هل الثورة السورية بحاجة لأن تأكل أبناءها؟

مقال اليوم || مصطفى المصطفى 2021-09-28 07:44:00

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

تفرض العصبيات حصارا على أتباعها من خلال سيادة النظام البطركي المتمثل بثنائية الطاعة والولاء، مقابل الحماية والرعاية والنصيب من الغنيمة. وفي الحقبة الماضية من عمر الدولة السورية هيمن هذا النمط من العلاقات على كافة مؤسسات المجتمع السوري، رسمية وأهلية على حد سواء؛ فإلى جانب العصبيات العشائرية والقبلية والأسرية والجهوية والمناطقية والطائفية والإثنية، هناك عصبيات سياسية وعسكرية وإدارية.

وفي فترة حكم آل الأسد يمكن القول: إن تلك العصبيات كانت تستمد حيويتها واستمراريتها من السلطة الحاكمة، التي بدورها تعتمد في بقائها واستمرارها على أسس عصبوية، سواء على مستوى البنية أم على مستوى التحالفات. 

يقول أحد الإعلاميين السوريين: "ذات يوم سألت مسؤولا كبيرا: لقد جئتم إلى السلطة قبل عقود وأنتم تتوعدون الطبقات الاجتماعية والثقافية القديمة بالويل والثبور وعظائم الأمور، لكنكم تحالفتم معها شيئا فشيئا، لا بل عززتم مواقعها ووظائفها، فردّ قائلا: هذا صحيح، ولكن ليس لأننا نريد تكريس وضع قديم، بل لأننا وجدنا أن هناك قطيعا كبيرا من الناس يسيرون خلفها بشكل أعمى، ولا يريد أن يمسها بأي تغيير، فقلنا لأنفسنا: بما أن القطيع لا يريد التغيير، لا بل من الصعب تغييره هو نفسه، فلنسر وراء تلك الطبقات القديمة التي تقود القطيع وتتحكم به طالما أنها تحفظ الاستقرار ولا تهدد النظام السياسي".

المشكلة أنه عندما تنهار السلطة، أياً كان نوعها، يصبح الإنسان أشد حاجة للالتصاق بجهة ما. أي، تصبح العصبيات حاجة وملجأ للفرد أكثر من ذي قبل، والمشكلة الأكبر أن هذا النوع من الولاء يقف بالضد من مطالب الشعب السوري بالحرية والكرامة. ويذهب الدكتور مصطفى حجازي إلى اعتبار العصبيات إلى جانب حكم المخابرات والأصوليات تشكل ما يطلق عليه اسم "مثلث الحصار"، وهو مثلث متحالف متآزر في قمع الإنسان وقهره.

تقف العصبيات على النقيض من مطالب الحرية والكرامة لأنها تفرض الرضوخ والتبعية والانقياد لقاء الحماية والمغانم. إنها عدوة الاستقلال الذاتي والتجرؤ على الفكر وبناء كيان فريد أصيل، إنها تخصي بدورها طاقات النماء والنزوع إلى الاستقلال الراشد ومبادراته كي يستتب لها الأمر، وتضمن سلطانها على أتباعها من خلال تحويلهم إلى كائنات طفيلية هيهات أن تطمح إلى التطلع إلى المستقبل، على حد تعبير الدكتور حجازي، فالأولوية للولاء وليس للأداء: أنت جيد مادام ولاؤك مضمونا. عندها تنال نصيبك من الغنيمة والحماية، ولا يهم أداؤك مهما كان رديئا. والويل كل الويل لمن يخرج عن الولاء مهما كان أداؤه متميزا.

تقف العصبيات على النقيض من مطالب الحرية والكرامة لأنها تفرض الرضوخ والتبعية والانقياد لقاء الحماية والمغانم. إنها عدوة الاستقلال الذاتي والتجرؤ على الفكر وبناء كيان فريد أصيل

ظن البعض، خطأ، أن مجرد الخروج عن سلطة النظام وإرهاب مخابراته كفيل بتحقيق الكرامة والحرية. لكن هؤلاء سرعان ما اكتشفوا أن مثلث القهر مازال قائما، وأن الفراغ الناتج عن انحسار سلطة المخابرات قد تم تغطيته من خلال تغول سلطة العصبيات والأصوليات، بل حتى سلطة المخابرات وإرهابها مازالت تلاحق السوريين عن بعد من خلال حرب نفسية قذرة لا هوادة فيها. وفي هذا تفسير لهذا الشعور بالعجز والاستعصاء وانسداد الأفق الذي يرافق أكثرية السوريين، فالسوري كان مقهورا مهدورا مستباحا ومازال؛ رغم كل التضحيات والآلام والعذابات، بل ربما زادت تلك المعاناة من قهره واستباحته.

قيل، إن أولئك الذين قذفت بهم الصدف والظروف إلى مواقع النخب السياسية لا يرغبون بالتغيير: هم يريدون كل شيء كما هو، باستثناء السلطة فهي من المفترض أن تؤول إليهم نتيجة الثورة، وفي هذا نوع من الغدر والخيانة لأهداف الجماهير التي ضحت بالغالي والنفيس من أجل الحصول على الحرية واسترداد الكرامة. ويدعِّم أصحاب هذه المقولة حكمهم بالقول: تعتبر الطروحات المتقدمة المنادية بضرورة الابتعاد عن أساليب البعث في التنظيم والإدارة والكيدية والعصبية، وضرورة تبني القيم المتمثلة بالإعلاء من شأن الفرد وحريته وكرامته، أو ما شابه ذلك من طروحات؛ تعتبر سببا كافيا للتململ ثم الطرد لصاحب هذه المقولات من أي تكتل أو هيئة أو منصة سياسية تدعي تمثيل الثورة.

ظن البعض، أن مجرد الخروج عن سلطة النظام وإرهاب مخابراته كفيل بتحقيق الكرامة والحرية. لكن هؤلاء سرعان ما اكتشفوا أن مثلث القهر مازال قائما، وأن الفراغ الناتج عن انحسار سلطة المخابرات قد تم تغطيته من خلال تغوّل سلطة العصبيات والأصوليات

لأن بعض الظن إثم؛ لا بد من البحث عن بعض الأعذار لأصحاب تلك الأجسام التي توصف بالثورية، فقد يكون هؤلاء بدورهم ضحايا القهر الذي مورس على جميع السوريين لعقود طويلة، والمقهور، غالبا، عندما يمتلك سلطة أو بعض سلطة يتماهى بالمتسلط، أو يتماهى بالمستبد. لذلك، قد يكون هذا السلوك نتاجا للقهر المتراكم في نفس هؤلاء. وبالتالي، هو يعبر عن حالة مرضية تستحق الشفقة والعلاج عوضا التخوين والتشكيك بالنوايا.

مؤخرا، أحد أصحاب تلك الكتل السياسية ممن لا يجيدون كتم الأسرار ولا يجيدون المراوغة؛ كشف المستور، ولم يحتمل طرحا حول مبدأ سيادة القانون، وطبيعة القانون، وما ينبثق عن هذه الأطروحة من أسئلة، فعلق بالتالي:  "لو سألتني اليوم ما هو شكل النظام أو شكل القانون أو شكل الدستور الذي تفضله لسوريا المستقبل لن أجيبك بشيء، وسأترفع عن هذا النقاش لأني أعتبره خارج سياقات الواقع بل خارج سياقات الضرورة، فهذه الأسئلة تندرج تحت بند السفسطة والجدل البيزنطي، هذا يشبه أن تسألني إذا تمكن البشر من إقامة معامل وصناعات على كوكب المريخ فأي صناعة تفضل أن يتم البدء بها. علما أن هذا السؤال عندما وجهناه للمتظاهرين العاديين أول الثورة: ما هو شكل سوريا التي تريدونها بعد الثورة؟ فكان جوابهم: نريد سوريا التي نعرفها كما هي بعد شطب كل من 1 العائلة الأسدية والدائرة المرتبطة بأفرادها، و2 الأجهزة الأمنية الأسدية وفروعها وعملاؤها من المخبرين و3 حزب البعث والرفاق المتنفعين المتعربشين على كل المفاصل باسم العروبة. 

لا يعقل أن تتغير القناعات بتغير الزمن مع أنه لم يتغير شيء

ذات المتظاهرين لو سألناهم اليوم ذات السؤال لاعتبرونا أننا "نستجحشهم" أو نسخر منهم ونضحك عليهم، فلا يعقل أن تتغير القناعات بتغير الزمن مع أنه لم يتغير شيء".

يُعتقد أنه لا فرق بين هذا الكلام والكلام السابق للمسؤول الكبير، سوى في الصياغة وبعض المفردات. لذلك، أغلب الظن أن زحف الشعب السوري نحو بناء دولة الحرية والكرامة، والتخلص من دوامة القهر مازال ينقصه الكثير، وأغلب الظن أن المرحلة التي يقال فيها: إن الثورة السورية تأكل أبناءها قادمة لا محال.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة