مسلسل (بعد عدة سنوات): دراما الدفاع عن المتة والحنين للذل

مسلسل (بعد عدة سنوات): دراما الدفاع عن المتة والحنين للذل
فنجان قهوة بديلاً عن المتة التي اعتبرت بطلة هذا المسلسل "رنا" التي تجسد شخصيتها الممثلة ديمة قندلفت. إن غياب المتة عن البيت السوري هو فعل طائفي!

الدكتور "معروف" يبرر لضيفته عدم طائفيته وينفي التهمة عنه بالخروج ليلاً وسط الاشتباكات الدائرة خارج الغرفة. هكذا يبدو المشهد الأول في مسلسل (بعد عدة سنوات) للكاتب بسام جنيد والمخرج عبد الغني بلاط وإنتاج المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني التابعة لنظام أسد، أشبه بإعلان نوايا - ولو صغير- عن توجه العمل وآفاقه! 

أسوأ استهلال..

تمضي حلقات من (بعد عدة سنوات)  ويبقى الخط الزمني للأحداث رتيبا متثائبا.. إن لم يكن مشلولا. لا شيء يشي بالبوح عنه، حتى الآن الكادر نفسه، غرفة تجمع بين فتاة ورجل وفنجان قهوة واشتباكات بالخارج، يروي أحدهما للآخر قصته وقصة عائلته، وهو ما ينافي ما تم الترويج له في الدعاية والإعلان لصناع العمل، بأنه يدور بين زمنين مختلفين١٩٨٩حتى٢٠١٤، كل هذا مفقود، والأكثر بلاءً وما زاد الطين بلة؛ أن الشيء الموجود أعاق انسيابية الأحداث وخيمت على العمل غيوم من الرتابة؛ بل أجزم وأستطيع القول: إن الخط الزمني الحالي مقحم على الأحداث بلا داعٍ أو مبرر درامي داخلي، سوى دعاية للهيئة الأسدية منتجة العمل.

وتبدأ الحكاية مع الصحفية "رنا" التي تباغت اشتباكات تندلع فجأة بينما هي عائدة إلى منزلها في دمشق، فتطرق أبواب البيوت التي تصادفها في طريقها لتحتمي في داخل أحدها، فلا يفتح لها سوى الطبيب الخمسيني "معروف".

 افتعال واضح بين السيناريو حواراً والممثلين أداءً وكاميرا المخرج تجسيداً بصرياً، لا شيء مقنع ولا يميط اللثام عن شيء جاد ومجدٍ، الصحفية "رنا" مشروع الكاتبة لا تتردد في قبول مهمة كتابة قصة حياة عائلة "أبو نورس" أهل "معروف". لا شيء يبوح بقيم ومفاهيم يحاول المسلسل أن يقولها بعيداً عن قيم ومفاهيم النظام في إدانة الاشتباكات الجارية في الخارج ونسبها لفقدان الأخلاق.. أما الاستبداد والتوريث الطائفي في نظام جمهوري وأفرع المخابرات وجلادي التعذيب.. فلا علاقة لهم بشيء.. وليس لهم أي دور في إحداث مثل هذا الانفجار!

ولعل المشهد الذي ضم معروف ورنا يشكل أسوأ استهلال يمكن أن يصادفه مشاهد في مسلسل تلفزيوني، أكثر من١٦ دقيقة  متواصلة غارقة في الرتابة والبطء! لا شيء سوى رائحة الشواء الطائفي المنبعثة من الحوار، ومن خلال قصة غير محبوكة دراميا، ومطرزة على هوى النظام سياسيا؛ إنها سوناتا الحنين للماضي الجميل؛ ماضي الذل ما قبل "الأزمة" أو "المؤامرة".. ويبدو أنه في هذا الموسم الدرامي كل المخرجين يعملون على إيقاع البوط العسكري: استعداد استرح.. رجعوا الكاميرا لورا"،  هناك: "وراء" يكمن الماضي الجميل، الذي لا تبدو فيه منغصات ولا إرهابيون.. ولا طائفيون لا يشربون المتة! 

الحكاية والحكواتي

ومما يعوق اندماج المشاهد في الحكاية: هل هي جديرة كونها "حكاية تروى"؟

لا أعتقد أنها حكاية جديرة أن تروى، لكونها مرويات مطروقة في كل الفنون السورية، إنها شكل من "الحكواتي المحترف"، ببساطة ما سبق يأتي السيناريو، في تناول يوميات عائلة أكثر من عادية، إنه التلاعب بالمشاهد، ولكنه تلاعب رخيص ومكشوف، فيؤجل البوح بكابوس الموت الذي يحوم حولنا في مزرعة الأبد الأسدية.

 الطبيب "معروف" محكوم بسلطة الرقيب حينما "يفضفض" إنها الفضفضة على قياس الرقيب الأسدي، واليسير النادر من التشويق يشدك للحكاية، ولكن لا تقنيات ناجحة في شد الأجزاء معاً، حيث فشلت المعالجة الدرامية في المقارنة بين زمن "كان" والزمن الحالي، حيث تغيرت الكثير من المفاهيم نحو الأفضل في الزمن عكس ما كانت عليه سوناتا الزمن الجميل لدى صناع العمل الأسديين، كاشفاً عن التجليات الأخلاقية لمزرعة الأبد الأسدية، حيث الخير المزيف والحارة الفاضلة الحالة الأخلاقية النموذجية الخالية من الرذيلة والسوء ولا مكان للشر بين ساكنيها؛ قصارى القول لا يوجد طرح إنساني عميق.. ولا قدرة على النفاذ فيما يلامس أزمات الواقع الاجتماعي الحقيقية

هواجس إخراجية قديمة

وعبد الغني بلاط السينمائي الأكاديمي، صاحب العمل الكوميدي الشهير (دنيا)، لا يتعب من تقديم هواجسه الفنية بشكل ساخر ساذج لا يعبر عن مجريات ما يحدث، إنهم خريجو الاتحاد السوفيتي وعشقهم للضحك الساذج على إيقاع البوط العسكري.. حيث معالجة الحالة الاجتماعية الحساسة لا تتم بعيداً عن طريق الضحك الساذج والحضور السينمائي القديم وبلغة لا تمت للعصر بصلة، فهذه الهواجس السينمائية لا تتقاطع بشكل خلاق مع المسلسل التلفزيوني.. في فضاء لا يمكن نسبه للإبداع، فهو عادي لا يملك عناصر ابتكار.. وغير مكثف يسترسل في ثرثرة لفظية يتم فيها خلق أبجدية تحاكي خطاب النظام، لا تعتمد على موضوع جاد، و الحكاية الفقيرة دراما وأحداثاً، خير شاهد على ذلك السوء في تناول الراهن الساخن.

تقتير وفقر إنتاجي 

يتطرق مسلسل (بعد عدة سنوات) للعديد من الأزمنة، وتمتد حكاياته على مدى ثلاثين عاماً، لكن لا تجد أن فريق العمل كسب معركة الديكور والإكسسوار وغير ذلك، وهذا من الطبيعي أن يشعر أي مخرج بالقلق، يبدو أن فريق العمل الفني منقوص تمويلياً وفنياً، أو أن الأموال في مؤسسة الإنتاج تذهب لأعمال دون أخرى! 

وتراهن جهة الإنتاج التابعة لنظام أسد على مسلسها الجديد، الذي لا يظهر جهداً فنياً كبيراً، لا يقطع مع السائد من الأعمال غير إنسانية التي تنتجها الهيئة العامة للإنتاج التلفزيوني، نحن نعيش عصر لا أرى أننا نتردى به أخلاقياً بمقدار ما ينضح برداءة فنية، صميم العلاقات الأخلاقية ليس حكراً على زمن، إنها الواقعية التشبيحية الأسدية التي تجد في التمرد على رئيس مزرعة الأبد الأسدية، قيما غير إيجابية وترديا في الأخلاق، والعزاء في تقديم زمن لم يحمل الكثير من التعكير للصفو العام داخل المزرعة الأسدية.. إنه موسم هروب كاميرا المخرجين الجماعي نحو زمن الذل الصافي تحت الشمس الأسدية المُحرقة.

التعليقات (0)

    0

    الأكثر قراءة

    💡 أهم المواضيع

    ✨ أهم التصنيفات