ما الذي يمكن لتركيا أن تتنازل عنه في سوريا ؟

ما الذي يمكن لتركيا أن تتنازل عنه في سوريا ؟
يكتسب لقاء القمة الذي سيعقد اليوم الأربعاء في مدينة سوتشي بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان أهمية مضاعفة بالنسبة للملف السوري بعد التطورات السياسية والعسكرية التي تسارعت منذ بداية هذا العام في هذا الملف.

وتأتي الأهمية الاستثنائية لهذا اللقاء من أنه قد يحدد وبدرجة كبيرة مستقبل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في شمال غرب سوريا، وفي الشمال الشرقي منها، حيث لا تُخفي موسكو رغبتها المبدئية بضرورة عودة هذه المناطق إلى سلطة (الدولة) وقد تعززت هذه الرغبة اليوم بالتطورات التي طرأت على المشهد السوري مؤخراً وصب معظمها في صالح النظام، الأمر الذي يطرح سؤالاً جوهرياً حول "ماالذي يمكن أن تقبل أنقرة بالتنازل عنه في سوريا وما لا يمكن لها القبول به".

ومنذ آخر تواصل بين الرئيسين في حزيران/يونيو الماضي، شهد الملف السوري والسياقات المرتبطة به تحولات عديدة، بينها ما هو جوهري، لكن أكثرها يُنظر إليه على أنه يسهم في إضعاف موقف تركيا لحساب زيادة أوراق القوة لدى الجانب الروسي، وفي مقدمة هذه التحولات الانفتاح العربي المتزايد تجاه النظام، واستعادة الأخير السيطرة على درعا، إلى جانب طبعاً التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، مقابل رفع مستوى التواصل والتنسيق بين واشنطن وموسكو حول هذا الملف.

إدارة الصراع وتأجيل الحسم

يتفق الجميع على أن الملفات التي تحكم العلاقة بين البلدين، روسيا وتركيا، متجاوزة للحدود وتشمل عدة مناطق من العالم، كما أنها تتعدى الجانب السياسي إلى الاقتصادي والاستراتيجي، ناهيك عن إدراك الجانبين حاجة كل منهما إلى الآخر في ظل الانزياحات الكبيرة على المستوى الدولي، والتي يبدو أنها تعيد تشكيل خريطتي القوى والاصطفافات الدولية.

إلا أن ذلك لا يعني حسب الكثير من المراقبين قبول كل طرف بما يريده أو يطلبه الآخر، خاصة وأن هذه التطلعات تبدو متشابكة أو متداخلة في جميع ميادين اهتماماتهما.

وعليه فإن كلاً من موسكو وأنقرة تعملان بجد من أجل استمرار نجاح سياسة "حافة الهاوية" التي تسيران عليها، وإبقاء الصراع في دائرة الاحتواء دائماً، مع محاولة كل منهما الضغط على الآخر بالاستمرار في خواصره الرخوة من أجل تسجيل أكثر ما يمكن من نقاط يمكن تساهم في صنع الفارق طالما أن الحسم مؤجل.

ماذا تريد روسيا من تركيا ؟

ولا شك فإن قضية إدلب تعدّ واحدة من أكثر الملفات التي يمكن الاستدلال عليها للتأكيد على نجاح استراتيجية حومتي البلدين في إدارة الصراع وتأجيل الحسم من أجل الإبقاء على عجلة المصالح المشتركة دائرة، إلا أن ذلك البطء في معالجة القضايا العالقة لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، وعليه يتوقع البعض أن يطلب الرئيس الروسي من نظيره التركي السماح بتحقيق قفزة نوعية لصالح (حلف النظام) في إدلب، تتجاوز هذه المرة ما بات يعرف بسياسة القضم البطيء الذي اعتاد الجميع عليه قبل وبعد أي لقاء تركي-روسي من هذا النوع.

ويرى طه عبد الواحد، المحلل المتخصص بشؤون جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقاً، أن بوتين يعتقد أن الظرفين الإقليمي والدولي باتا يسمحان له، ويتطلبان منه في آن واحد مواصلة جهود تحسين موقف الأسد.

ويضيف في تعليقه لـ "أورينت نت" حول القمة المرتقبة اليوم: رغم أن موسكو لا تسقط من حساباتها الاحتمال (ب)، أي انتهاء الأسد ونظامه، لكنها ترى الآن أن الظروف كلها مهيأة لمزيد من تحسين وضعه وتثبيت أركان حكمه ولو لمرحلة مؤقتة مقبلة. ومن هنا أعتقد أن ما سيطلبه بوتين من أردوغان سيكون أكثر بكثير من مجرد السيطرة على طريق (إم 4) أو مجرد ترتيبات مناطق شمال شرق سوريا في حال انسحاب الأمريكيين.

ماالذي يمكن أن تتنازل عنه تركيا ؟

لكن إلى أي حد يمكن للأتراك أن يتنازلوا في سوريا، وما هي الخطوط الحمر التي يصعب نظرياً تصور أن أنقرة يمكن أن تتجاوزها، خاصة وأنها تعتبر الحدود مع سوريا مسألة أمن قومي وخطاً أحمر، بعد أن كانت من قبل تمثل عمقاً استراتيجياً ؟

سؤال يجيب عليه المحلل العسكري العقيد مالك الكردي، الذي أكد أنه رغم تراجع خطر قيام كيان  انفصالي كردي على حدودها الجنوبية بعد عمليات درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام، وسيطرة القوات التركية على أجزاء واسعة من الشمال والشرق السوري، إلا أن تركيا تدرك تماماً أنه في حال انسحاب قواتها مستقبلاً فإن جيباً واسعاً شمال حلب وباتجاه عين العرب ومنبج وتل رفعت مازال يشكل خطراً، سيما وأن هذا الجيب يستخدم حالياً كقاعدة انطلاق لهجمات عدة يومية تتركز على مناطق درعي الفرات والسلام و منطقة غصن الزيتون.

لذا "فإن تركيا لن تكون أول من يسحب يده في رهان عض الأصابع" يقول الكردي ل"أورينت" ويضيف: تركيا تحاول بأي طريقة السيطرة على هذا الجيب الواسع لقطع الحلم بشكل مطلق على الانفصاليين، بل قد يكون لديها طموح بخلق اتصال جغرافي بين مناطق درع السلام ودرع الفرات وصولاً إلى عفرين ( غصن الزيتون ) ما سيكسبها قوة استراتيجية مضافة إذ ستطرق أبواب حلب الشمالية.

احتمالية تبادل المناطق

وحول ما إذا كان هناك احتمال لجوء الجانبين الروسي والتركي إلى سياسة تبادل الأراضي يقول:

الأتراك يسيطرون على مناطق كثيرة في إدلب وخاصة منطقة جبل الزاوية، وهي لاتشكل قيمة كبيرة في حسابات الأمن القومي التركي، ولكنها مادة من أجل الضغط على نظام الأسد الإرهابي و على روسيا من أجل تحسين شروط أي عملية تبادل مناطق، وهم مدركون أيضاً الأهمية الكبرى التي يسعى إليها النظامان الروسي والأسدي لفتح طريق الـM-4.

أمر يدركه الروس ونظام الأسد غالباً، وكذلك يدركون أن الثمن الذي ستطلبه تركيا في حال تمكنت من تحقيق ذلك، حتى إن كان نتيجة ترتيبات سياسية وتفاهمات سيكون باهظاً جداً في حال وصلوا إلى مشارفِ حلب الشمالية، وهي نقطة يقول البعض إنها جزء من التفاهمات غير المعلنة بين الجانبين التركي والروسي، لذلك فإن موسكو والنظام يقومان بشكل مستمر باختلاق ذرائع لخرق هذه التفاهمات وصنع واقع ميداني جديد يلغي تلك التفاهمات أو على الأقل يغير فيها.

وعليه، يرى العقيد الكردي أن "مقدار الصلابة السياسية والعسكرية التي تتمتع بها تركيا هي التي ستفرض على الروس قبولهم بمساحة حجم التبادل إن حصل"، وتركيا التي يمكن لها أن تتنازل عن الM-4 وتسحب نقاطها حتى شمال الطريق شريطة أن يكون تموضع نقاطها الجديدة على مسافة لاتقل عن ٣٠ كم من الحدود التركية، انطلاقاً من  جسر الشغور إلى الشرق، وبمسافة لا تقل عن ٥ كم من جسر الشغور باتجاه الغرب. بينما يطمح النظامان الروسي والإيراني إلى ماهو أكثر من ذلك بكثير، حيث يبحثان عن السيطرة الجغرافية حتى شمال معبر باب الهوى في إدلب، إلى حدود منطقة عفرين كأقل تقدير ، وهذا ما لا تقبله تركيا غالباً، لأنها حينئذٍ ستخسر منطقة ما زالت مهمة في إرسال رسائل التهديد إلى قاعدة حميميم بوساطة غير مباشرة عندما يزيد الروس من غطرستهم ، إضافة لذلك فإنها ستتحول إلى نقطة تهديد لتركيا يدفع من خلالها الروس والأسد مجموعات الإرهابيين للتأثير المباشر في أي من عمليات الضغط العسكري لانتزاع مواقف سياسية.

أوراق ضغط خارجية

وإلى جانب الوجود العسكري المتنامي للجيش التركي في مناطق نفوذها شمال غرب سوريا، وكذلك قدرتها على تحريك فصائل الجيش الوطني لتهديد أو استهداف قواعد خصومها القريبة من هذه المناطق، كما حصل يوم الثلاثاء حيث تعرضت قاعدة حميميم الروسية إلى هجوم هو الأول من نوعه منذ أشهر، فإن أنقرة تمتلك أوراق ضغط أخرى يمكن أن تضعها على طاولة المفاوضات مع الروس، ولذلك فإن "ما سيقترحه بوتين على أردوغان لن ينطوي على إبعاد تركيا عن الملف السوري، وستكون روسيا حريصة على الشراكة معها في هذا الملف لإنجاح إدارة القضايا المشتركة الأخرى" حسب المحلل طه عبد الواحد.

ويختم عبد الواحد بالقول: الروس بحاجة تركيا في أكثر من منطقة وأكثر من ملف، بما في ذلك خطوط الغاز الروسي إلى أوروبا، والمصالح التركية مع أوكرانيا، وكذلك في أذربيجان وليبيا، لذا فإن موسكو لن تذهب إلى الضغط على أردوغان إلى حد يهدد استمرار التعاون المشترك، ويمكن لأنقرة أن ترضي الروس بتقليص حجم التعاون العسكري مع أوكرانيا من أجل إنجاح هذه القمة.

تتلخص المطالب الروسية المتوقعة إذن من تركيا في القمة المنتظرة بين رئيسي البلدين اليوم، بسحب قوات المعارضة والجيش التركي إلى شمال طريق حلب-اللاذقية M-4 وإعادة تشغيل الطريق، بالإضافة إلى تفعيل المعابر التجارية بين مناطق النظام ومناطق سيطرة المعارضة، بينما تدرك موسكو أن الضغط لإنجاز ما بات يعرف بالفصل بين القوى المعتدلة والجماعات الإرهابية وجعل إدلب منطقة منزوعة السلاح أمر غير ممكن على الأقل حالياً، الأمر الذي تتوقف الاستجابة التركية معه على ما يمكن أن تقدمه لها روسيا في مناطق شرق الفرات وشمال حلب، بالإضافة إلى أوراق أخرى خارج الملف السوري يمكن لأنقرة أن تستخدمها لتحسين شروط التفاوض مع الروس.

التعليقات (0)

    0

    الأكثر قراءة

    💡 أهم المواضيع

    ✨ أهم التصنيفات