ما هي نتائج الوساطة الروسية بين تركيا و"قسد"؟

أورينت نت-عقيل حسين | 2021-10-26 00:00 بتوقيت دمشق

من معارك عملية نبع السلام 2019
من معارك عملية نبع السلام 2019
كشفت مصادر سوريّة معارضة، عن تحقيق المفاوضات التي تجري بين روسيا وتركيا، لمنع شن عملية عسكرية جديدة ضد مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد" تقدماً خلال الأيام الماضية، في وقت يعتقد فيه الكثيرون أن هذه العملية ستكون حتمية، بالنظر إلى عدم استعداد حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يهيمن على "قسد" تقديم أي تنازلات.



وكان ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي، قد عرض في الحادي والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وساطة بلاده لمنع نشوب معركة جديدة بين أنقرة والحزب الكردي، لكن مصادر متقاطعة كشفت عن أن استعدادات الجانبين لخوض المواجهة ما زالت قائمة.

شهود عيان في ريف محافظة الحسكة الشمالي، على الحدود السورية التركية، أكدوا لـ"أورينت نت" انتشار المزيد من المدرعات والقوات الأمريكية في المنطقة، بينما تسارعت خلال الأسبوع الماضي وتيرة الإفراج عن معتقلين أجانب من مخيم روج، وهو الأمر الذي كان قد حدث قبل أيام من انطلاق عملية "نبع السلام" قبل عامين.

شهود أيضاً في ريف حلب الشمالي تحدثوا عن رفع العلمين الروسي وعلم النظام في بلدة تل رفعت، التي تعتبر المركز الإداري لأكثر من عشرين قرية وبلدة تسيطر عليها "قسد" بين مناطق سيطرة النظام والمعارضة قرب الحدود مع تركيا، وذلك عقب عمليات إعادة انتشار نفذها جيش أسد والميليشيات التابعة لإيران هناك.

ويعتبر قبول الإدارة الذاتية التي يهيمن عليها حزب الاتحاد، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي، برفع علمي روسيا والنظام في تل رفعت، مؤشراً لقطع الطريق على أي طموحات تركية بوضع هذه المقاطعة على لائحة أهدافها خلال العملية المرتقبة، بينما تمضي المفاوضات عبر الوسيط الروسي ببطء شديد، بسبب "التباينات الكبيرة في وجهات النظر من جهة، وسعي الروس إلى تحقيق مكاسب ميدانية وسياسية تتعدى هذا المنطقة من جهة ثانية، وأن مفاوضيها يدمجون بين هذا الملف وملفات أخرى على رأسها إدلب" حسب مصادر في المعارضة السورية.




وبينما يعتبر البعض أن مجرد قبول تركيا بالدخول بمفاوضات يمثل استبعاداً لسيناريو الحرب، يذكر آخرون بأن جميع العمليات التركية السابقة داخل الأراضي السورية كانت تنفذ بناء على تفاهمات تجري بينها وبين الروس والأمريكان، وأن هذه التفاهمات تكون بالنهاية محصلة مفاوضات تبدأ بخلافات كبيرة، يجري التغلب عليها من خلال تقديم تنازلات متبادلة تأخذ بالاعتبار مصالح كل طرف.

لكن مصادر "أورينت نت" كشفت أن الخلافات هذه المرة أكثر عمقاً، خاصة مع عدم توفر الهامش الذي كانت تمتلكه تركيا من قبل للمناورة، حيث تطالب روسيا بتغاضي تركيا عن استعادة قوات النظام سيطرتها على مناطق جديدة في شمال غرب البلاد، مقابل السماح لها بالتوغل في الشمال الشرقي، وهو الخيار الذي لم تعد أنقرة تمتلك أريحية كبيرة فيه، بالنظر إلى تقلص المساحات التي باتت بيد حلفائها من فصائل المعارضة هناك.

ورغم أن هناك من ينظر إلى الهجوم الذي تشنه هيئة تحرير الشام على مجموعتين من المقاتلين الأذريين والقوقاز بقيادة مسلم الشيشاني، في جبل التركمان بريف اللاذقية الشمالي، على أنه خطوة أولى بطريق تسليم هذه المنطقة إلى روسيا، خاصة وأنها قريبة من قاعدة حميميم الجوية، وذلك مقابل عدم الاعتراض على توغل تركي جديد في المنطقة الحدودية التي تسيطر عليها "قسد"، يرى آخرون أنه لا رابط بين الأمرين، وأن تفكيك المجموعتين قرار اتخذته الهيئة قبل أشهر ومنحت قادتهما مهلة للالتزام به دون أن تكون هناك أي استجابة.

وبينما يأمل الكثيرون بأن تنجح الوساطة الروسية بإقناع قادة الـPYD بالاستجابة لمطالب أنقرة، لكي تعدل عن تنفيذ تهديداتها بشن العملية التي توعدت بها بشكل مكثف خلال الأيام العشرة الماضية، يسود اعتقاد بأن قادة الحزب الكردي لا يمكن أن يوافقوا بشكل رسمي أو علني على أي صفقة مع تركيا، لكنهم لن يعارضوا اتفاقاً يمكن أن تنتزعه روسيا ويحصر الهجوم التركي في منطقة محدودة بدل أن يكون شاملاً.

ولا يبدو أن تركيا تعارض تحقيق أهدافها، فيما يتعلق بملف المناطق الحدودية التي تسيطر عليها "قسد"، بالتدريج، لذلك فهي مقتنعة اليوم، حسب مصادر في المعارضة السورية، بالسيطرة على منطقة جديدة دون تحديدها حتى الآن، بينما يفضل حلفاؤها من الجيش الوطني أن تكون بلدة تل رفعت ومحيطها في شمال حلب.



وفي هذا السياق قالت مصادر تركية يوم الأحد إن استعدادات تجري في العاصمة أنقرة بخصوص العملية المحتملة في مناطق شمال سوريا، حيث اجتمع مسؤولون أتراك مع قادة فصائل الجيش الوطني السوري المعارض، للتباحث في العملية المحتملة.

لكن قياديّاً في الجيش الوطني فضل عدم الكشف عن اسمه، نفى في تصريح لـ"أورينت نت" عقد هذا اللقاء، لكنه أكد في الوقت نفسه على أن الاتصالات بين الجيش الوطني والجانب التركي تجري بشكل مكثف منذ نحو عشرة أيام من أجل التنسيق والتحضير لهذه العملية، التي قال إنها باتت حتمية، لكن بانتظار أن يتم تحديد توقيتها سواء نجحت الوساطة الروسية أم لا.

بدوره لا يبدو السياسي الكردي المعارض رديف مصطفى متفائلاً بهذه المفاوضات، ويعتقد أنه إلى جانب استحكام الخلافات بين تركيا وروسيا من جهة، وبين تركيا والغرب من ناحية أخرى، فإن حزب الاتحاد الذي يهيمن على الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، لن يقبل أيّاً من المطالب التركية التي تشترط أنقرة تنفيذها مقابل العدول عن شن عمليتها العسكرية الجديدة.

ويضيف مصطفى، وهو قيادي في رابطة المستقلين الكورد السوريين، في حديث لـ"أورينت": تطالب تركيا بوضوح بفك ارتباط "قسد" مع حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابياً، وبإخراج قادة الحزب من مناطق سيطرتها، وهي مطالب لا يمكن لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) على الإطلاق تنفيذها، لأن ذلك بمثابة فصل الجسد عن الرأس.

ويضيف: كذلك بالنسبة لموضوع الاستجابة للوساطة، لا أعتقد بأن حزب العمال (PKK) مستعد للاستجابة، فرغم إظهار بعض البراغماتية في التعامل مع الجهات الإقليمية والدولية، إلا أن هذا التنظيم ومن يتبع له يشكلون مجموعة عسكرية تعتمد سياسة حافية الهاوية، وجل اهتماهم ينصب على تحقيق مصالح للحزب الأم دون أي اهتمام جدي بمصلحة السوريين، والتجارب السابقة تؤكد وجهة النظر هذه، سواء بعفرين أو برأس العين وتل أبيض.

ويشير مصطفى هنا إلى رفض قادة الإدارة الذاتية في كل مرة النصائح التي كانت تقدم لهم، بضرورة تقديم تنازلات تجنب السكان آثار مواجهة عسكرية لن تكون الميليشيات التابعة لها قادرة على تحملها، ما أدى إلى هزيمتين ساحقتين تعرضت لهما هذه الميليشيات عامي 2018 و2019 على يد الجيش التركي وفصائل الجيش الوطني المعارض، وهو الأمر الذي يعتقد المحلل العسكري عبد الله الأسعد أنه سيتكرر هذه المرة أيضاً.

وفي حديثه لـ"أورينت نت" يقول الأسعد: لا أعتقد أن تركيا يمكن أن تعود عن قرار الحرب بنتيجة هذه المفاوضات مع الروس، ويبدو لنا من خلال كل المعطيات أن الأمور تتجه إلى عملية عسكرية قريبة جداً، فمن جهة ترسل أنقرة المزيد من القوات إلى الأراضي السورية، ومن جهة أخرى فقد تلقت كل فصائل الجيش الوطني أوامر القتال التي تعني رفع الجاهزية وتعطى عادة قبل إعلان الحرب، وبالتالي يبدو لي أن أي شيء سيثني تركيا عن إطلاق عمليتها سوى تدخل دولي واسع لا يبدو وارداً.

ويشير الأسعد إلى أن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يثني تركيا عن تنفيذ هذه العملية، هو أن تنسحب القوات التابعة لحزب العمال الكردستاني من المنطقة الحدودية السورية-التركية، وأن توقف هجماتها على المناطق الخاضعة لسيطرة النفوذ التركي داخل سوريا، وكذلك القصف الذي يستهدف الأراضي التركية انطلاقاً من المناطق التي تسيطر عليها في سوريا، وهي مطالب غير قابلة للتفاوض بالنسبة لأنقرة، لكنها غير قابلة للاستجابة بالنسبة للـPYD.

يمكن القول إن سيناريو "غصن الزيتون" و "نبع السلام" سيتكرران خلال الأيام القادمة، مع رجحان سيناريو التوافق على عملية عسكرية محدودة لتركيا والجيش الوطني، تنتهي بالسيطرة على جزء من المنطقة الحدودية التي ما تزال خاضعة لسيطرة "قسد"، وهو الحل الوسط الذي اعتادت القوى المتداخلة في الشأن السوري أن يكون المخرج الأمثل في كل مرة يتعقد فيها المشهد في الشمال.

التعليقات