حين قاد حافظ الأسد قطيعاً وجعل نقد الخطأ من المحرمات!

مقال اليوم || مصطفى المصطفى 2021-10-26 06:52:00

حافظ  الأسد وأخوه رفعت يتوسطهم مصطفى طلاس
حافظ الأسد وأخوه رفعت يتوسطهم مصطفى طلاس

تراكم أغلب الشعوب في ثقافاتها عبارات وشعارات توحي باتصاف الشعب بالعظمة والذكاء والألمعية، وغير ذلك من الصفات الإيجابية ذات البعد الجماعي، ويتجلى ذلك في الأغاني والأناشيد الوطنية والشعارات السياسية والاجتماعية. ضمن هذا السياق نفضل نحن السوريين أن ننعت أنفسنا بأننا شعب يتقن فن السياسة بالفطرة، ورغم أن عبارة " التصحر السياسي" ترد بكثرة في المقالات والتصريحات والكتابات المتنوعة، إلا أنها لا تعدو عن كونها إحدى الاتهامات الموجهة لنظام البعث، لكنها في الوقت ذاته، لم تتحول إلى قناعة لدى أغلب السوريين تدعوهم إلى الاعتراف بهذه الحقيقة، وبالتالي الشعور بالحاجة إلى التعلم، بل ويعتبر معظم السوريين، وخاصة من يتعاطون بالشأن السياسي، مقولة "إن السوريين لا يتقنون ممارسة السياسة" شتيمة تستحق الرد المناسب. 

في رواية هي أقرب إلى الواقع، يروي حمود الشوفي الذي كان يوماً الأمين العام لحزب البعث، وسفير سوريا لدى الأمم المتحدة، ما ذكره له حافظ الأسد، في جلسة خاصة عام 1970؛ إذ قال له حينها: إن "الناس لهم مطالب اقتصادية في الدرجة الأولى"، يتطلعون إلى الحصول عليها، مثل: قطعة من الأرض، أو بيت، أو سيارة، أو ما شابه، وإنه يستطيع تلبية تلك المطالب “بشكل أو بآخر”، وأضاف: “هناك -فقط- مئة شخص أو مئتان على الأكثر” ممن “يعملون جدياً بالسياسة”،” أو يتخذون منها مهنة لهم، “وهؤلاء سيكونون ضده مهما فعل”، وخلُص إلى أن “سجن المزة -أصلًا- مبنيّ من أجل هؤلاء".

إذن، فحافظ الأسد وهو يهم بالانقضاض على السلطة كان يرى أن من يعملون جدياً بالسياسة هم مئتان على الأكثر، وأن هؤلاء يجب إخفاؤهم، وهو ما حصل بالفعل، إذ تم تغييب كل المعارضين واحتكار الممارسة السياسية من قبل رأس السلطة والدائرة الضيقة المحيطة به، وبالطبع لا يدخل الوزراء وكبار الموظفين لدى النظام السوري ضمن ما يسمى بالدائرة الضيقة باستثناء وزارة الخارجية وموظفيها. لذلك، لا يستغرب أن تجد وزيراً سابقاً تقتصر خبرته على الممارسة الإدارية، بينما تجده على المستوى السياسي يردد ما تردده العامة.

بالإضافة إلى تعطيل الحياة السياسية في البلاد، والذي نجم عنه ضعف شديد في الوعي السياسي والمعرفة السياسية، استطاع النظام السوري من خلال الترهيب والترغيب تحويل المجتمع إلى مجتمع مستمرئ للفساد والعمل به. والفساد عندما يتمدد ليشمل كافة فئات المجتمع وطبقاته كسياسة ممنهجة من قبل السلطة بهدف تطبيعه؛ يصبح مع الوقت كياناً مستقلاً أو سلطة مستقلة تفرض نفسها وتتغول حتى على السلطة التي أنتجته وسوّقته. فعلى سبيل المثال؛ لا يستطيع النظام السوري الذي أنتج الفساد ورعاه أن يحارب الفساد بشكل فعلي لأن الفساد كسلطة مستقلة أصبحت أقوى منه، بل أصبح الفساد ذاك الوثاق الذي يجعل من الفاسدين الكبار ملتصقين بالنظام يدافعون عنه حتى الموت على اعتبار أن نجاتهم بنجاته.

عمّم نظام الأسد الانتفاع والمحسوبيات والاستزلام والوساطة والرشوة والاختلاس، وشوّه كامل المنظومة القيمية لدرجة أن صار الفساد نمط حياة وثقافة. لذلك، من الطبيعي أن تمتد سلطة الفساد لتلاحق السوريين حيثما حلوا، وكذلك من الطبيعي ألا يُتوقع أن يمارس السوريون فجأة ثقافة العفة والنزاهة وصون المال العام وهم في ظروف من الفوضى والتسيّب والفاقة، فأغلب الظن أن ما حصل ويحصل يأتي في سياق طبيعي، ولكن ما هو مستغرب، ورغم مرور أكثر من عشر سنوات من عمر الثورة، أنه ما زال السوريون على اختلاف مشاربهم يرفضون الاعتراف بما يشوب ثقافتهم من خلل رغم معرفة الجميع بأن تلك الموبقات لا تعدو عن كونها مما ورثناه عن النظام الذي ثرنا عليه. 

تماشياً مع رفض الاعتراف بالأخطاء وإنكار وجودها، يعتبر النقد من المحرمات، علما أنه الوسيلة الوحيدة المتاحة لمحاولة تصحيح الأخطاء في ظل غياب سلطة مركزية تستطيع أن تعالج الأخطاء بالوسائل المتعددة التي تتوافر لدى السلطة إن وجدت. فالهدف الرئيسي للنقد الذاتي يتمثل في استدراك الأخطاء وتصحيحها. وضيق الصدر بالنقد عندما يجتمع مع تقلص السماحة واتسام التفكير بالشخصانية (والبعد عن الموضوعية) مع النظرة الضيقة للآخرين (بصفتهم إما معنا أو ضدنا) ... والميل الجارف لمدح الذات؛ ترتفع حدته وتبلغ أبعد مدى، وتصبح النظرة للنقد مشوبة بالغضب والتوتر والشك في النوايا والإحساس بوجود خطر متربّص بنا.

ربما يعلم من خاض تجربة في مضمار نقد الذات أنه سرعان ما تُلقى في وجهه عبارتان شهيرتان تعبّران عن رفض تقبل النقد، الأولى: لماذا لا تنظر إلى نصف الكأس الممتلئ؟! والثانية: لا نريد جلداً للذات. علماً أن مصطلح جلد الذات له معنى آخر يختلف تماماً عن معنى النقد البنّاء، كما إن الاقتصار على التغنّي بنصف الكأس الممتلئ كما يسمّونه، والابتعاد نهائياً، أو الرفض القاطع للنقد البنّاء لن يعني في النهاية سوى المبالغة في مدح الذات. والملفت أكثر من ذلك؛ أن النقد المحرّم هو النقد البنّاء فقط، أما التجريح والتراشق وتبادل الاتهامات والتخوين وما شابه ذلك. أي النقد الهدّام، فهو نقد يتمتع بشعبية واسعة لدرجة أن البعض قد اتخذ من هذا النوع من النقد وسيلة للشهرة والظهور.

إن الاعتراف بنقاط الضعف والأخطاء أحد أنواع الشجاعة، ولن يتمكن السوريون من اكتشاف نقاط ضعفهم وأخطائهم، وبالتالي تجاوزها، إلا من خلال إفساح المجال للنقد البناء، فالنقد سواء اتخذ شكل نقد الإنسان لذاته أو لمجتمعه أو لأمته هو دليل قاطع على عمق وشائج الصلة والإخلاص والمحبة بين الناقد وبين من ينقده. ويُعتقد أن الفيلسوف الألماني الشهير "عمانوئيل كانط" لم يجانب الصواب عندما قال: "إن النقد هو أهم أداة بناء عرفها العقل الإنساني".

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة