أهم الأخبار

 

الغارديان تروي أسرار رحلات السوريين والعراقيين إلى بيلاروسيا

ترجمات || ياسين أبو فاضل 2021-11-13 11:58:00

مهاجرون قرب الحدود البولندية
مهاجرون قرب الحدود البولندية

على طريق الغابة المظلمة الشهر الماضي ، كانت الشرطة البولندية تلاحق سيارة مسرعة تجاوزت نقطة تفتيش. كان سائق السيارة يعمل مهرّباً للبشر، وركابه ثلاثة سوريين دفعوا آلافاً مقابل نقلهم إلى ألمانيا، حاولت شاحنة قادمة في الاتجاه المعاكس مراوغتهم لكنها لم تستطع، ما أدى إلى مصرع السوري فرهاد نابو، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر  33 عاماً وينحدر من عين عرب.

ضحايا على الطريق

قال ابن عمه رشوان نابو، وهو عامل سوري يعمل في المجال الإنساني لصحيفة الغارديان: "لقد غادر سوريا، مثل كثيرين غيره، للوصول إلى أوروبا"، مضيفاً أن فرهاد استقلّ رحلة جوية مباشرة إلى مينسك من أربيل في شمال العراق بعد أخبار انتشرت خلال الأشهر الماضية في الرقة ودمشق وحلب تؤكد أن أسهل وأسرع وسيلة للوصول إلى أوروبا هي رحلة مباشرة إلى بيلاروسيا".

فرهاد نابو هو واحد من تسعة أشخاص على الأقل لقوا حتفهم منذ بداية المواجهة الحدودية بين بولندا وبيلاروسيا. اتُّهم ألكسندر لوكاشينكو، رئيس بيلاروسيا ، بالتعمد لإثارة أزمة لاجئين جديدة في أوروبا من خلال تنظيم حركة تهريب الأشخاص من الشرق الأوسط، انتقاماً من عقوبات الاتحاد الأوروبي المفروضة على نظامه الاستبدادي.

يعيش الآلاف من السوريين والأكراد العراقيين داخل خيام صغيرة بين الأشجار،  في المنطقة الفاصلة بين بيلاروسيا وبولندا، حيث تنخفض درجات الحرارة ليلاً إلى ما دون الصفر، وما زال الكثيرون يستعدّون للالتحاق بالرحلة المحفوفة بالمخاطر، ويصطفّون كل يوم خارج أبواب وكالات السفر، بينما تنتظر عائلة نابو لاستعادة جثته ابنها من بولندا.

في البداية كان الأمر محدوداً، عدد قليل من الأشخاص سمعوا بالطريقة الجديدة للوصول إلى منطقة اليورو دون الحاجة إلى تأشيرة شنغن. قال وكيل سفريات في جنوب بيروت يقدّم خدماته للسوريين الذين يحاولون الوصول إلى بيلاروسيا: "لم يأتِ الكثير في البداية لأنهم كانوا متخوِّفين.. كان ذلك في شهر نيسان، ولكن بعد وصول العديد من الأشخاص إلى وجهتهم في أوروبا، بدأت الحركة في الازدهار".

في المناطق الكردية شمال العراق، كان الجدول الزمني مشابهاً، قال أحد الوكلاء في أربيل: "لقد تلقينا توجيهاً من وكيل في بغداد قبل الصيف بأن بيلاروسيا تصدر التأشيرات، لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن تنتشر الأخبار، ويشهد ذلك المسار إقبالاً كثيفاً في الشهرين الماضيين".

في كلتا المدينتين، بيروت أو أربيل، العملية والسعر متشابهان. يدفع العراقيون الراغبون في السفر 3500 دولار (2600 جنيه إسترليني) نقداً، ويخصّص الجزء الأكبر منها لدفع ثمن التأشيرة نفسها.

في الموجة الأخيرة للحصول على التأشيرات، تقدم ما يقدر بـ 3000 إلى 4000 سوري بطلبات في لبنان، بمساعدة السفارة السورية في بيروت. قال أبو فهد، وهو عامل بناء من إحدى ضواحي دمشق يعيش في بيروت منذ خمس سنوات: "حان وقت المغادرة، وهذه هي الفرصة التي كنت أنتظرها. هل تعتقد أنني سأبقى في لبنان الآن؟ إنها أسوأ من سوريا ".

خطوط النقل

يعبُر الناجحون بالحصول على التأشيرة الحدود البرية عائدين إلى سوريا لركوب الطائرة من مطار دمشق حيث تنقل شركات طيران النظام ركابها مباشرة إلى مينسك، فيما يمرّ بعض المسافرين بمحطة ترانزيت إلى إسطنبول قبل التوجه إلى بيلاروسيا.

في الشهر الماضي، نشر مطار مينسك الدولي جدولًا زمنياً جديداً لرحلات فصل الشتاء، وشهد المطار ارتفاع عدد الرحلات الجوية من الشرق الأوسط إلى 55 رحلة أسبوعياً.

قال دلوفان، 27 عاماً، وهو رجل عاطل عن العمل من دهوك في كردستان العراق: "أعلم أنه من الخطر للغاية المرور عبر بيلاروسيا لكنني سأذهب على أي حال إن شاء الله."

وكالات سفر متورِّطة

وقد انزعج القادة الأكراد من النزوح الجماعي الأخير الذي يقولون إنهم لم يتمكنوا من إيقافه. لكن بعد المشاهد اليائسة في الطرف الشرقي من الاتحاد الأوروبي، يقول المسؤولون إنهم يبحثون الآن عن سبل للتدخل.

وقال مسؤول كبير في حكومة إقليم كردستان: "نحن نبحث عن وكلاء سفر متورطين في ما يبدو أنه لعبة سياسية خطيرة من جانب بيلاروسيا، تمثلت في إصدار روتيني لتأشيرات سياحية"، معتبراً أن تلك الخطة بمثابة أمر مباشر باستعمال الاتِّجار واستخدام الأُسَر الضعيفة كوقود لتعزيز موقف بيلاروسيا في نزاع أوروبي داخلي".

تحدثت صحيفة الغارديان إلى العشرات من طالبي اللجوء السوريين والعراقيين والأفغان في مدينة بياليستوك البولندية الذين تمكنوا مؤخراً من عبور الحدود، وأكد جميعهم أنهم وصلوا إلى بيلاروسيا عن طريق شراء حزم خدمات سياحية عُرِضت عليهم من قبل وكالات السفر، يبدو أنها على صلة وثيقة بالسلطات البيلاروسية.

المترجم العراقي أراس بالاني قال إن "وكالات السفر هذه مرتبطة بنسبة 100٪ بالبيلاروسيين"، مضيفاً أن مئات الأشخاص الذين قالوا إنهم اشتروا حزم سفر تتضمن رحلة ذهاباً وإياباً وتأشيرة دخول وحجزاً فندقياً لمدة يومين، حيث يخبر وكلاء السفر المسافرين أن لديهم صِلات بشرطة الحدود، وأن عبور الحدود أمر سهل.

قالت آنا ألبوث، من منظمة Minority Rights Group: "التقيت بعائلات حصلت على معلومات من وكالات السفر أن الحدود بين مينسك والحدود البولندية تبعد بالكاد حوالي ثلاث ساعات سيراً على الأقدام، والحقيقة أن المسافة تبعد حوالي 200 ميل.

قالت شركة الطيران البيلاروسية المملوكة للدولة (Belavia) التي نفت سابقاً أي تورط في عمليات الاتِّجار بالبشر، إنها لا تستطيع "تحديد أسماء وكالات السفر"، وإنها لا يمكنها التأكد بنسبة 100٪ من أن هذه الوكالات متورطة عن عمد في الاتجار بالمهاجرين.

بمجرد وصول المهاجرين إلى العاصمة البيلاروسية، يأتي دور المهرِّبين. تحدّث أحمد، 29 عاماً، وهو طالب حقوق في سوريا، عن صفحات فيسبوك تنشر أرقام هواتف للمهربين الذين يربطون المهاجرين بالسائقين البيلاروسيين.

قال أحمد: "لقد أخذوني من فندق بلانيتا في مينسك إلى الأسلاك الشائكة على الحدود مقابل حوالي 100 دولار".

كابوس المهاجرين

في هذه المرحلة، تتحول الرحلة عادة إلى كابوس، أخبر المهاجرون الغارديان كيف جمعت القوات البيلاروسية مجموعات تصل إلى 50 شخصاً ثم قطعت الأسلاك الشائكة للسماح لهم بالعبور.

على الجانب الآخر، تم نشر ما يقرب من 20 ألف عنصر من شرطة الحدود البولندية، مُدعَّمين بالجيش، في استعراض للقوة غير مسبوق في البلاد منذ نهاية الحرب الباردة.

وبالفعل تم دفع مئات الأشخاص بعنف إلى بيلاروسيا، وحاول بعض المهاجرين العبور عشرات المرات، فيما يبقى النجاح بالعبور مسألة حظ.  

على الرغم من وعود شركات الطيران التركية والبيلاروسية لوقف التدفق، يبدو أن الأزمة لم تنتهِ بعد. لا يزال الآلاف من الناس في بيلاروسيا وآلاف آخرون يائسون يرغبون بالانضمام إليهم.

قال رشوان: "لن يتوقف الناس أبداً عن إيجاد طرق أخرى للوصول إلى أوروبا فإغلاق الحدود بالأسلاك الشائكة لم يمنع ابن عمي فرهاد وأمثاله من الفرار من الحروب والفقر"، مؤكداً أن الناس لن يتوقفوا ببساطة عن إيجاد طرق أخرى للوصول إلى أوروبا.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات