رواية (صيف مع العدو) لشهلا العجيلي: مدينة الرقة بين إهمال البعث وأسر داعش!

رواية (صيف مع العدو) لشهلا العجيلي: مدينة الرقة بين إهمال البعث وأسر داعش!
أورينت نت - أحمد صلال
تاريخ النشر: 2021-06-30 11:51
منذ العمل الأول (عين الهر) كانت شهلا العجيلي روائية تستطيع أن تفاجئك في كل عمل روائي، تلاه (سجاد أعجمي) مروراً بـ (سماء قريبة من بيتنا) ومنتهى لا نهاية مع (صيف مع العدو)؛ المفاجأة التي تبوح بأسرارها في عملها الأخير؛ إقامتها لبنائها الروائي على مواد متنوعة ومغايرة، وأن تشكل مادتها السردية في دوائر متقاطعة: حكاية تجر إلى حكاية، مع ميزة عدم نسيان القارئ/ة للحكاية الأولى، وينجرف مع سبل الحكايات التي تؤدي دور سلسلة، إنه شكل للفضفضة التي تؤدي إلى ربط الحكايات بعضها البعض وكأنها سلسلة سردية، إنه شكل يشبه تقانات (ألف ليلة وليلة) بثوب عصري، يدلل على نضج تجربة شهلا العجيلي روائياً.

في عملها الأخير، حيث استطاعت شق طريقة جديدة في الرواية السورية المعاصرة؛ عبر إدخال مواد جديدة على السرد الروائي التقليدي السوري، وجعلها عناصر أساسية في بناء نصها الروائي، إضافةً لتخليها للسرد الروائي، مع المحافظة على عنصر الحكاية التي تتنامى مع السرد لتبلغ نهاية مرسومة محددة.

 وعلى المقدار نفسه عملت جاهدةً على مدار تجربتها الروائية، على عدم الاكتفاء بالحكاية وعناصر الحبكة التقليدية؛ متيحةً فضاء السرد لأكبر قدر من التعليقات الجانبية، والحكايات الصغيرة، والتفصيلات الثانوية، والنجوى الداخلية؛ بحيث أصبحت روايتها الأخيرة قريبة من التيار الروائي، الذي يدعى الآن في نقد الأدب- ما بعد الحداثة بالميتارواية-أو الرواية التي تتأمل ذاتها.
عملت شهلا العجيلي جاهدةً على مدار تجربتها الروائية، على عدم الاكتفاء بالحكاية وعناصر الحبكة التقليدية؛ متيحةً فضاء السرد لأكبر قدر من التعليقات الجانبية، والحكايات الصغيرة، والتفصيلات الثانوية، والنجوى الداخلية؛ بحيث أصبحت روايتها الأخيرة قريبة من الرواية التي تتأمل ذاتها.
هذه الدراسة قراءة نقدية في رواية (صيف مع العدو) بما يتضمنه العمل من كابوسية مشهد مدينة الرقة السورية، التي تتأرجح عذاباتها بين كابوسية نظام البعث وكابوسية تنظيم الدولة الإسلامية. هنا تجد الرقة بكل أساها ومعاناة أصحابها، الذين نسيهم العالم وهم بدورهم تناسوا جراحهم، تأتي الرواية خطاب سردي موجه ومبتكر وواع ضمن تداخل في الأزمنة بعضها ببعض على طول فصول الرواية، والمكان ذي التجربة المعيشة حيث تحضر الرقة كما لم تحضر من قبل روائياً بين المكان المجازي والمكان الموضوعي والمكان المفترض، ضمن لغة تكرس نمطا كتابيا مميزا لهذا النص عن باقي نتاج العجيلي وتجريب أسلوبي ثري.

العنوان الإيحائي!
العنوان إيحائي بالمعنى الواسع للمصطلح، فيصدمك العنوان على الفور بأبسط توصيف العدو يحيل على الحرب؛ حياة عدائية ساخنة ومعارك عسكرية تشغل مكاناً هاماً في العمل، معنى اسم(صيف مع العدو)يكمن فيما يبدو على السطح.

الصيف أجمل الفصول في الرقة، اختارت الكاتبة في بعض الفصول أن تصور الصيف الساخن في الرقة على إيقاع سخونة كابوسية مشهدية الموت؛ أعتقد أن العنوان لا يحيل إلى دلالات أكثر من ذلك.

المتن الحكائي وسيل الحكايات!
قصارى القول في المتن الحكائي تجنباً لحرق الأحداث؛ ثلاث شخصيات نسوية منتقاة بعناية "لميس" وجدتها "كرمة" وكارمن"، وسط سيل من القصص والشخصيات يحكي عن حياة هذه النساء، حيث لميس شاهدة على جيلين مختلفين، جيل الجدة كرمة التي تعود حكاياتها وقصصها إلى جيل الثمانيات من القرن المنصرم، وجيل لميس ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وصديقتها كارمن الألمانية وما تتعرض له من مشكلات وأزمات.

تمثل رواية (صيف مع العدو) لشهلا العجيلي شكل من أشكال "الرواية السورية المعاصرة"، تتخذ من تهجين الشكل الروائي الأوروبي بعناصر سردية وغير سردية جلبتا من التراث العربي والحكايات الشعبية وأشكال السرد الشفوي؛ وسيلة للخروج من قبضة شكل "السرد الخطي"، هذا الشكل الذي اشتغل عليه أبو الرواية العربية نجيب محفوظ وقلده الكثيرون منذ ذاك اليوم حتى الآن، والخروج الذي اشتغلت عليه الأديبة يستحق الوقوف عنده بحفاوة نقدية.

تقيم شهلا العجيلي في الوقت نفسه وشائج وصلات قرابة عبر كتب السير والتاريخ وألف ليلة وليلة والمقامات والأغاني الشعبية والموسيقى الكلاسيكية؛ حيث تكثر في الرواية الأشعار المقتبسة والحكايات والمواد التاريخية والأمثال الشعبية والطرائف في نوع من المحاكاة الساخرة التي تكثف من المعنى الضمني  للحكاية الأصلية التي تفتتح بها نصها. إنها تعمل من الحكايات المتوازية والاقتباسات الشعرية والنثرية على توجيه القارئ/ة، إلى أصل الحكاية، إلى معنى التراجيدية الراقية وصراع البقاء الذي خاضته الأقلية المتشبثة بالفرات "أقدس أنهار العالم" كما جاء التوصيف في السرد الروائي.

ويوفر شكل نصها الروائي المبعثر المشتت، الذي ظهر يفقد مركزاً وبؤرةً محددين، متسعاً لسرد حكايات كثيرة، معظمها مأخوذة من تجارب حياتية شخصية للكاتبة. وتعيد هذه الحكايات، التي يتناسل بعضها من بعض؛ تأويل الحكاية الرقية مرة بعد مرة في نوع من"السرد العنقودي" الذي يتراكب بعضه فوق بعض طبقات. تشدن شهلا العجيلي عمارة جديدة في الرواية السورية المعاصرة، وتفتح أفقاً جديدة لتجديد حياة هذه الرواية، وتوسع لها مسالك لم تسلكها من قبل. تفصيل تمثيل العالم من خلال شخصيات غير مكتملة؛ إنها تبدو تخطيطات لشخصيات تعبّر - من خلال عدم اكتمالها- عن الواقع الكابوسي الذي يروى عن الرقة في ظل تواجد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وممارسات النظام القمعية، كوجه آخر لشركاء صناع الكابوس الرقاوي. "لميس" تمثل في الرواية الشخصية التي تتصفى عبرها الأحداث الكابوسية والمصير التراجيدي لسكان الرقة الذين أنشطروا شطرين: شطر داخل المدينة وشطر خارجه.
الواقع الكابوسي في الرواية يروي عن الرقة في ظل تواجد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وممارسات النظام القمعية، كوجه آخر لشركاء صناع الكابوس الرقاوي. 
(لميس) التي تنزل في نظرتها إلى الحياة بين التشاؤم والتفاؤل؛ وتغلب نظرة التفاؤل غير المبني على أسس واقعية على التشاؤم، شخصية مركبة كاشفة، تميط المؤلفة من خلالها اللثام عن تجربة مدينة. إنها تعمل على تكوين شبكة سردية معقدة، تدور حول شخصية لميس، الذي يبدو ظاهرها غير باطنها، ولكن مفارقاتها اللفظية تكشف عن طبيعة ولائها فقط لمدينة الرقة: "كما ستبقى في ذاكرتي!". هكذا جاء الإهداء، ولاء شهلا العجيلي في زمن الكوميديا السوداء وموسم تهجير السوريين، يبقى ولائها لنصها النقدي ، الذي لم يسلم من مقصلته بالتحديد النظام السوري الحاكم في دمشق.

إن شخصية (لميس) وأفعالها وما يرد على لسانها من اقتباسات والتلاعب بالألفاظ، وتحويرات للموقف والأخبار وتأويلات الفقه لغوية؛ وصفٌ مواربٌ للإحساس السلبي الذي يحمله الرقي ضد منظومة العبث البعثية في مدينة مهملة عن قصد، نجد ملمح التفصيل الأخير كلازمة. ولعل محاولة التعبير عن عوالم الغربة في سنوات حكم مدينة الرقة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي وجد الفرد الرقي المؤمن البسيط نفسه في عوالم شديدة الغرابة، قادت شهلا العجيلي إلى اصطناع عالم عجائبي يشبه بصورة من الصور عالم فولتير في (كانديد)، وعالم الكاتب التشكيلي ياروسلاف هاشيك في (الجندي الطيب شيفيك) لكنه بطريقة روائية "مسورنة".

الزمان في الرواية:
يعد الزمن عنصراً أساسياً من عناصر الرواية، وهو يوثر بشكل واضح في باقي عناصرها الأخرى، ويختلف الروائيون في ضبط الإيقاع الزمني لرواياتهم، فمنهم من يلجأ للترتيب، ومنهم من يستخدم الزمن  المتداخل، ومنهم يختار التوازي في وقوع الأحداث وسير الأزمنة؛ وأرى إيقاع الزمن في الرواية المعنية فيها زمنين:
 - الأول: يتسم بضبط الإيقاع على التداخل؛ وتكون فيه الحكاية على نحو تتناثر فيه مكونات المتن في النص، ثم يقوم المتلقي في إعادة تكوينها.
- الثاني: تتزامن فيه الوقائع، مما يؤدي إلى بروز "خاصية المفارقة" بين أزمنة السرد وأزمنة الحدث. التوازي؛ وهو نظام جديد في الرواية العربية، وتتجزأ فيه المادة الحكائية إلى أكثر من محور، بحيث تتعاصر زمنياً في وقوعها.

فيمكن القول: مما أسلفنا سابقاً؛ بما يخص ضبط إيقاع الزمن في رواية الكاتبة شهلا العجيلي، أنها استخدمت التداخل والتوازي، بطريقة رشيقة ومتقنة، لا تملك حيالها إلا أن تسترسل معها.

المكان في الرواية:
جاء المكان الروائي في هذا العمل متناغماً والزمن الذي احتواه، فلكل زمان مكانه الذي يتفاعل ويتغير ويراوح في اجترار معالمه وذاته.. والعكس صحيح، فالأحداث التي سردتها الكاتبة بصيغة الماضي جاءت بأماكن مختلفة عن الوقائع التي قصتها بصيغة الحاضر، وقد تنقل بين الأزمنة والأمكنة بسلاسة ويسر. ويبقى للمكان حضوره الدرامي في فضاء النص.. حيث تبدو أقدار الرقة الغريبة بين الإهمال البعثي والحكم الداعشي العبثي، هي المكان ودراماه.. والزمن وسخرية أقداره.. والهوى واتجاهات تياراته.
تبدو أقدار الرقة الغريبة بين الإهمال البعثي والحكم الداعشي العبثي، هي المكان ودراماه.. والزمن وسخرية أقداره.. والهوى واتجاهات تياراته.
لقد استعانت شهلا  بجملة للراحل غسان كنفاني في حوار صحفي أجريته معها؛ يقول الاقتباس: "إن كل شخص يحمل في قلبه مدينتين، المدينة التي ولد فيها، وتلك المدينة التي يحب أن يعيش فيها". كان تعليقها على الاقتباس يومذاك، أنها تعشق الرقة وتحب أن تعيش في حلب، ولكن شهلا العجيلي انتصرت في رواية (صيف مع العدو) لمدينة الرقة لا غيرها من المدن.. للمكان الذي لا مكان بعده أو دونه درامية وحضورا.

لغة خاصة.. غير مألوفة
الملاحظ في رواية (صيف مع العدو) أن شهلا العجيلي سعت لكي تصنع لنفسها نمط كتابياً خاصاً، ربما غير مألوف؛ قد يصطدم أحياناً مع قواعد اللغة وتقاليد البلاغة، قامت شهلا العجيلي بإضافة الكثير من العبارات باللهجة المحكية الرقية، شكل مارسته عن سابق وعي ودراية، شكل غير جلي سابقاً في نتاج العجيلي، وهذا ما يسميه النقد (الارتكاب) وهو بالخفاء يصرح بكونه ممارس عمداً.

قد يثير هذا الأسلوب المحافظين من اللغويين على قلتهم اليوم؛ ولكنه حق مشروع للكاتبة هنا، حيث يمكن أن نلمس في النص توجها حكائياً ولغوياً لأهل الرقة ومن يعرفها ويعرف مميزات لهجتها وطريقة عيش أهلها هذا من جهة، ومن جهة أخرى، توافر شروط قابلية حدوثه ومعقوليته كمحدودية. وهذا أسلوب الأسلوب؛ أن تكون للكاتب عباراته وأفكاره الخاصة، بما يخص اختيار الأفكار وتنسيقها، وإيثار الكلمات الدقيقة والجمل الواضحة، عمل أسلوبي أتقنته الكاتبة على أجمل وجه، متأثرةً بموضوعها كمثقفة من جهة، ومن جهة أخرى شخصية شهلا الحقيقية التي أعرف عن كثب بحكم شغلي؛ شهلا النظيفة من الداخل والخارج، الخالية من الأزمات.
شهلا العجيلي انتصرت في رواية (صيف مع العدو) لمدينة الرقة لا غيرها من المدن.. للمكان الذي لا مكان بعده أو دونه درامية وحضورا.
ملاحظات على الهامش:
إن أي نص لا بد يحمل ظواهر أسلوبية سيئة الخيارات، شهلا العجيلي تقع في مطب وهم، حيث تحاكي في أسلوبها ظواهر تسميها أرستقراطية؛ في بلد تنعدم فيه الأرستقراطية في الأصل، وسحقت البرجوازية أيما سحق وورثتها برجوازية محدثة وعفنة. اختيار لغة معيشية برجوازية بالتعاطي مع الحياة المعاصرة التي هي حكر معيشي على الطبقات الميسورة، ترهقه للقارئ/ة تلك التفصيلات عن برندات الألبسة والساعات الفاخرة والسيارات الفارهة والعطور الفرنسية التي أسهبت في طرح أنواعها، حتى تلك التفصيلات المتعلقة بالمواد الأساسية الداخلة في تركيب العطور الفرنسية باهظة الثمن في أسلوب موجه بالدرجة الأولى لجمهور قراء مدينة الرقة، الرقة التي اعتاد أهلها في معيشتها على الفانس، إلا ما ندر، هذا الاختيار للمؤلفة أو المبدعة كان اختيارا غير موفق واستعراض عضلات فروقات اجتماعية ومعيشية، هذا يتطلب قارئاً ينظر للنص بطريقة تؤهله لفهم هذه الظواهر واسترجاعها، مضافاً له خيار واستعمال التعبيرات الإنكليزية بلا إرداف ترجمة.

بينما يسود الخطاب المتعالي تجاه رسم شخصية الفلاح/ة في ريف الرقة؛ بتراكمات الحواس الشمية والحسية والبصرية، يتشكل تحت تأثير التعالي مما يحدث مفاجأة وردات فعل غير متوقعة؛ وبذلك يسود الانتظار الخائب لأن الفجوات المتعالية المتتالية والمتداخلة تحدث فجوات سوداء؛ هذه الفجوات التي وقعت فيها العجيلي، تحدث علاقة سيئة بين القارئ/ة والأديب ونصه.

commentالتعليقات

إقرأ أيضاً

if($('.nav-wrapper').width()<900){ google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "8024336238"; google_ad_width = 300; google_ad_height = 250; } else { google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "1705860969"; google_ad_width = 728; google_ad_height = 90; }
العشرات يحتجون في بلدة القريّا جنوب السويداء على آلية توزيع الخبز عبر البطاقة الذكية .ميليشيا أسد تجري عمليات تفتيش في بلدتي الجيزة والمتاعية بريف درعا الشرقي .مقتل شاب برصاص مجهولين في بلدة عدوان بريف درعا الغربي .ميليشيا أسد تعتقل أكثر من 30 شاباً في حي الجورة بمدينة دير الزور .اندلاع حريق في مخيم الهول والأضرار تقتصر على الماديات .عناصر من ميليشيا قسد يسلبون رعاة أغنام لا تتجاوز أعمارهم 15 عاماً في قرية زغير جزيرة غرب دير الزور.مئات اللبنانيين ينظمون مسيرة وسط بيروت في الذكرى الثانية لـ"ثورة 17 تشرين".انهيار كبير للريال اليمني والبنك المركزي يتخذ إجراءات عاجلة في عدن.مصرع 7 أفراد من أسرة واحدة جراء حريق منزل شرق باكستان.مصرع 3 أشخاص إثر تحطم مروحية في مدينة هايدلبرغ جنوب ألمانيا.https://www.facebook.com/Orient.Tv.Net/.https://twitter.com/orientnews?lang=en