داعش وتكتيكات اللامكان!

العقيد فايز الأسمر | 2021-11-26 07:23 بتوقيت دمشق

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
بعد الحملة الجوية الشرسة وغير المسبوقة التي قام بها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على تنظيم داعش الإرهابي والتي بدأت عملياً أولى غاراتها وضرباتها على أماكن سيطرة التنظيم مع بدايات شهر آب  "2014".. وأدت نهاية هذه الحملة إلى فقدان التنظيم للسيطرة المكانية؛ وخسارته لآخر معاقله في "هجين" و"الباغوز" في شهر آذار "2019"؛ ولكن الملاحظ للجميع وبعد فترة من الكمون السلبي، قام التنظيم بلملمة بقايا مجموعاته وعناصره فإزدادت وتصاعدت إلى حد كبير نشاطاته وعملياته الميدانية التي بات يقوم بها ضد ميليشيات إيران وجيش النظام؛ وتركزت غالبية هذه الهجمات في محيط الطرق الرئيسية الموجودة في البادية الشامية كطريق  "أثريا خناصر الطبقة" وطريق تدمر  السخنة دير الزور"   والتي تعدّ حقيقة طرقاً هامة لإمداد قوات النظام والروس، بل وعقدة مواصلات إستراتيجية تربط عدة محافظات سورية مع بعضها البعض  (دير الزور وحمص وحماة والرقة وحلب) !! 

الواضح ومن خلال تنوع جغرافيا الأماكن التي يستهدفها التنظيم  بعملياته؛ فإننا نستطيع التأكيد على أن "داعش" يمتلك القدرة لإمكانيات وحرية التحرك والتنقل كالأشباح في مسارح العمليات وعلى منطقة جغرافية واسعة تمتدّ من ريف حماة الشرقي غرباً إلى بادية محافظة الرقة؛ بدءاً من منطقة أثريا وصولاً إلى منطقة الرصافة.؛ كما أن نشاطات التنظيم مستمرة في قلب البادية السورية اعتبارا من  محيط بلدة السخنة الواقعة شمال شرق  مدينة تدمر؛ وصولاً إلى بادية دير الزور والبوكمال ومحيط محطة T2 قرب الحدود العراقية..!! 

وهذا لايعني مطلقاً مطلقا أن نشاط التنظيم يقتصر فقط على البادية الشامية بل هناك أيضا نشاط ميداني واضح مستمر ودامٍ للتنظيم ضد ميليشيات ومقرات وحواجز ميليشيات "قسد" والمتعاونين معها في شرق الفرات؛ رغم العديد من عمليات الإنزال الجوي و المداهمات التي تنفذها القوات الأمريكية بالتعاون مع وحدات "قسد"  الانفصالية للقبض على عناصر داعش المتوارية أو المتعاونين و المؤيدين للتنظيم..!! 

من كل ماتقدم إذاً، نستطيع القول إنه وعلى الرغم من الإعلان السابق لهزيمة التنظيم؛ والآن  وعلى الرغم من آلاف الغارات الجوية التي يقوم بها أيضا طيران السوخوي والكاموف 52 "التمساح" الروسي وعشرات حملات التمشيط التي تقوم بها قوات النظام وميليشيات لواء القدس الفلسطيني والدفاع الوطني والميليشيات الإيرانية للبادية الشامية المترامية الأطراف؛ وصولا للحدود العراقية؛ إلا أن بقايا فلول التنظيم لاتزال تشكل الرقم الصعب الذي يقلق بتحركاته وعملياته الكثير من أصحاب النفوذ  الموجودين على الأراضي السورية؛  فالتنظيم وبرغم التضييق عليه نراه ومن خلال عملياته الكثيرة مصمما على إثبات وجوده وزيادة نشاطاته مع قدرته العالية على الاختفاء و التبديل المستمر لمواقعه الافتراضية الواسعة وغير محددة المعالم ..! 

وهنا لابد لنا من الإشارة إلى أن واشنطن على مايبدو لي في هذه الأوقات وعلى مبدأ "عدو عدوي صديقي"؛ فإنها تجد أن لها كل المصلحة في غض الطرف عن التزايد الكبير لنشاطات داعش في البادية الشامية السورية؛ والتي تقلق وتؤرق من خلالها الدب الروسي كثيرا؛ بالإضافة إلى الاستنزاف الدائم والمتواصل لجيش الأسد وميليشياته والميليشيات الولائية التابعة للحرس الثوري الإيراني...!! 

ميدانياً أستطيع القول إن بقايا التنظيم وخلاياه قد تحررت "إن صح التعبير" من عقدة سيطرة المكان؛ والتي هي حقيقة لم تعود على التنظيم إلا بالويلات بعد إعلان التحالف الذي اتخذ من ميليشيات قسد شريكا له ووضعها كرأس حربة في العمليات البرية للحرب على التنظيم وبدء الضربات الجوية والصاروخية على أماكن سيطرته والتراجع وخسارة هذه المناطق الواحدة تلو الأخرى 



ولكن في الواقع وبعد أن فقد تنظيم داعش السيطرة الجغرافية وإمكانية ومركزية القرار وانحلال عقده إلى مجموعات وخلايا عنقودية متوزعة في شرق الفرات والبادية الشامية، قد تكيّف مع الواقع الميداني الجديد المفروض؛ وأصبحت عملياته القتالية تعتمد على الأساليب التالية:

1_الغارات الليلية والنهارية الخاطفة التي يهاجم التنظيم من خلالها حواجز ومقرات النظام وميليشياته المتباعدة 

2_الكمائن و الكمائن المزدوجة التي يقوم بتنفيذهاعلى طرق إمداد قوات النظام والميليشيات الإيرانية

3_أعمال التفخيخ والتلغيم الموجهة الموضوعة على الطرق التي تستخدم من قبل النظام 

4_حرب العصابات وأعمال الكر والفر "( اهجم، اقتل، ائسر، اغتنم)" انسحب قبل الوقوع تحت تأثير الضربات الجوية..! 

5_ الاغتيالات بأنواعها

هناك العديد من الأسباب التي تساعد التنظيم في نجاح عملياته الاستنزافية وتكبيده النظام وميليشياته الخسائر الفادحة في العدة والعتاد لعل من أهمها :      

1_التكيف السريع لمجموعات التنظيم المتبقية مع الظروف الميدانية الصعبة الجديدة..! 

2_المعرفة الدقيقة لطبيعة الأرض الصحراوية واستثمار إيجابياتها في تنفيذ أعمال الإخفاء والتمويه..! 

3_إتقان المناورة والتحركات السريعة في البادية السورية الواسعة والمعرفة الدقيقة لمداخلها ومخارجها والطرق والأساليب الأفضل للتقرب إلى أهدافه..! 

4_الاعتماد الكبير على تحقيق مبدأ المفاجأة في عملياته

5_الاعتماد في النشاط الاستخباراتي لتحركات النظام وميليشياته على البدو الرحل والرعاة وبعض السكان المحليين...

6_الاستثمار الأمثل لخصائص الأرض والاستفادة من الأودية والمنحنيات والمغاور والكهوف في تنقلات وإقامة عناصره، ناهيك عن الأنفاق وخنادق المواصلات التي جهزها التنظيم لاستخدامها إخفاءً لتحركاته والحماية من الضربات الجوية..!! 

7_الاستفادة من انخفاص الحالة المعنوية للنظام وميليشيات إيران وتحسبهم وتخوفهم الدائم من ظهور التنظيم المفاجئ أمامهم...!!

ختاما من المؤكد وخلال الفترات القادمة سيحافظ التنظيم في كل من سوريا والعراق على عملياته التكتيكية العسكرية الحالية التي اتخذت غالبا شكل حرب العصابات وتكتيكات الكر والفر، مبتعداً عن الهجمات والحرب التقليدية المستمرة وذلك لافتقاره إلى القدرات اللازمة اللوجستية والمالية و الاستخباراتية، وسيتجنب التنظيم، إن لم نقل إنه لايملك الإرادة الآن، لإنشاء مناطق خاضعة لسيطرته المستمرة في المدن أو المناطق النائية وذلك  لحماية نفسه من أن يصبح هدفا سهلا للضربات الجوية التي تعرف جغرافيته وحدوده.

التعليقات