رحيل الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة: ألهمت السيّاب وغضبت من فريد وأخرجت فيروز عن وقارها

لميعة عباس عمارة بريشة جواد سليم وفي الإطار مع الفنانة فيروز
أورينت نت – محمد منصور
تاريخ النشر: 2021-06-19 11:54
رحلت الشاعرة العراقية البارزة لميعة عباس عمارة إحدى رائدات الشعر الحديث في العراق، التي توفيت في الولايات المتحدة يوم أمس (18/6) عن عمر مديد ناهز الـ 92 عاما. تاركة وراءها ثروة من الشعر والمجد والوطن المسلوب.. 

رحلت في مغتربها الأمريكي.. الشاعرة التي لم تهتف لرئيس، وعندما دعاها في إحدى المناسبات الرئيس أحمد حسن البكر وقال لها "يا بنتي هاي شيبتي متستاهل تكتبين لي قصيدة". قالت له: لا أجيد هذا النوع من الشعر وهناك من هو أحسن مني. فقال: ومن يكون أحسن من لميعة؟ قلت: عبد الرزاق عبد الواحد.. وفعلا أحضر البكر عبد الرزاق عبد الواحد وكتب له قصيدة! 

صدقات قاتل الحضارة! 
رحلت الشاعرة التي لم تذكر اسم زعيم في قصائدها.. وكانت تعتز في سنوات عمرها الأخيرة أنها لم تكن أداة بيد أحد.. فقالت في إحدى حواراتها الأخيرة: 
" أعتز أني لم أكن أداة بيد أي طرف. كتبت ما ألهمت ولم أكتب رغبة غيري. ارتضيت الحياة البسيطة هنا في الغربة. تركت كل ما أملك ورائي في العراق ولم أحمل إلا القليل. كتبي، التذكارات التي أهديت لي من شعراء وأدباء عرب كلها ذهبت. حتى صوري وصور العائلة المعلقة على جدران بيتنا سُرقت. أنا امرأة بدون ماضٍ. هذا التاريخ الطويل الذي حمل اسم العراق في محافل الأدب والشعر انتهى به المطاف للعيش تحت رحمة تقاعد خدمة المسنين الأمريكي "فإذا بيدي تمتدُ للصدقات يرميها الذي  قتل الحضارةَ للقتيل".
نعم كانت لميعة عباس عمارة قالت إن أمريكا قتلت حضارة العراق.. وهي عندما تحصل على راتب التقاعد الأمريكي تشعر بأنها  تأخذ صدقات "يرميها الذي قتل الحضارة للقتيل". 


ومن العراق القتيل.. العراق المستباح بالأحقاد الفارسية والهيمنة الميليشاوية والطغمة الطائفية، ينعى الرئيس العراقي برهم صالح الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، في تغريدة على صفحته الشخصية على (تويتر): 
" نودّع الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة، في منفاها، ونودّع معها أكثر من خمسة عقود من صناعة الجمال، فالراحلة زرعت ذاكرتنا قصائد وإبداعا أدبيا ومواقف وطنية، حيث شكّلت عمارة علامة فارقة في الثقافة العراقية، في العاميّة والفصحى. نسألُ الله المغفرة لروحها والصبر لأسرتها الكريمة ومحبيها".

خلال حياتها المهنية، كانت لميعة عباس عمارة عضوة الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء العراقيين في بغداد (1963-1975)، وعضوة الهيئة الإدارية للمجمع السرياني في بغداد.. وقد كان صدور ديوانها الأول (الزاوية الخالية) عام 1958 حدثا أدبيا وجد احتفاء خاصا في تلك الفترة.. ثم توالت دواوينها الشعرية التي كان آخرها (عراقية) عام 1990 لكنها لم تتجاوز الستة دواوين.. فقد كانت متأنقة في الشعر، حريصة على ألا تنشر إلا ما تؤمن به.. كتأنقها في الملبس والكلام. وكان آخر ما صدر لها مختارات من شعرها بعنوان (أنا بدوي دمي) عن دار جداول ببيروت عام 2011

ألهمت بدر شاكر السياب وأهدته القصائد.
ولدت لميعة عباس عمارة التي تعود أصول عائلتها إلى مدينة (العمارة) العراقية، في بغداد عام 1929 وقد  بدأت كتابة الشعر في الثانية عشرة من العمر، وكانت ترسل قصائدها إلى الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي الذي كان صديقاً لوالدها، ونشر لها أول قصيدة وهي في الرابعة عشر من عمرها... كما بدأت بنشر مقالاتها في الصحافة العراقية والعربية وهي في السابعة عشرة من العمر حصلت على شهادة الثانوية العامة في بغداد ودرست في دار المعلمين العالية في كلية الآداب وحصلت على الإجازة في الخمسينيات، وعينت مدرسة في دار المعلمات.
 
وأثناء دراستها في دار المعلمين التقت بكبار شعراء جيلها كنازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب.. وتبدو علاقتها بالشاعر العراقي البارز بدر شاكر السياب هي الأكثر إثارة في تاريخها الأدبي.. ففي حوار أجراه معها موقع (جدلية) ونشر في (17/10/2015)، تقول الشاعرة إن قصيدة (شهرزاد) التي كتبتها وهي في السنة الثانية من كلية دار المعلمين، كانت له: 
"ستبقى ستبقى شفاهي ظِماءْ
ويبقى بعينيَّ هذا النداء
ولن يبرح الصدرَ هذا الحنين
ولن يُخرس اليأسُ كلَّ الرجاء"

وتضيف: "كانت هـدية لبدر شاكر السياب، كتبتها له وهو أجاب عن كل مقطع. كنت أكتب بيت شعر وهو يجيبني بقصيدة كاملة. كان بيننا حوار شعري". 
وكانت الكاتبة العراقية إنعام كجه جي قد سألت الشاعرة إن قد كانت بادلت السياب الحب فقالت:
" من الأكيد أنني كنت أحبه، وقد كتبت له شعرا، وتأثرت كثيرا بصداقتنا التي لم تكن أكثر من علاقة بريئة ومحلقة ومبدعة. وهي قد كانت فترة غنية جدا في حياة بدر، توقفت تقريبا فيها عن كتابة الشعر، طيلة الفترة التي عرفته فيها، وكنت مكتفية بدور الملهم والمستمع والناقد والرفيق والصديق. كنت الأم والحبيبة، فكان إنتاجي قليلا وإنتاجه غزيرا. وكنت سعيدة بصداقته وراضية. لكنه كان شكوكا لا يثق في النساء ولم يصدق أنني أبادله مشاعره. وأنا لست مطالبة بأن أقسم له بالأيمان الغليظة أني أحبه. فقد كان لي غروري وكبريائي وثقتي بنفسي والدلال المعروف عن العراقية، المرأة التي يلهث وراءها الرجل فلا تبدي مكنون ضمير وتبقى المترفعة. ولعله تصور أنني أحب الشاعر فيه فحسب، وأنا أحببته كإنسان. وكنت أستمتع برفقته وبالنكتة التي كان يطلقها وبالذكاء اللماح الذي يلتقط به كلماتي وبالتفاهم العظيم بيننا. كنا نستخدم لغة خاصة في الحديث، مختصرة وعميقة وجد صادقة. وكان ما بيننا لعبة أذكياء وتواطؤ موهوبين. إنها فترة من أثرى فترات حياتي العاطفية، بقينا سنتين معا، وأثناءهما كنا نتراسل، وقد دعاني لزيارته في قريته جيكور ولبيت الدعوة بصحبة خالي عبد الرزاق جودت، وبقينا ضيوفا في بيتهم ليلة واحدة، وقمنا بجولة نهرية كان خلالها يقرأ لنا الشعر".

لكن النقطة الأهم في علاقة لميعة بالسياب كانت بيتا الشعر الخالدان اللذين افتتح بهما الشاعر قصيدته الخالدة (أنشودة المطر) والتي يقول فيها:
عيناك غابتا نخيل ساعة الســــحر 
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

وقد حسمت الشاعرة هذه المسألة حين قالت ردا على سؤال بهذا الخصوص:
" لا أدعي ذلك ولا أثق بالشعراء. نعم هو قرأها لي ولكنه كان يقرأ لي كل شعره. هو أضاف "مطر مطر مطر" فيما بعد فهذا الجزء لم يكن في القصيدة في البداية ويختلف في المضمون".


 آراؤها في البياتي والجواهري ونزار قباني!
كانت للميعة عباس عمارة آراء نقدية حادة في أبناء جيلها من الشعراء العراقيين، ففي حوارها الأخير لموقع (جدلية) رأت في البياتي مقلدا للسياب، وفي الجواهري شاعرا لا يُحفظ شعره.. وقالت: 
" أنا أميل أن تكون الريادة لبدر فبدر كتب الكثير وطور الكثير، أما البياتي فجاء بعدهم. كان مع بدر دائماً يتبعه ويقلده. كان يحضر كل حلقات بدر ويسمع ثم يذهب ويكتب ثلاث وأربع قصائد. كان ينشر كثيراً حتى في مرة قرأت له قصيدة في مجلة "طبيبك". 
أما عن الجواهري فرغم إشادتها بأخلاقه وفكره رأت في شعره:
الشارع العربي يعرف الجواهري ولكن لا يعرف شعره ولا يحفظه وربما لا يستذوقه. حتى نزار قباني وهو شاعر كبير قال أنا لا أفهم شعر الجواهري. الجواهري كان صعباً. السياب كان أسهل. عاش مدة قصيرة لكنه ملأ مكانه وكان علامة من علامات القرن العشرين".
وعن نزار قباني قالت: 
" نزار مثلا لغته بسيطة وصلت للناس. هو دخل كل البيوت العربية. كتب شعراً ولم ينظمه نظماً. لم يجدد في الشعر شكلاً ولكنه جدد في المضمون والمعاني".

حكايتها مع فريد وفيروز وعبد الوهاب! 
يبقى الفصل الأخير من فصول سيرة هذه الشاعرة البارزة حكاياتها مع الفنانين.. فقد ارتبطت بصداقات مع فيروز وعبد الوهاب وفريد الأطرش.. وقد روت ذكرياتها الطريفة معهم بالقول: 
" التقيت بمحمد عبد الوهاب في مهرجان شوقي ثم ذهبنا بعدها إلى كافيتريا شتورة. قال لي اختاري قصيدة من شعرك لأغنيها. قلت له عندك ديواني اختر ما شئت وغيري لا يفوّت فرصة كهذه، وهو كان وقتها يقرأ باستعمال العدسة المكبرة ولا يستطيع قراءة دواوين. التقيت أيضاً بفريد الأطرش كثيراً وطلب مني مرة قصيدة فقدمت له قصيدة اسمها "الغد الأعمى". فرفض وهذا أغضبني. قلت له لماذا هذه من أجمل قصائدي، قال لا أريد من في الصالة ينادي "غني الأعمى يا أطرش". كان خفيف الظل جداً. وفي بيروت التقيت مع فيروز كثيراً. قالت لي مرة "أخرجتيني عن وقاري" لأنها كانت تنادي بصوت "الله الله" وأنا ألقي الشعر. كنا مره جالسين في بيتها والرسام الكاريكاتير المعروف صلاح جاهين هناك فرسمنا جميعاً. بعد ذلك وضعت رسمة لي غلافاً لديواني باللهجة العامية".

رحلت لميعة عباس عمارة مؤمنة أن العراق سيلد الكثير من الشعراء في المستقبل.. لكنها كانت ترى في الوقت ذاته أن "الطينة العراقية تشوهت" وأنه سيلزم العراق الكثير من السنوات كي يتخلص من العنف والقسوة.. ورغم أنها رحلت وسط أسرتها وأحفادها في مغتربها الأمريكي.. إلا أن قصيدتها المبكرة (تائهة) من ديوانها الشعري الأول (الزاوية الخالية) ربما كانت خير ما يعبر عن فرادة هذه الشاعرة وحزنها العراقي المعتّق، المبثوث في ذاكرة أرض السواد ووجدان عذاباتها التاريخية:
عبثا أُفتـــــشُ في الفلا... فأنا هنا وحــــــدي 
عبثا أُريقُ مَدامعي وأبثُّ آهاتي سُـــــــــــــدى 
قلبي يمزقه الصراخ ولا يجيب سـوى الصدى 
وشفاهيَ الظمأى تُحسُّ في الثرى أثَر النــدى 
قستْ الحياة وعذبتْ نفســـــــي فرفقاً يا ردى 
لا تمحُ من عيني السنا.. فأنا هنا وحــــــدي



commentالتعليقات

إقرأ أيضاً

if($('.nav-wrapper').width()<900){ google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "8024336238"; google_ad_width = 300; google_ad_height = 250; } else { google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "1705860969"; google_ad_width = 728; google_ad_height = 90; }
طائرات الاحتلال الروسي تستهدف محيط النقطة التركية في بلدة البارة جنوب إدلب .ميليشيا أسد تستقدم تعزيزات عسكرية إلى محيط منطقة درعا البلد المحاصرة .إنقاذ 37 سورياً عقب غرق قارب قبالة جزيرة كريت وأعمال البحث تتواصل للعثور على 8 مفقودين ."اليونيسف" تحذر من انهيار شبكة إمدادات المياه في لبنان .إصابة 48 فلسطينياً برصاص الجيش الإسرائيلي بالضفة الغربية .مقتل 3 جنود عراقيين بهجوم لـ"داعش" بمحافظة الأنبار غرب البلاد .ارتفاع عدد قتلى الانهيارات الأرضية في ولاية "ماهاراشترا" غرب الهند إلى 39 قتيلاً.https://www.facebook.com/Orient.Tv.Net/.https://twitter.com/orientnews?lang=en