الفيدرالية السورية: بين المُحرّر والمُدوّل

كل السوريين يرزحون تحت الاحتلال بأشكاله المختلفة
تاريخ النشر: 2021-07-13 06:53
كفى حديثاً عن "مناطق نظام" و"مناطق محرّرة"، فلا متر مربّعاً واحداً من سوريا مُحرّر، وكلّ السوريين يرزحون تحت الاحتلال بأشكاله المختلفة، أمّا أن يعني خروج منطقة عن سيطرة النظام تحريراً، فمعناه أنّ ما هو شرق الفرات وهو تحت سيطرة الأمريكيين وعصابات "قسد" محرّر، وكذلك القصير ومضايا والزبداني، بل وحلب ودمشق وطرطوس، التي تحت سيطرة حزب الله والإيرانيين والروس، وكذلك الشمال الحلبي الذي يرزح تحت السلطة التركية، مثلما يقع ما تبقّى من "إدلب" في سطوة "هيئة تحرير الشام"، هكذا هي "سوريا" الآن.
  
الأرض المحرّرة تعني الأرض التي أعادتها الدولة إلى سلطتها وليس التي فقدتها، والحديث ليس عن "الدولة السورية الحالية" التي دخلت طور الاحتضار، بل عن الدولة السورية التي كانت الثورة تطمح لاستعادتها من النظام المحتلّ ثمّ بنائها على أنقاض ما خلّفه فيها من عبث وفساد وطائفية واستبداد، فيصير أقصى طموح أبناء هذي الثورة العظيمة اليتيمة أن يأمن ما بقي منهم على حيواتهم التعيسة في مناطق خارجة عن سيطرة النظام، وهم يعرفون تماماً أنّهم انتقلوا من احتلال إلى احتلال آخر، فقبلوا بالأقلّ مرارةً والأكثر أمناً، وهم يدركون تماماً أنّهم وقعوا تحت احتلالات جديدة في كلّ مكان من الجغرافيا السورية.
 الأرض المحرّرة تعني الأرض التي أعادتها الدولة إلى سلطتها وليس التي فقدتها، والحديث ليس عن "الدولة السورية الحالية" التي دخلت طور الاحتضار، بل عن الدولة السورية التي كانت الثورة تطمح لاستعادتها من النظام المحتل
الجغرافيا السورية هي الجغرافيا التي رُسِمَت بالخفاء على ورق الخرائط بالقلم والمسطرة في معاهدة "سايكس-بيكو" في 1916 فقسّمت العراق وبلاد الشام إلى منطقتي نفوذ عربية داخلية ومنطقتي إدارة مباشرة واحدة فرنسية وأخرى إنكليزية تمنعان العرب من الوصول إلى أي منفذ مائي في البحر المتوسّط والخليج العربي، ثمّ قرّرت فرنسا أن تحكم سوريا مباشرةً وفق خارطة معدّلة، فهاجمتها في حزيران 1920 وأطاحت بالحكومة العربية وطردت "الملك فيصل" وأوقفت العمل بأوّل دستور سنّه السوريون لأنفسهم بعد الخروج من عباءة الدولة العثمانية إثر خسارتها في الحرب العالمية الأولى ثمّ توقيعها معاهدة "سيفر" بعد أسابيع من الاحتلال الفرنسي لسوريا، المعاهدة التي تضمنت تخلّي الدولة العثمانية عن جميع الأراضي التي كانت تحكمها ولا ينطق أهلها بالتركية، واستيلاء الحلفاء على أراض تركية. 

"المملكة السورية العربية" وهذا هو اسمها كما ورد في أوّل دستور سوري وهو دستور 1920 أو ما دُعي بدستور فيصل، انتهت بعد أحد عشر يوماً ووقعت مباشرةً تحت الاحتلال الفرنسي الذي قيل إنّه نظام "انتداب"، كما قيل إنّ الاحتلال البريطاني لمصر كان نظام "حماية"، ومع ستّة وعشرين عاماً قضاها الفرنسيون في سوريا، بقي للسوريين منذ الاستقلال عن الفرنسيين في 1946 خمسة وسبعون عاماً قضوا منها بعيداً عن الدولة المدنية الديمقراطية المستقلّة الحرّة قرابة خمسة أعوام في الاحتلال العسكري الذي أوقعه فيها كلّ من حسني الزعيم وسامي الحنّاوي وأديب الشيشكلي.


 وما كاد السوريون يتخلّصون من هؤلاء حتّى احتلّ عبد الناصر سوريا ثلاث سنوات، ثمّ لم يتمكّنوا من تنفّس الصعداء حتّى هجم البعث العربي الصامد وعسكره الصنديد، فكُتم على صدورهم وأفواههم ثمانية وخمسين عاماً، منها ثلاثون احتلّ فيها حافظ أسد سوريا برمّتها فأرهقها فساداً وأثخن فيها بطشاً، وواحد وعشرون ورثها عنه ابنه -الذي تعجز عن وصفه لغة بشرية- ففتك بها ودمّرها عن بكرة أبيها، ثمّ سلّمها برمّتها إلى احتلالات خارجية جديدة وهو يقتل ويدمّر ويهجّر ثمّ يتفرّج ويصفّق ويُجري انتخابات، بِطاقة خنزير برّي نتن متوحّش ينبش التراب نبشاً باحثاً عن فضلات حيوانات ليأكلها من أجل يبقى حيّاً، وما زالت لا تُسعف كلمات اللغات!. 

على هذه الحسبة فلقد قامت قائمة ما لشيء اسمه "الدولة السورية" خلال مئة وسنة من إعلان وجودها، نحو تسع سنوات، هذا هو تماماً عمر "سوريا" التي لم تكن خاضعةً (نسبياً) لاحتلال خارجي أو داخلي!. 

تعاملت الأنظمة الاستعمارية سابقاً والقوى الدولية والإقليمية لاحقاً، مع "سوريا" وكأنّها "شركة مساهمة مغفلة"، فكان من الطبيعي أن تؤول بعد كلّ عملية بيع للأسهم وشراء لها إلى واقع أسوأ ومصير أبشع على كلّ الصعد، الموارد، الإنتاج، وعلاقات العمل وقوانينه، وكان تداول الأسهم يجري بين الجميع في الخارج والداخل، تارةً بين شركاء لهم حصص قديمة لا يأبهون بالإدارة بل بالربح، ومرّةً بين شركاء يريدون إدارتها من أجل فرض النفوذ والسيطرة، وكرّةً مع آخرين يكفيهم الجلوس في مكتب الإدارة ولو صارت الشركة يباباً.    
تعاملت الأنظمة الاستعمارية سابقاً والقوى الدولية والإقليمية لاحقاً، مع "سوريا" وكأنّها "شركة مساهمة مغفلة"، فكان من الطبيعي أن تؤول بعد كلّ عملية بيع للأسهم وشراء لها إلى واقع أسوأ ومصير أبشع على كلّ الصعد
شركة مساهمة مغفلة سيقف جميع من يستفيدون منها في وجه أيّة حركة إضراب أو عصيان يقوم بها أيّ من العاملين في الشركة ومهما كلّف الأمر، بزيادة رواتب المخبرين منهم، بدفع الرشاوى للقيادات العمّالية التي دعت للاحتجاجات، بتهديد عائلات أصحاب الكلمة المحترمين، بقتل المجانين من العمّال الذين لا يأبهون، بكلّ وسيلة ممكنة، ففي هذه الشركة من الخيرات والثروات ما لا يخطر على بال أحد. 

الآن إذا اقتنع "المجتمع الدولي" أخيراً ولسبب ما بفرض الحلّ السياسي على سوريا، فسنجد أنّ لدينا ثلاث دويلات على الأقلّ، في شرق الفرات وفي إدلب وشمال حلب، وفي بقية المناطق السورية، ولكي يتمكّن السوريون من فرض انعقاد إراداتهم حول ذلك من إعادة توحيد هذه الكيانات في جسد دولة واحدة فلن يكون أمامهم مبدئياً سوى "الفدرالية"، مع أنّ الاتّحاد الفدرالي يقام بين دول أو إمارات أو مقاطعات مستقلّة أصلاً، وليست خارجة عن سيطرة الدولة الأمّ فتريد أن تعاود الاتّحاد...

إذا اقتنع "المجتمع الدولي" بفرض الحلّ السياسي على سوريا، فسنجد أنّ لدينا ثلاث دويلات، في شرق الفرات وفي إدلب وشمال حلب، وفي بقية المناطق السورية، ولكي يتمكّن السوريون من فرض إراداتهم وإعادة توحيد هذه الكيانات في جسد دولة واحدة فلن يكون أمامهم مبدئياً سوى "الفدرالية"

خارطة التقسيم الفرنسي لسوريا 1920 

لكن يبدو تماماً أنّ التاريخ يعيد نفسه، فلقد قسّم "غورو" بعد الاحتلال الفرنسي في 1920 سوريا مباشرةً إلى ستّ دويلات: دولة دمشق، دولة حلب، دولة الإسكندرون، دولة العلويين، دولة الدروز، ودولة لبنان الذي كان جزءاً من أجزاء الجغرافيا السورية. 
استمرّت هذه الحالة حتّى قامت الثورة السورية الكبرى في 1925 فأجبرت فرنسا بعدها على إعادة توحيد سوريا وقيام "الجمهورية السورية" مع دستور جديد في 1930، واستمرّ بعدها النضال السوري السياسي والشعبي إلى أن تحقّق الاستقلال. 
فهل حقّاً سيعيد التاريخ نفسه؟. 


commentالتعليقات

إقرأ أيضاً

if($('.nav-wrapper').width()<900){ google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "8024336238"; google_ad_width = 300; google_ad_height = 250; } else { google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "1705860969"; google_ad_width = 728; google_ad_height = 90; }
مقتل 6 عناصر من الجيش الوطني بغارات روسية على قرية براد بريف حلب.قصف مدفعي لفصائل المعارضة على مواقع ميليشيا قسد في ريف الحسكة.مقتل 3 أشخاص بإنزال جوي للتحالف الدولي على بلدة الشحيل بريف دير الزور.مقتل وإصابة عدة عناصر من ميليشيا أسد بانفجار عبوة ناسفة على طريق الرقة – دير الزور.مقتل 5 فلسطينيين برصاص الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية.إثيوبيا تعلن نيتها غلق سفارتها في مصر.مقتل 5 عناصر بينهم ضابط بهجوم لتنظيم داعش شرق العراق.انطلاق الانتخابات التشريعية في ألمانيا.https://www.facebook.com/Orient.Tv.Net/.https://twitter.com/orientnews?lang=en