رحيل إسماعيل ولي الدين: الروائي الذي عشقت السينما المصرية رواياته ونماذجها الشاذة!

إسماعيل ولي الدين: الروائي الذي عشقت السينما المصرية رواياته
أورينت نت – محمد منصور
تاريخ النشر: 2021-07-22 18:15
عن عمر ناهز الـ 86 عاماً رحل فجر أمس الأربعاء في القاهرة الروائي المصري إسماعيل ولي الدين أحد الروائيين البارزين الذين شغلت رواياتهم المجتمع المصري في سبعينات وثمانينات القرن العشرين، وخصوصا حين حولت إلى أعمال سينمائية صادمة ومثيرة للجدل، تعرّض العديد منها للمنع تارة بحجة الإساءة لسمعة مصر، وأخرى بسبب تصويرها لشبان يبيعون أجسادهم لأبناء الطبقة الأرستقراطية ولأجانب باحثين عن المتعة. 

من النقيض إلى النقيض!  
وبرحيل إسماعيل ولي الدين يستعيد الكثير ممن عاصروا أدبه صورته الحياتية المتبدلة خلال مشواره الثمانيني المديد، ليروا كيف تقلب هذا الأديب المتمرس في كشف أمراض المجتمع وعوالمه السفلية على نقيضين:  
في الأول عاش حياة الصخب والانتشار والشهرة، حيث تحولت معظم قصصه ورواياته إلى أعمال سينمائية شهيرة وكان منتجو السينما يتنافسون على شراء حقوق كل ما يكتبه، وفي الثاني انزوى في عزلة تامة، وهو على أبواب الستين من العمر، أي ابتداء من عام 1992 حتى ظن الناس أنه مات منذ سنوات.. قبل أن يفاجئهم حوار صحفي معه نشر قبل سنوات قليلة. 

ولد إسماعيل ولي الدين في القاهرة عام 1935، ودرس الهندسة في قسم العمارة بجامعة القاهرة وتخرج عام 1956؛ والتحق بالعمل في القوات المسلحة كضابط مهندس على مدى 20 عاما حتى وصل لرتبة عقيد. 
بدأ ولي الدين نشاطه الأدبي كاتبا للقصة القصيرة، فأصدر مجموعته الأولى عقب هزيمة حزيران / يونيو، تحت عنوان «بقع في الشمس» عام 1968 ، ثم اتجه إلى كتابه الرواية فأصدر روايته الأولى «الطيور الشاحبة».

 كتب عدة روايات من بينها «درب الهوى»، «الأقمر»، «فتاة برجوان»، «الباطنية» وتعد رواية "حمام الملاطيلي" باكورة روايات ولي الدين التي تحولت إلى عمل سينمائي في عام 1973 (أخرجه صلاح أبو سيف، وشارك في كتابة السيناريو محسن زايد) ، و«حمص أخضر» و«أسوار المدابغ»، و«بيت القاضي»، و«طائر اسمه الحب»، وغيرها من القصص والروايات التي حققت نجاحاً جماهيرياً، وتحولت إلى أفلام سينمائية لعب بطولتها نجوم السينما المصرية في السبعينيات والثمانينات.

حمام الملاطيلي: السقوط الأخلاقي والفيلم الممنوع! 
كتبت رواية (حمام الملاطيلي) أواخر عام ١٩٦٩ وصدرت في طبعتها الأولى عام 1970 تدور أحداثها في إحدى الحمامات الشعبية التي تحولت كوكر لتعاطي المخدرات والممارسات الجنسية الشاذة، حيث كان يتردد على الحمام العديد من رجال الطبقة الأرستقراطية لممارسة الجنس  مع شبان ورجال فقراء من الطبقة الدنيا. كانت الرواية جريئة جدا في تطرقها لموضوع الشذوذ الجنسي، حيث وصفته أنه يمارس في هذا الحمام في غرف مظلمة. وأن هنالك العديد من الرجال والأجانب يذهبون هناك طلبا للمتعة. وروت كيف أن الشباب تحولوا إلى سلع تباع و تطلب حسب اللون والشكل وأشياء أخرى.

لكن خارج هذه الأجواء المشحونة بالسقوط القيمي والتأزم الأخلاقي حفلت الرواية بوصف جمالي مسهب للقاهرة القديمة وآثارها.. فقد بدا ولي الدين عاشق العمارة حاضرا في فضاء الرواية بهواجسه وشغفه أيضا. 
 كانت رواية (حمام الملاطيلي) جريئة جدا في تطرقها لموضوع الشذوذ الجنسي، حيث وصفته أنه يمارس في هذا الحمام في غرف مظلمة.. وتسببت جرأتها في  منع الفيلم من العرض في دور العرض السينمائي لمدة عشرين عاماً حتى سمح بعرضه في مطلع التسعينيات بعد حذف عدد كبير من مشاهده
لم تستفد الرواية من تحويلها إلى عمل سينمائي في البداية، فقد تم منع الفيلم من العرض في دور العرض السينمائي لمدة عشرين عاماً حتى سمح بعرضه في مطلع التسعينيات بعد حذف عدد كبير من مشاهده.. لكنها بلا شك استفادت من إطراء الأديب الكبير يحيى حقي عليها حيث كتب يقول: 
" هذا العمل وليد مهارة حرفية فذة، عن فكر أزرق الناب خرج تصميم الهيكل العام جنيناً يتكلم فى بطن أمه، منتظماً متناسقاً متزناً سوياً ليس فيه عوج، التفاصيل ملفوفة فى الكل مندسة فيه، والصقل مرة بعد مرة حتى يبلغ عين المطلوب منه، والقمة التي تؤول عندها آخر خطوة للصعود إلى آخر خطوة للانزلاق على الجانب الآخر ،انتفع بدروس كل الأساتذة السابقين وتطلع أيضا إلى بشائر أعراف الغد وأذواقه. أو أقول لأنه كشف لنا خبايا كنا نجهلها وخالطنا بأشجان الإنسان وأشواقه- منذ كان- وحيداً أمام القدر، أو أقول لأنه جهر بما نجمجم به، صارحنا بجرأة تأنف من النفاق والرياء والمجاملة، يقظة قد تكون قاسية مؤلمة ولكنها علة الشفاء". 

الباطنية: الفيلم الكلاسيكي والمسلسل المستعاد!
في عام 1980 تحولت قصة طويلة من قصص إسماعيل ولي الدين إلى فيلم سينمائي أيضا، "الباطنية" الاسم الذي جمع بين عنوان القصة وعنوان الفيلم واسم الحي الشعبي الذي تدور فيه أحداث الرواية. 

كتب سيناريو وحوار الفيلم السيناريست مصطفى محرم، وشارك في كتابة الحوار شريف المنباوي، وقام بإخراج الفيلم حسام الدين مصطفى، حيث استطاعت نادية الجندي أن تكرس حضورها الفني كنجمة أولى إلى جانب عماد حمدي و فريد شوقي، محمود ياسين، فاروق الفيشاوي، وأحمد زكي.

تدور أحداث هذه القصة الطويلة،  حول «وردة» صاحبة المقهى في حي الباطنية الشعبي، والتي تتورط مع «فتحي» وتحمل منه، ليتخلى عنها بضغط من والده تاجر المخدرات «إبراهيم العقاد» الذي يتستر خلف تجارة الأخشاب، وحينما تلد مولودها يقوم رجال «العقاد» بخطفه لقطع كل صلة نسب مستقبلية معها، ويدعي أحدهم أنه مات، لكن «وردة»، الساعية للانتقام ينتهي بها الأمر إلى قتل ابنها.

كانت هذه الرواية من أولى الأعمال الأدبية التي تناولت انتشار المخدرات في الأحياء الشعبية في مصر، والتي صورت حالة الدمار التي تحيق بفئة اجتماعية تمتهن تجارة الممنوع، وتغرق في عالم الجريمة التي تطالها ذاتيا في النهاية. 

تحولت القصة بعد حوالي ثلاثة عقود على ظهور الفيلم الذي غدا أحد كلاسيكيات السينما المصرية، إلى مسلسل أيضا، كتب سيناريست الفيلم نفسه مصطفى محرم، وأخرجه محمد النقلي وعرض عام 2009 ببطولة لغادة عبد الرازق وصلاح السعدني وأحمد فلوكس وميمي جمال. 
كانت (الباطنية) من أولى الأعمال الأدبية التي تناولت انتشار المخدرات في الأحياء الشعبية في مصر، والتي صورت حالة الدمار التي تحيق بفئة اجتماعية تمتهن تجارة الممنوع، وتغرق في عالم الجريمة التي تطالها ذاتيا في النهاية. 
درب الهوى: السياسي المازوشي المنادي بالفضيلة! 
عام 1983 تم تقديم أحد أشهر الأفلام المأخوذة عن روايات الأديب إسماعيل ولي الدين، وهو فيلم «درب الهوى»، والذي كان التعاون الثاني له مع المخرج حسام الدين مصطفى والسيناريست مصطفى محرم، وجاء الفيلم من بطولة يسرا، محمود عبدالعزيز، مديحة كامل، أحمد زكي وفاروق الفيشاوي.

ولم يكن حال هذا الفيلم بأحسن حالا من (حمام الملاطيلي) فبعد عرض الفيلم بستة أسابيع، صدر قرار من وزارة الثقافة المصرية، بسحب ترخيص عرضه من دور العرض في مصر بحجة إثارته لاستياء المشاهدين والإساءة لسمعة مصر، ولم يتم تجديد التصريح بعرض الفيلم سوى بعد ثماني سنوات من منعه من العرض، أي في عام 1991. 
تدور أحداث الرواية في أربعينات القرن العشرين، حيث يقوم بطلها الوزير ورئيس حزب اسمه "الفضيلة والشرف" بإطلاق حملة تستهدف غلق بيوت الدعارة، في الوقت الذي يكون فيه هذا السياسي نفسه، كثير التردد على بيوت الدعارة، يعاني من ميول مازوشية شاذة تهوى أن يمارس العنف عليها.

في عام 1987، تحولت رواية (أبناء وقتلة) لفيلم سينمائي أيضا بالعنوان ذاته، أخرجه المخرج الراحل عاطف الطيب، وكتب له السيناريو والحوار مصطفى محرم، وكان يرى «إسماعيل»، متناولا التغييرات التي حدثت في المجتمع المصري منذ قيام ثورة 1952 وحتى تسعينات القرن العشرين. ميلودراما عنيفة من الأحداث والتحولات والمشاعر والجريمة.. التي جسدت عالم هذا الأديب الذي كثيرا ما التقط النماذج الشاذة والمأزومة من سياقها الاجتماعي، ليجعل منها عنوان متغيرات تعصف ببنى اجتماعية تتبدل وتنهار في المجتمع المصري.
التقط اسماعيل ولي الدين النماذج الشاذة والمأزومة من سياقها الاجتماعي، ليجعل منها عنوان متغيرات تعصف ببنى اجتماعية تتبدل وتنهار في المجتمع المصري
أسئلة العزلة والرحيل!
اعتزل إسماعيل ولي الدين الكتابة منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي إذ لم يكن يغادر منزله في منطقة الحسين الشعبية بالقاهرة منذ منتصف التسعينيات. ومنذ اعتزاله وحتى وفاته ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، التزم ولي الدين عادات يومية نظمت إيقاع حياته ورسمت نهايتها:  يصلي الفجر، ينام، ثم يستيقظ ظهراً ليقرأ الجرائد، وفي المساء يذهب إلى المقهى المجاور، ليجلس على مقعده المفضل ويستمع إلى الراديو.. ثم يرحل بصمت في زمن صاخب لم يُبدِ فيه أي رأي سياسي يذكر.

ثمة من يرى أن صمت إسماعيل ولي الدين، كان بسبب إهمال النقاد لأدبه.. وثمة من يذهب إلى أن أدبه أهمل لأنه اقترب من عالم نجيب محفوظ، وتقاطعت هواجس الروائية معه، ما جعله يبدو  متأثرا أو مزاحما في ملعب محفوظ الفسيح .. 

ثمة من يرى أن صمت إسماعيل ولي الدين، كان بسبب إهمال النقاد لأدبه.. وثمة من يذهب إلى أن أدبه أهمل لأنه اقترب من عالم نجيب محفوظ، وتقاطعت هواجسه الروائية معه، ما جعله يبدو  متأثرا أو مزاحما في ملعب محفوظ الفسيح..
لكن أيا يكن الأمر، فإن انتشار روايات اسماعيل ولي الدين عبر السينما، كان ظاهرة لافتة ومحيرة..  قلما حظي بها روائي آخر بمثل هذه الغزارة باستثناء إحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ.. وبقي السؤال: كيف كان أدبه نجما في السينما، ولم يكن كذلك في عالم النقد الأدبي؟!
 
commentالتعليقات

إقرأ أيضاً

if($('.nav-wrapper').width()<900){ google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "8024336238"; google_ad_width = 300; google_ad_height = 250; } else { google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "1705860969"; google_ad_width = 728; google_ad_height = 90; }
ميليشيا أسد تستقدم تعزيزات من مدينة إزرع إلى كتيبة "الأغرار" قرب بلدة بصر الحرير شرق درعا .نظام أسد يهدد أهالي السويداء عبر الترويج لتفجيرات وهجوم لداعش بعد تصاعد الانتفاضة الشعبية ضد أجهزته.مقتل قيادي في ميليشيا الحرس الثوري بعد إصابته في سوريا."الفرقة الرابعة" التابعة لميليشيا أسد تفقد مجموعة من عناصرها في بادية حماة."قسد" تعتقل عددا من المدنيين في مدينتي الرقة والحسكة بهدف التجنيد الإجباري.ميليشيا الحرس الثوري الإيراني تعلن مقتل 4 من عناصرها في اشتباكات بمحافظة سيستان وبلوشستان .لبنان يوقع اتفاقية لاستيراد مليون طن "فيول" من العراق.العراق يعلن اعتقال "شبكة إرهابية" مسؤولة عن تفجير ليلة عيد الأضحى.الصين تفرض عقوبات على مسؤولين أمريكيين بسبب هونغ كونغ.https://www.facebook.com/Orient.Tv.Net/.https://twitter.com/orientnews?lang=en