المسألة الطائفية في سوريا (1 من 3): أقليات كبيرة وأكثرية صغيرة

إيمان أبو عساف 2021-11-04 08:59:00

إن الخلل في ديموغرافيا السلطة في سوريا ليس عميقا في تاريخها الحديث، فالشعب السوري إجمالا شعب متسامح وإسلامه رقيق غير متعصب لاسيما في المدن الكبرى، وقد تعايش المسلمون والمسيحيون واليهود قرونا طويلة معا بشكل هادئ نسبيا رغم فتنة مذابح ١٨٦٠ التي كان للقوى الكبرى دور كبير في إشعالها. 

لقد اكتسبت المسألة الطائفية بعدا مختلفا وعميقا بعد استيلاء حزب البعث على السلطة بانقلاب عسكري عام 1963، قيل عنه وفيه الكثير. إجمالا السنة والمسيحيون لا يميلون إلى احتراف الجندية لكسب عيشهم، فالمسلمون إجمالا مزارعون وصناعيون وتجار وكذلك اتجه المسيحيون نحو التعليم والوظائف وإلى الهجرة لاحقا. 

شجعت فرنسا أبناء الأقليات لدخول الجيش (جيش الشرق) وكانت أغلبية المحترفين من العلويين والدروز .. لذلك عندما قامت ٨ آذار ،قال السياسي السوري الفذ خالد العظم: إنه انقلاب (عدس).. أي علوي درزي اسماعيلي. وكان هذا هو الواقع مع وجود واجهات زينة سنية كالأتاسي وأمين الحافظ وسواهما. 

من العلونة إلى حكم العائلة

بعد عام ١٩٦٦ (انقلاب صلاح جديد) بدأت عملية" علونة" الجيش ودوائر الأمن ومع حلول ١٩٧٠ أصبحت كل المفاصل الأساسية للدولة بيد أبناء الطائفة العلوية.. ثم تحولت إلى سلطة العائلة حصريا من دون أن تبتعد عن خزانها العلوي في الجيش وأجهزة الأمن. لاشك بأن تغوّل الأجهزة الـأمنية وانتهاكاتها لحياة الناس والبلطجة على أرزاقهم ناهيك عن التعدي على المشاعر الدينية والطقوسية للسنة (حادثة نزع الحجاب عن سيدات دمشق على يد رعاع سرايا الدفاع) وسوى ذلك من الأحداث قد أججت مشاعر كراهية معاكسة، ولا يمكن للسنة أن ينسوا اقتحام الجوامع بالدبابات بقيادة ضباط دروز متهورين مثل سليم حاطوم (اقتحم جامع الأموي بدمشق) وحمد عبيد (اقتحم جامع السلطان بحماه)، الأمر الذي سعى إليه منظرو السلطة في إقحام الدروز في حلف مع الأقليات وهم أساسا لديهم استعداد فكري لقبول ذلك. 

إن الشرخ الذي حصل في أحداث الثمانينات والعشر سنوات الماضية أصبح عصيا على الحل والتعايش..نعم لا أقول إن السلطة علوية حصرا، بل إنها تحالف المال من كل الطوائف ورأس حربته العلويون.

مسارات الأقليات والأكثرية

 

الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها في سوريا أن " الأقليات" أكثر تعلما وتحصيلا علميا من الأكثرية السنية العربية. الأسباب عديدة وشائكة. إذا استثنينا برجوازية المدن الكبرى السنية دمشق وحلب وحمص والذين كان لهم دور عميق في تأسيس الجامعة السورية والمعامل والكثير من مظاهر النهوض.. فإن قاطني الريف السني لا يكملون تعليمهم بسبب اشتغالهم بالزراعة بمهارة عالية (أبناء الغوطة مثلا) وهم يزوّجون أبناءهم باكرا من أجل زيادة أعداد اليد العاملة في سن قد يصل إلى ١٣ سنة للبنات. ولازال الكثير منهم يتبعون مبدأ تعدد الزوجات.  وبسبب أفكار سائدة في العقود الأخيرة كان بودهم لو لم يرسلوا أبناءهم الى المدارس. ويعتبرون أن حفظ القرآن وعلوم السّنة يكفي.

من جهة أخرى أغلبية الأقليات (علويون، دروز، مسيحيون، إسماعيليون…) فقراء، فكان التوجه لديهم نحو الوظيفة التي تؤمن راتبا شهريا وذلك يتطلب درجة من التحصيل العلمي. لذلك اتجهت الأقليات إلى التعليم .

المسيحيون هم النسبة الأكبر من الذين هاجروا نسبيا لأسباب قد لا تكون اقتصادية فقط، بل لأسباب فكرية واجتماعية عميقة. فالمسيحي يدرك في أعماقه أنه مواطن من الدرجة الأدنى: يحرمه الدستور من الترشح للرئاسة، ولا يمكن أن ينال مرتبة عالية في الجيش، إضافة إلى المضايقات المستمرة من قبل رعاع المتعصبين الذين يطاردونه بنمط حياته ولباس بناته ونعتهم بالكفر في المحافل الاجتماعية وغير ذلك.

لا أعمم لكن المسيحيين الذين كانوا في بداية القرن العشرين يمثلون٣٠٪ من السكان، لا تتعدى النسبة اليوم ٨٪ أغلبهم من المسنين والعوانس الذين لا يجدون مالا لقاء أجرة تكاليف السفر والهجرة. وقد وضعهم فكر النظام بين خيار إما أن يصطفوا معه ومع جرائمه، أو أن يبقوا مهمشين أو يهاجروا.

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة