أهم الأخبار

 

بين تعصبها القومي والطائفي ومكر السياسات الغربية

مقال اليوم || حازم أحمد بعيج 2021-05-08 06:26:00

أرمن سوريا- أرشيف
أرمن سوريا- أرشيف

ظهرت مع ظهور الثورة السورية عام 2011 إشكاليات كبيرة لم تكن مطروحة بشكل كبير في وقت سابق، ولم تكن ظاهرة للعيان في الوجدان الوطني السوري..  لعل أبرزها أزمة عداء الأقليات بصورة عامة للثورة السورية، وتمسكهم بالنظام الحاكم القائم على جماجم السوريين ووسط بحر من دماء أبنائهم، الأمر الذي يدعو إلى النظر في تاريخ كثير من الأقليات المناوئة للثورة.. ومفهومها بالنسبة للمواطنة والوطن والعلاقة مع المكونات الأخرى. 

 مؤخراً نشرت صحيفة (أورينت نت) وثيقة هامة حول موضوع مراسلات الوزير محمد كرد علي ابن الأقلية الكردية، بخصوص الأقلية الكردية النازحة من تركيا باتجاه سوريا ومخاطرهم على الدولة السورية في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، وفي سياق متصل يمكن أن نعرج على لمحات من تاريخ الوجود الأرمني والآشوري في سوريا: تثبيتهم وتوطينهم والغايات المعلنة أو غير المعلنة من هذه السياسات التي تستهدف تمزيق وتفتيت سوريا على المدى الطويل، ومنع الأغلبية فيها من نيل حقوقها الكاملة بالمواطنة الحرة الكريمة، عبر سلوك ونزعات هذه الأقليات المتطرفة بصورة مباشرة.

مثلت الهجرات الأرمينية والآشورية والمسيحية غير الأرمينية وغيرها إلى المنطقة الشامية حالة إنسانية مهمة في بداياتها، إذ بدأ الأرمن بدخول سوريا بين عام 1920 حتى عام 1940 على دفعات أكبر من دفعات الهجرة الكردية بكثير، بعد انهيارهم في مواجهة قوات السلطنة العثمانية بالرغم من الدعم الروسي والأوروبي العسكري الكبير لهم، لتقدر أعداد النازحين الأرمن بحوالي 100 ألف نازح استوطن أكثر من نصفهم في حلب ودمشق والنصف الباقي في بيروت وطرابلس وصيدا.

ومن زاوية أخرى كان الفرنسيون يشعرون بالخطر الداهم عليهم من الأكثرية العربية السنية بسبب صلاتها الوثيقة بالدولة العثمانية الإسلامية، بل إن الفرنسيين والروس والبريطانيين والأمريكيين، كانوا يعتقدون بضرورة إضعاف الأغلبية المسلمة، إذ أن فرنسا كانت تنظر إلى المنطقة من الموصل إلى جنوب سوريا على أنها منطقة سيطرة فرنسية قديمة وعادت إلى فرنسا بشق الأنفس بعد انهيار الدولة العثمانية، فمصالح فرنسا التوسعية والاستراتيجية لا يمكن أن تحققها الأكثرية العربية السنية، وكان لا بد من عمل دولي متكامل لتوطين هؤلاء النازحين (المنبوذين) حسب تعبير المؤرخين البريطانيين في المدن السنية الكبرى، ليكون لهم نوع من التأثير في السياسات المحلية فيما بعد، فكانت منظمة الشرق الأدنى للإغاثة والمتطوعون الفرنسيون والأمريكيون والإرساليات التبشيرية تعمل على نقل النازحين من الأرياف والمناطق الزراعية والمخيمات القذرة حسب تعبير القادة والمؤرخين البريطانيين إلى داخل المدن ودمجهم بصورة طبيعية من جميع الجوانب، في حين كانت الخارجية الفرنسية تعمل على أوسع نطاق برفقة عصبة الأمم، لتبرير دوافع تجنيس هؤلاء النازحين ومسايرة نزعاتهم الدينية في علاقاتها مع الدول والحكومات العربية الناشئة! 

وبالرغم من رفض الأرمن لفكرة الاستيطان والتجنيس، وتذمر الرأي العام المسلم من سياسات فرنسا المشبوهة، إلا أن السياسات الأوروبية والأمريكية كانت ترفض ذلك وتسعى جاهدة إلى تثبيت وجودهم بشتى الطرق، لخدمة مصالحها على المدى البعيد.

هذه الأقليات النازحة التي دمجت دمجا قهريا اجتماعيا وقانونيا في المجتمع، والتي وجدت التسامح والعطف من الأغلبية السنية، فلم يعرف التاريخ أنها تعرضت لأذى من أي قوى مجتمعية على مر عقود طويلة، تحولت بلا أدنى شك إلى عقبة كبيرة في وجه الثورة السورية عام 2011 نظرا لما تحمله من ثقل أيديولوجي وتعصب ديني، وعداء للهوية العربية الإسلامية، وفي ذات الوقت الشعور بالتفوق والقدرة بسبب الدعم الغربي الكبير لهم، مما أسهم في جعلهم بيئة خصبة لتنفيذ سياسات أوروبا وأمريكا في سوريا وخاصة في ظل الثورة السورية.

فمسألة عداء الغرب للهوية العربية السنية ليست حديثة كما يتصورها كثيرون، بل قديمة وظهرت مع انهيار السلطنة العثمانية، فمثلت الأقليات جسرا لعبور السياسات الغربية إلى المنطقة للحفاظ على مصالحها والتي أبرزها منع قيام دولة قوية معاصرة محكومة ديمقراطياً، ونامية اقتصاديا واجتماعيا،  والإبقاء على استخدام ورقة الأقليات في مواجهة أي ثورة.. سواء كانت هذه الأقليات مسيطرة على الجيش وتمثل حكم العسكر والبسطار الاستبدادي الخشن.. أو ترتدي لبوسا مدنياً، وتشكل لوبيات ضغط في وسائل الإعلام ومراكز القرار العالمي.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات