وثائقي أورينت (ميلاد شاعر): الشعر والتاريخ واسترجاع سيرة حياة

وثائقي أورينت (ميلاد شاعر): الشعر والتاريخ واسترجاع سيرة حياة
دائماً ما تكون الصورة التي يقدمها الفيلم الوثائقي قابلة للانطباع في ذهن المشاهد لفترات طويلة، وبالتالي تسهم في تشكيل ذهنية المتلقي تجاه الكثير من القضايا المختلفة؛ وهذا من شأنه التأثير على سلوكياتهم.

هذا ما يبدو عليه المشهد في الفيلم الوثائقي الذي أنتجته أورينت (ميلاد شاعر) عن سيرة حياة الشاعر والضابط المسرح من الجيش نادر شاليش: في لحظة غياب،  الذي كتب له السيناريو وأخرجه الصحفي والناقد السوري محمد منصور. للإنصاف قناة أورينت ذات باع الطويل في توثيق حياة السوريين وجوانب ثورتهم  إخبارياً ووثائقياً، وأرشيفها هو الأغنى في مسار الثورة مهما اتفقنا أو اختلفنا مع توجهاتها قليلا أو كثيرا.

مسارات المأساة السورية

الشاعر الثائر نادر شاليش الذي جعلته همجية إجرام حرب نظام بشار الأسد على السوريين، يتقبل بشعور متخم بالحزن حتى المرارة حال "النزوح الأسود" الذي فجر داخله براكين الشعر، وأعاد صياغة كل سيرة حياته التي عاشها كضابط مسرح من الجيش ومدير ثانوية موقوف عن العمل في قريته (كفر نبودة) وكمواطن سوري قبل ذلك كله، عاش جزءا كبيرا من حياته تحت القمع والعسف والجور.. وهنا يتضح توثيقيا حجم الحزن والوجع والقهر والألم لشريحة كبيرة من السوريين، فالفيلم ينتقل من إطار الحكاية، حكاية هذا الشخص، إلى إطار الدلالة.. التي تختزل شريحة واسعة قاست ويلات النزوح والتشرد وعاشت لحظة وداع البيت والأرض والذكريات.

ومن خلال شاعر النزوح نادر شاليش، تتكشف مسارات المأساة السورية ماضياً وحاضراً، فهذا الشاعر الذي قتلته طائفية نظام لديه أزمة ثقة مع الأكثرية المظلومة استمر في تركيزه على الجوهر. الثورة عنده تفاصيل وكان يرى أنها قد تطول عشر سنوات أو أكثر.. أما الجوهر فهو أن هذا النظام غير قابل للحياة إلى الأبد، وغير قابل أن يكون أسلوباً في حكم البشر.. ولعل هذا ما ركز عليه محمد منصور كسيناريست ومخرج في الإطار الدلالي، إن اجتماع الشعر مع الفن الذي يصوغ الفيلم الوثائقي في تكوين الوعي لدى المتلقي، كل ذلك وأكثر قيل في الفيلم بهدوء ورصانة واحترافية عالية.

الفيلم الوثائقي وهاجس التأريخ

يلحظ المتلقي في فيلم (ميلاد شاعر). علاقة متفاعلة بين التاريخ وفن الوثائقي الذي طالما أخلص له منصور، حيث يتطابق التأريخ مع الفن التوثيقي من حيث الوظائف والتأثير والأهداف، فالفيلم سعى لاستعادة سيرة حياة إنسان في لحظة غياب، وكان معنياً بأن يكتب له شهادة ميلاد في الوجدان الجمعي للسوريين الذين تفاعلوا مع شعره خلال رحلة النزوح دون أن يعرفوا الكثير عنه. هنا يتمتع التأريخ بوظيفة معرفية في جانب وتربوية في جانب آخر منه.

والفيلم الوثائقي بدوره يتمتع بوظائف معرفية وتنويري وأخلاقية وجمالية، تتوفر على كل ما سبق وأكثر، فإعادة خلق الحياة تخرج من إطارها الشخصي لتؤدي كل هذه الوظائف.

بالتبسيط تجربة الشاعر الحياتية ليست ملتبسة بل الأصح قوله هنا، هي سيرة حياة فردية حزينة تصلح لكونها تجربة حياتية جمعية سورية سوداء في زمن حكم البعث الأسود، يولد الشاعر يتيماً وتتولى تربيته جدته ثم يتطوع بالجيش ويلتحق بالكلية العسكرية، زمن الانفصال، يتسرح من الجيش، ويدخل كلية الشريعة في دمشق متخرجاً منها بشهادة جامعية بالشريعة الإسلامية، ويتقدم بطلب بعد ذلك للعودة إلى وزارة الدفاع، لتشاء الظروف جعله برتبة نقيب وآمر فرقة دبابات في حرب تشرين ويسطر بطولات فردية، ليلتحق بعدها بجهاز أمن الدولة التابع المخابرات العامة، ثم في ظروف أحداث ثمانينيات القرن المنصرم يسرحه النظام بعد أن يسجنه لأشهر على خلفية عدم ثقته بولائه.. يحاول نادر شاليش من جديد ملتحقاً بالسلك التعليمي كمدير مدرسة في قريته في ريف حماة الشمالي، فيتعرض فيما بعد لعدة استدعاءات أمنية على خلفية انتقاد سلوكيات النظام الطائفية والمنحرفة عن جادة الصواب الوطني.. هذه مفردات وتحولات سيرة درامية سورية بامتياز.. فما من سوري شريف إلا نقل تعسفياً أو سرح أو استدعي للأمن ووجهت إليه التهم.. أو سجن.. ثم نفي أو هُجّر!

إعادة اكتشاف الفرد السوري

تختصر سيرة نادر شاليش سيرة السوريين، لكن ما يجعله مادة لفيلم وثائقي هو صلابته الشخصية أولا كبطل تراجيدي لا يجيد النكوص والتراجع أمام قدره المأساوي كسوري، وموهبته الفنية ثانيا التي جعلت شعره جسرا للعبور إلى وجدان السوريين ولو في مرحلة متأخرة من حياته.. أو "في لحظة غياب" كما أسماها الفيلم.. وجاءت الثورة التي راودت مخيلته كثيراً، حيث لم يتردد بدعمها ولما اشتدت همجية آلة حرب النظام، قصف منزله في قرية كفر نبودة في ريف حماه السورية، فكان زمن "النزوح الأسود" بدايةً على مقربة من قريته التي غادرها بعد ذلك بوقت قصير متجهاً صوب مخيم "أطمة" الذي تبعه استقرار في دكان صغير بمدينة الريحانية التركية انتقل منه بعد ذلك لضاحية (نارلجة) في مدينة أنطاكية لبيت أكثر بؤساً.

الفيلم يجعل من كل ذلك أسلوب تجربة حياتية جمعية سورية متسامية في عالم من الصورة الفنية الواقعية التي تصل حد الخيال، حينما يصادف إنسان غير عارف بالحدث السوري يتساءل عن واقعية هذا الألم.

وهي تجربة مهمة واقتراف واعٍ وذكي ليس لفهم التاريخ السوري معرفياً فحسب، وإنما إعادة لاكتشاف الذات الفردية للفرد السوري قبل وبعد الثورة. حيث تتجسد أمام نظرنا تحولات حميمة تشبه في تفصيلاتها التغريبة الفلسطينية: قصف المنزل والنزوح إنه الفقدان للسقف الأمان، والفن أسلوب حياة يهرب من الموت.

صور حسية وتكوين جمالي

إن مقدرة المخرج السوري محمد منصور على اختيار الصورة الحسية المعبرة التي تحقق هدفه ضمن رؤيته الفلسفية ومرجعياته، في تحليل وتركيب الصور الحسية المتخيلة ذات التكوين الجمالي، المعبر عن التشكيل المرئي، خلال بناء الأحداث الوثائقية، وخصوصية تشكيل الأحداث وما تتطلبه من تفاعل كافة العناصر الفنية والوسائل التقنية من أجل بناء تشكيل اللقطة من خلال الفيلم الوثائقي التاريخي.

يشكل البناء التاريخي للأحداث، بسيناريو سلس ومتمكن هو أشبه برحلة بحث في جغرافيا اللجوء (التركيز على لقطات السيارة وصوت الدليل) أهمية كبيرة في الكشف عن مجمل الخصائص الفنية التكوينية للحدث التاريخي هنا. إن فيلم (ميلاد شاعر) يستغرق في مهمته بصرامة.. فالبحث في تاريخ الرجل يضبط إيقاع السيناريو والصورة لا يشغله سوى بعض الأطفال الفضوليين في المكان.. والفيلم برمته يكشف عن حرب النظام لتخريب الفرد السوري أخلاقياً. إن الزمن الأسود الذي باتت فيه النجاة من التخريب ثمنها القتل، هكذا ببساطة الكلمة تكمن عمق المأساة، والتهجير هو شكل آخر متطور من أشكال إيغال همجية إجرام آلة حرب النظام الطائفي.

لا ينسى المخرج محمد منصور وضع الحلول الإخراجية المناسبة للأبعاد التاريخية للقطة، والطريقة التي تتم فيها معالجة اللقطة الوثائقية التاريخية، إذ يكون خصوصية في آلية السرد ونقل الحقائق التاريخية. هذا العمل يتطلب شروطاً منتجة نجح مخرج العمل في التوافر عليها من المعرفة والدراية الكاملة في الأحداث التاريخية من أجل الوصول.. أي بالتبسيط: مصداقية الحدث الوثائقي التاريخي، والقصدية المبتغاة من أجل التشكيل الوثائقي، ابتداءً وانتهاءً بالمشاهد الأولى التي تنقلنا إلى لحظة التحول في حياة الشاعر وهو يرويها بنفسه (لحظة النزوح) والمشاهد الأخيرة التي تنبش يد منصور التراب عن الرقم الذي وضع لقبر الشاعر.. في لقطة ملهمة تؤكد السعي لنفض التراب عن سيرة بأكملها وإعادتها إلى سياقها التاريخي الذي تستحق.

استناداً إلى ما تم طرحه سابقاً اهتم الصحافي والناقد والمخرج السوري محمد منصور في فيلمه الأخير (ميلاد شاعر: نادر شاليش وداع في لحظة غياب). اهتم بمعالجة شخصية وأحداث تاريخية على إيقاع الزمن النفسي الخاص بالمتلقي، وطبيعة تلقيه للأحداث، واعتمد على الانتقال المكاني مع التتبع الزمني للحدث الوثائقي، وقدمه بإيقاع مونتاجي منضبط (وكان المونتاج من العناصر المهمة في الفيلم)، وبرؤية مخلصة لهدفها، واعية لمفردتها، ولإحساسها الشعري في مقاربة سيرة حياة شاعر.

التعليقات (0)

    0

    الأكثر قراءة

    💡 أهم المواضيع

    ✨ أهم التصنيفات