختم: من الواضح أن الزملاء في المركز لم يراجعوا المادة بعد إعداد نصها، وحسب خبرتي فإن أي مادة تعليمية يكون لها نسختان تجريبيتان عند الطباعة، واللجنة المشرفة على وضعها تقوم بتدقيق النصوص والصور والألوان في الطبعة التجريبية الأولى، قبل الموافقة عليها، وعند صدور النسخة التجريبية الثانية يتم تدقيقها ومقارنتها بالمسودة والنسخة التجريبية الأولى والموافقة على دفعها للطباعة بشكل رسمي من قبل اللجنة وواضع الرسوم والمدقق اللغوي، ولا يتوقف التدقيق عند ذلك، بل يكون على اللجنة انتقاء عدد من النسخ بشكل عشوائي خلال عملية الطباعة للتأكد أيضاً من مطابقة هذه النسخ النهائية للمسودات والنسخ التجريبية.

استسهال واضح إذن في عملية تأليف واعتماد كتاب السيرة النبوية المخصص لطلاب الصف الأول الابتدائي، والذي تضمن الرسوم المثيرة للجدل، ما يطرح تساؤلات كبيرة حول أهلية المركز للقيام بمهمة كبيرة تتلعق بوضع المناهج، بالإضافة إلى التجاوز على دور مؤسسات المعارضة في هذا الملف الذي يفترض أنه سيادي، وسط صمت كامل من هذه المؤسسات.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات