رحيل سماح إدريس يذكّر بأمجاد مجلة(الآداب): لماذا طمسوا موقفه من ثورة سوريا؟

أورينت نت - محمد منصور | 2021-11-29 07:04 بتوقيت دمشق

سماح إدريس- وفي الإطار عدد (الآداب) عن الثورة السورية الصادر 2011
سماح إدريس- وفي الإطار عدد (الآداب) عن الثورة السورية الصادر 2011
عن عمر لم يتجاوز الستين عاماً، رحل يوم الخميس الماضي (25/11) الباحث والناشر اللبناني سماح إدريس ابن مؤسس مجلة (الآداب) اللبنانية الشهيرة، القاص والروائي والناشر سهيل إدريس، التي كانت منذ خمسينيات القرن العشرين واحدة من أشهر وأهم المجلات الأدبية، وديواناً للأدب في سوريا ولبنان وفي الوطن العربي، احتضنت خلال مسيرتها أهم الأدباء السوريين في عز تألق إنتاجهم، كنزار قباني وعبد السلام العجيلي وزكريا تامر وحنامينة ومطاع الصفدي وبديع حقي وسليمان العيسى وممدوح عدوان وعبد العزيز هلال وعلي كنعان وهاني الراهب وخليل الخوري وعلي الجندي وسواهم ممن وجدوا على صفحاتها وفي دار النشر التابعة لها (دار الآداب) منبرا للحضور والتسويق والانتشار. 

حزب الله يعزي ويضلل!


ويبدو أن موقف سماح إدريس الثابت من التطبيع مع إسرائيل واستغلال محور الاتجار بالمقاومة لهذا الموقف وإصدار حزب الله بيانا يزعم فيه أنه برحيل سماح إدريس "خسرنا مناصرا ومدافعا صلبا سخّر ثقافته وإنتاجه الأدبي للدفاع عن فلسطين وحرية شعبها" قد دفع لمحاولة طمس مواقفه المؤيدة للثورة السورية، وتصديره كجزء من محور الممانعة بصيغته الإيرانية – الأسدية، إذ لم يُعرف عن إدريس التعبير عن أي موقف مناصر لإجرام الأسد، كما أن العدد الخاص الذي أصدره من مجلة (الآداب) في بداية انطلاق الثورة السورية عام 2011 يشهد بأن الرجل كان مؤيدا للتغيير في سوريا، مؤمنا أن لا مقاومة لأي عدوان خارجي من دون إنسان حر موفور الكرامة في وطنه.  


الصراع من أجل بقاء (الآداب) 


تولى سماح إدريس المولود في بيروت عام 1961 رئاسة تحرير (الآداب)  في نسختها الورقية منذ عام (1922) وقبل وفاة والده المؤسس عام 2008، وحتى عام (2012) حيث سعى لاستمرار المجلة ذات الحضور الثقافي التاريخي خلال عقود صعبة، كان قد تراجع فيها دور المجلات الثقافية ومردودها المالي، وأثرها على الساحة العربية وانخفضت مبيعاتها، وأنهكتها رقابة الأنظمة المستبدة،   فسعى لاستمرارها إلكترونيا منذ عام 2015 وحتى تموز/ يوليو من العام الجاري، حين صدر العدد الأخير منها.

  لقد تمكن سماح إدريس بإيمانه العميق  أن يصارع من أجل بقاء (الآداب) حية،  ومعه والدته المترجمة اللبنانية (عايدة مطرجي) وشقيقته (رنا)، وتواصل مع الأجيال الشابة التي كانت ترسل نصوصها الأدبية والنقدية إلى المجلة باهتمام ومودة بعيدا عن أية محسوبيات أو وصاية، وأذكر أنني نشرت في (الآداب) وكنتُ في الرابعة والعشرين في تسعينيات القرن العشرين... وطالما استقبل سماح إدريس كتاباتي بمودة، وقدم لنقاشاتي النقدية باهتمام وعمق..   لقد كان همه أن يثبت حضور المجلة العريقة واستمرارها دون أن يأمل باستعادة أمجادها التي بنتها في زمن مختلف عن زمن نهايات القرن العشرين وانهياراته الثقافية المؤلمة.. لكن أفضل ما أسداه لقراء العربية، هو رعاية مشروع نشر أرشيفها كاملا على الموقع الإلكتروني لدار الآداب، فقدم للأجيال ثروة لا تقدر بزمن من النصوص والمقالات والأبحاث والسجالات التي عكست حيوية الساحة الثقافية العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. 



درس الأدب والاقتصاد والسياسة!


وكان سماح إدريس  قد حصل على بكالوريوس في الاقتصاد من الجامعة الأمريكية قبل أن يتجه إلى دراسة الأدب العربي ويحصل على  الماجستير في الأدب العربي من الجامعة نفسها في بحث (رئيف خوري وتراث العرب) ثم ينال شهادة الدكتوراه في دراسات الشرق الأوسط من جامعة كولومبيا الأميركيّة عام 1991. ولإدريس العديد من الدراسات والمقالات والكتب المترجمة، كما له كتابان في النقد الأدبي، وأربع روايات للناشئة، ومجموعة من قصص الأطفال.

لسماح إدريس العديد من الدراسات النقدية، وكانت باكورة مؤلفاته كتاب (رئيف خوري وتراث العرب) الذي نشره كأول كتبه النقدية، وصدر عن دار الآداب في بيروت عام 1986  ثم (المثقف العربي والسلطة: روايات التجربة الناصرية) وقد صدر عن دار الآداب في بيروت عام 1991 وعالج في هذه الدراسة أكثر من عشرين رواية كتبها كل من نجيب محفوظ ويوسف إدريس وعبد الرحمن الشرقاوي وفتحي غانم ويحيى حقي ويوسف السباعي وغالب هلسا وصنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني، محللاً علاقة الشكل واللغة بالمضمون السياسي للعمل الروائي خلال التجربة الناصرية. 

فضلا عن ترجمته (بالاشتراك مع أيمن  حداد)  لكتاب (صناعة الهولوكوست، تأملات في استغلال المعاناة اليهودية) للبروفيسور الأمريكي نورمان فنكلستين، والذي أصدرته دار الآداب عام (2001) وشرح استخدام المحرقة النازية لليهود كسلاح أيديولوجي لتحويل إسرائيل إلى ضحية، حسب المؤلف. 

كما اهتم سماح إدريس بالكتابة للأطفال وأصدر سبعة كتب في مجال أدب الطفل (الموزة- الكل مشغول- أم جديدة-  تحت السرير-  قصة الكوسى- البنت الشقراء؛- مشمش)، وأربع روايات للفتيات والفتيان، أبرزها (الملجأ) التي يستعيد فيها شيئاً من سنوات بفاعته في ظل الحرب اللبنانية، مذكرا بالثمن الذي يدفعه الأطفال في النزاعات والحروب؛ فضلا عن مئات المقالات في السياسة، الأدب، اللغة، والترجمة ومقاومة التطبيع. 

هل كان معادياً للثورة السورية حقا؟!


كان سماح إدريس نموذجا للمثقف المتأثر والمؤمن بالفكر القومي الذي روّج له والده من خلال مجلته ودار النشر التي أسسها، لكنه – وبخلاف ما تروّج المواقع والصحف الموالية لمحور العمالة لإيران ونظام الإجرام الأسدي – كان من أوائل المثقفين الذين ناصروا الثورة السورية وقد أصدر في شهر سبتمبر من عام 2011 عددا خاصا من مجلة (الآداب) في نسختها الورقية بعنوان (الانتفاضة السورية) 
أكثر من ذلك.. انتقد سماح إدريس في افتتاحية ذلك العدد ازدواجية المعايير فيمن أيدوا ثورة تونس ومصر واليمن ووقفوا ضد الثورة السورية، وكتب يفضح ازدواجية معاييرهم وانحطاط تفكيرهم بالقول:
" لاحظت في أحد تعليقاتي الأولى على صفحتي الجديدة [في الفيسبوك] أن كثيرين ممن سبق وأيدوا الانتفاضات الشعبية في تونس ومصر واليمن وغيرها من الأقطار العربية، أحجموا عن تأييد الانتفاضة السورية. وعزوت ذلك إلى أن هؤلاء في حقيقة الأمر لم يؤيدوا شعوب مصر وتونس واليمن وغيرها، بل عارضوا أنظمتها الموالية للولايات المتحدة، وفي هذا فارق كبير: فهؤلاء كما يبدو، لم يكونوا حقاً مع  تطلعات تلك الشعوب إلى الحرية والكرامة والخلاص من الفقر والفساد، بل كانوا فقط معادين لسياسات بن علي ومبارك وعلي عبد الله صالح الموالية لأمريكا والساكتة عن العدو الإسرائيلي (أو المطبّعة معه).

 فكأن النضال من أجل الحرية داخل الأوطان في عرف ذوي المعايير المزدوجة هؤلاء نقيصة ومعرّة ومدعاة للشجب في أسوا الأحوال، أو لا يستحق التأييد والتهليل والمباركة مقارنة بالنضال ضد الاحتلال الأجنبي في أحسنها. لقد نسي ذوو المعايير المزدوجة أو تناسوا أن الحرية لا تتجزأ، وأنها والتحرر توأمان لا ينفصلان، أو وجهان لعملة واحدة اسمها الكرامة الإنسانية. إن الشهيد والجريح والأسير والمعتقل في ساح مكافحة الاستبداد (الداخلي الأمني والديني والاجتماعي..) لا يقلّون إسهاما في رفع شأن الإنسان والأمة عن نظرائهم في ساح مقاومة الاحتلال الخارجي". 

وبعد عشر سنوات على ثورات الربيع العربي، قام سماح إدريس بترجمة مقال كتب بالإنكليزية للباحث الفلسطيني محمد بامية، ونشره في مجلة (الآداب) الإلكترونية، حيّى فيه كل تلك الثورات وأكد فيه حتمية الثورة، وكان كلامه يشمل الواقع السوري بدقة، ومما جاء في المقال – البحث، الذي حمل عنوان: (عشر أطروحات للثورة):
" في كلّ الأحوال فإنّ عدوَّ هذه الثورات أي "النظام،" يُظْهر هو أيضاً النموذجَ ذاتَه: فبعد أن "تبلّدَ" جيلًا أو جيليْن في مركز السلطة التي لا ينازعُه عليه أحد، لم يعد يستطيع الاستجابةَ للثورات الجديدة إلّا بمزيجٍ من القوّة الوحشيّة والتنازلاتِ الطفيفة؛ وهي تنازلاتٌ كانت على الدوام أقلَّ ممّا ينبغي، وجاءت متأخّرةً أكثرَ ممّا ينبغي، بحيث عجز النظامُ عن ترويض التدفّق الفجائيّ من الطاقة الاجتماعيّة التي واجهتْه. النظام لم يكن يعرف أيَّ لعبةٍ غير لعبة الجهاز القديم، واعتبر الثورةَ مجرّدَ ضجيجٍ عابرٍ لن يلبثَ أن يتبدّدَ مع الوقت. لقد كان النمطُ الأساسُ للحُكم على امتداد المنطقة بأسرها هو الصممَ الاستبداديّ. إذًا، في حين أنّ نماذجَ الثورة هي دومًا نماذجُ خلّاقةٌ ومفاجِئة (وإلّا لَمَا كانت ثمّة ثورةٌ)، فإنّ نماذجَ النظام لا يمكن إلّا أن تكون بليدةً ويمكن التنبّؤُ بها؛ ولهذا نقول إنّ النظام جهازٌ مكرَّس وراسخٌ أصلًا. الأجهزة، خلافًا للثورات، تفضِّل أن تعيدَ إنتاجَ الشيء الأوحد الذي تعرفه، ألا وهو: ذاتُها (أي الأجهزة) ".

استغلال الموقف الصارم من التطبيع


رحل سماح إدريس بعد تدهور صحته جراء إصابته بمرض السرطان، آمن بفلسطين وحمل لواء مقاومة التطبيع مع إسرائيل، فاستغل إعلام أبواق الدكتاتوريات والمشروع التوسعي الإيراني هذا الموقف لطمس موقفه المبدئي إزاء الحريات كل الحريات،بما فيها حرية الإنسان الفرد الذي لن يستطيع أن يقاوم مشاريع التطبيع في الخارج، وهو مسحوق الكرامة داخل وطنه. رحل سماح إدريس بعد أن صارت العلاقة مع نظام الأسد مثل العلاقة مع إسرائيل اسمها (تطبيع) وفي آخر افتتاحية له في العدد الأخير من مجلة (الآداب) الإلكترونية كتب يشتم من أوصلوا لبنان في ظل النظام الحليف لإجرام الأسد إلى ما أوصلوه إليه فقال: 
" مع حثالةٍ سارقةٍ وقاتلةٍ وحقيرةٍ كهذه، قد لا تبدو للكلمة التتغييريّة المستقلّة سطوة. حتى إحراجُ هذه الحثالة قد لا يحصل... ببساطة لأنْ لا أخلاقَ ولا قيمَ لها كي تَشعرَ بأيّ إحراج! فكيف إذا كانت تلك الكلمةُ تواجه اكتساحًا متناميًا لإعلام مقايضةِ الكهرباء والماء والمكيِّف والمازوت والبنزين... ببيْع كلّ المبادئ الأخلاقيّة والقومية والوطنيّة والتقدميّة؟" وفي العبارات الأخيرة إشارة للتطبيع عبر الطاقة: عن الغاز "المصري" والكهرباء "الأردنية" وهو مشروع كان يؤيده حزب الله ومحور الاتجار بالمقاومة لفك عزلة النظام السوري، وتخفيف أزمة الطاقة في لبنان التي يعدّ حزب الله المشارك في الحكومة أحد المتسببين بها. 
رحم الله سماح إدريس والعار لكل من حاولوا طمس موقفه الحر من الثورة السورية أو "الانتفاضة السورية الكبرى" كما أسماها.  


التعليقات