مذكّرات خدّام 8: حافظ أسد قصف المخيمات الفلسطينية وخدام يزعم أنه صرخ بوجه عرفات

عبد الحليم خدّام بجانب رأس النظام حافظ أسد في اجتماع أممي
تاريخ النشر: 2021-05-03 12:55
نشرت صيحفة "الشرق الأوسط" السلسة الثامنة من مذكرات نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدّام تحدث فيها عن لحظات مفصلية سبقت القرار السوري قبيل إرسال قوات ميليشيات أسد إلى لبنان للتدخل العسكري عام 1976، وجولة الاتصالات التي حصلت بين نظام أسد والدول العربية لتشكيل قوة الردع العربية.

اقتتال طائفي يعرقل الانتقال السياسي
قبيل التدخل العسكري السوري في لبنان بشهر، قدم كريم بقرادوني إلى عبد الحليم خدّام في أيار رسالة من الرئيس اللبناني سركيس الذي يؤمن أن اتصالاته الخارجية يجب أن تكون أولاً مع سوريا لـ"شرح تصوّره"، مؤمناً بالحل السياسي عبر الحوار، وطلب إنهاء الاقتتال بين الفرقاء في البلاد.

والبداية، حسب سركيس، ستكون مع كمال جنبلاط، على أن يجري ذلك بالتوازي مع المبادرة السورية مشترطاً استمراريتها "مهما كانت النتائج". ومن جهة أخرى، سيعقد اجتماعا مع سليمان فرنجية للاتفاق على كيفية التسليم والاستلام لمنصب الرئيس في المجلس النيابي تلافياً للفراغ السياسي في البلاد.

لكنّ خدّام اعترض على المقترح، وارتأى أن يضع فرنجية استقالته من المنصب أمام سركيس، ويدعي مجلس النواب إلى جلسة تتلى فيها الاستقالة، يؤدي فيها الرئيس سركيس القسم الدستوري.

لكن المساعي السياسية قوبلت، بحسب خدّام، باتساع رقعة الاقتتال الطائفي وزيادة حدّة التحزبات السياسية والعسكرية للقوى الفلسطينية وحلفائها اللبنانيين. واشتد الحصار على كل من جبل لبنان وبيروت وزحلة وبعض القرى المسيحية في عكّار، الأمر الذي يسيل لها لعاب إسرائيل للتدخل وإيجاد حليف لها في لبنان، حسب تعبيره.

حرب حزيران 1976 و"مسرحيات" ياسر عرفات
تصاعد القتال دفع بجنبلاط لوضع شروطه مطالباً بوقف جدي لإطلاق النار من غير انسحاب المقاتلين من مواقعهم، داعياً إلى الجلوس على طاولات المفاوضات دون شروط مسبقة، وإلى انسحاب الجيش السوري تدريجياً ومباشرة الدستور لتعديل بعض مواده وتحديد شكل الحكم في البلاد ونسب التمثيل للقوى السياسية في المجلس النيابي، وهيكلة المؤسسات وفق معيار وطني لا طائفي، إلا أن خدّام اعتبر مقترح جنبلاط يصب في مسعى تعزيز الهيمنة المارونية على قيادة البلاد.

وعليه، اقتحمت ميليشيات نظام أسد الأراضي اللبناني في الأول من حزيران عام 1976، وبعد ذلك بشهر، عقد مكتب التنسيق لحركة عدم الانحياز اجتماعاً له في مدينة الجزائر بحضور الرئيس عرفات، والذي ادعى خلالها عن مؤامرة أمريكية – فرنسية – إسرائيلية ضد الثورة الفلسطينية والقوى المحلية في لبنان، مبدياً خشيته من تنفيذها بأيدٍ عربية، حسب وصفه.

لكن عرفات والقوى اللبنانية الحليفة له دعت في مناطق سيطرتها، في وقت سابق، إلى إضراب عام كاحتجاج على دخول القوات السورية لبنان ما دفع باللبنانيين إلى الإغلاق بدلاً من الإضراب بدافع الخوف، بحسب رواية خدّام، مدعياً أن ميليشيات أسد رفعت الحصار عن المناطق المسيحية وأبعدت الخوف عن أهاليها، وفق مزاعمه.

وادعى خدام أن عناصر عرفات والقوى اللبنانية المصطفة معه كانت تتداعى أمام ميليشيات أسد، مادفع بياسر عرفات إلى "التحريض" لعقد اجتماع طارئ في الجامعة العربية في 9  من حزيران/ يونيو.

وعليه، دعي وزراء الخارجية العرب لحضور اجتماع طارئ في مجلس جامعة الدول العربية في القاهرة، قدم خدّام لحضور الاجتماع، لكن سفير نظام أسد في مصر، مأمون الأتاسي أبلغ خدام أن الاجتماع عقد في 8 من حزيران/ يونيو، أي قبل يوم واحد من الموعد المقرر، ونص البيان الختامي للاجتماع على وقف القتال فوراً بين جميع الأطراف المتناحرة في لبنان، وتشكيل قوات حفظ أمن عربية رمزية تحلّ مكان ميليشيات أسد وذلك بناء على طلب الرئيس اللبناني المنتخب، مشيراً أن عرفات تلا كلمته وهو يبكي ويقول "الآن، الطائرات السورية تقصف بيروت، الطائرات السورية تقصف المخيمات، القوات السورية تدمر القرى اللبنانية".



 وأردف سفير النظام لخدّام أنه تم تشكيل وفد للذهاب إلى دمشق، برئاسة وزير خارجية البحرين محمد بن مبارك بن حمد آل خليفة رئيس الدورة، ووزيري خارجية الجزائر بوتفليقة، وليبيا علي التريكي، والأمين العام للجامعة محمود رياض. وعليه، سارع خدام للاتصال بنظام الأسد وإبلاغه بعدم استقبال الوفد، عائداً من القاهرة إلى دمشق للقاء الأسد الأب.

وفي تفاصيل الزيارة، أبقى مدير مطار دمشق طائرة وفد الوزراء العرب في الجو إلى ما بعد وصول خدّام، وأبلغ الأخير الأسد ما حدث، فرفض الأسد الأب مناقشة أي من البنود، حتى يعاد عقد الجلسة بحضور نائبه عبد الحليم خدّام.

انتهى الخلاف على عقد الاجتماع في اليوم التالي 10 حزيران في القاهرة، وعليه توجه خدام إلى هناك، ودخل القاعة واصفاً الجو بـ"المتوتر"، وجماعة عرفات منتشرين والمسدسات تتدلى من أجنابهم. توجه نحوي الشيخ صباح الأحمد، وزير خارجية الكويت، وطلب مني الانتباه لأن الفلسطينيين متوترون، ويخشى أن يصيبني ما أصاب رئيس وزراء الأردن وصفي التل الذي اغتاله فلسطينيون في القاهرة، فأجبته: «أنا لست وصفي التل، وسوريا ليست الأردن؛ لا تقلقوا من هذه المسرحيات. نحن نعرف الإخوان جيداً".

وتطرق خدام إلى تحاشي عدد من الوزراء الحديث معه أو مصافحته، بل أداروا له الظهور، لكن عرفات تقدم تجاهه مرحباً ومخاطباً إياه بـ"أبو جمال"، فصفق المجتمعون؛ واستدرك خدّام بانتقاد ازدواجية عرفات بين التباكي يوم أمس وشتم نظام أسد واليوم يعانق وزير خارجيته.

وأضاف: "وعندما وصل إلي بقيت جالساً، فوقف أمامي قائلاً: «ما بك يا أبا جمال؟». أجبته بصوتٍ عالٍ كي يسمع الجميع: «كذبت يا ياسر، كعادتك، وأسأت إلى سوريا وإلى القضية الفلسطينية؛ إنك تمزق لبنان وتمزق الفلسطينيين، وتخدم إسرائيل. طريقك يا ياسر لن يكون باتجاه العرب، ولكن باتجاه إسرائيل». رد عرفات، قائلاً: «أنتم دخلتم لبنان وتضربوننا»، فأجبته: «سنضرب كل من يحاول التقسيم، وسنحاسب كل من يسفك الدماء؛ لبنان ليس فلسطين. ستدفع ثمناً غالياً لقاء تآمرك على لبنان وفلسطين وسوريا».

ولتهدئة التوتر، حضر وسطاء إلى خدّام، بينهم وزير خارجية ليبيا، علي تريكي، واقترحوا تناول الغداء بحضور عرفات، لكن خدّام اشترط أن يسحب الخطاب ويعاد صياغته بشكل يدين منظمة "التحرير" الفلسطينية وما ألحقه قادتها من أضرار بالقضية وبلبنان وإرساله مجدداً إلى اللجنة، ليبرق إلى رأس النظام حافظ الأسد لاطلاعه على ماجرى، حسب قوله.

تراجع سوري عن الاتفاق.. والانسحاب "مشروط"
في هذا التوقيت، كانت ميليشيات أسد قد وصلت إلى صوفر وباتت على مشارف بلدة بحمدون، مادفع بليبيا والجزائر إلى التحرك نحو دمشق للاجتماع بالأسد في 12 من حزيران للاتفاق على بضع نقاط من بينها؛ إشراك سوريا في قوة السلام العربية، والانسحاب الشامل لها بعد المباشرة بالحل السياسي.

لكن الاتفاق قوبل برفض خدّام بذريعة أنها ستعطي الفصائل الفلسطينية مزايا عسكرية لمهاجمة جبل لبنان واستنزاف ميليشيات أسد في البقاع، وأوصى بدلاً عن ذلك، بسحب الميليشيات من بيروت وصيدا، وتدعيم تعزيزاتها في الشمال والبقاع لـ"الضغط على جنبلاط"، حسب رأيه.

وعليه، طلب الأسد الاجتماع مع رئيس الأركان حكمت الشهابي في مكتبه بحضور قائد القوات الجوية ناجي جميل في 13 من حزيران للاتفاق على سحب الميليشيات السورية من بيروت وصيدا وصوفر مباشرة، وختمت بالقول إن انسحاب الميليشيات السورية نهائياً من لبنان مشروط بالحل السياسي في البلاد.

وفي اليوم ذاته، اجتمع خدّام بقيادات من حركة "فتح" بينهم محمد غنيم وأحمد جبريل، واتهموا نظام أسد بعرقلة الحل في لبنان متهمين إياه بعدم الانسجام والتخريب رافضين بنود الاتفاق الجديد، ودلل خدام على موقفه أن عرفات يحرّف القضية باتهام سوريا بذبح الفلسطينيين في لبنان، والغريب أن عرفات أعلن موافقته على بنود الاتفاق من القاهرة.

واستطرد خدّام في مذكراته بسرد مآخذ وعثرات ارتكبتها قيادات فصائل فلسطينية من بينها استخدام الخلاف بين سوريا والعراق، وتوريط القيادة العراقية بحشد قوات على الحدود السورية فضلاً عن انشغالها في الأمور الداخلية لبعض الدول العربية، على حد قوله.

في 13 من حزيران أيضاً، شهدت الحدود السورية مع العراق حشوداً عسكرية عراقية، في محاولة لتخفيف الضغط عن لبنان دون نية القيام بأي عمل عسكري على الحدود بحسب ما أكده رئيس وزراء الأردن زيد الرفاعي خلال مكالمة هاتفية له مع عبد الحليم خدّام.

ميليشيات أسد  "العمود الفقري" في لبنان
بعيد ذلك، استقبل خدّام الأمين العام للجامعة العربية محمود رياض في دمشق ليبلغه أن قادات لبنان يريدون من سوريا إكمال المهمة وسحب السلاح من الفلسطينيين وتسليمه إلى القوة العربية، مبدين تحفظاً من قوات عربية مشاركة من دول الجزائر وليبيا والعراق واليمن الجنوبي وفلسطين.

وعكس رياض مواقف القادة اللبنانيين، بينهم فرنجية وسركيس، في العودة بالقرار إلى رأس النظام حافظ الأسد فيما يتعلق بسحب قوات سوريا من صيدا وبيروت وغيرها من المناطق، واصفين ميليشيات أسد بأنها "العمود الفقري" لأداء المهمة، في حين يمكن إسناد "مهام محدودة" لباقي القوات.

وختم رياض لقاءه بطرح مقترح فتح طريق دمشق بيروت لمرور القوات العربية المشتركة لحفظ الأمن، وبعيد اللقاء اجتمع خدّام بمدير الأمن العام اللبناني العقيد أنطوان دحداح، ليبلغه بكارثية انسحاب ميليشيات أسد من بيروت، فالجيش اللبناني "فارط" ولا إمكانيات لديه لشن هجوم، في حين أن الأحزاب الحليفة لعرفات استقدمت ذخائر وأسلحة جديدة وهاون 160، حسب تعبيره.

لكن باريس لم تكن راضية و"متفهمة" لسياسة نظام الأسد، وفق تعبير خدّام، مدعياً أن اقتحام ميليشيات أسد للبنان أوقف مجازر دامية وأوقف الضغط على الجانب الماروني، صاحب العلاقات المتينة مع باريس. وختم مذكراته بالتطرق إلى زيارة الأسد الأب إلى فرنسا ولقائه مع الرئيس جيسكار فيستيان في 17 من حزيران من الشهر ذاته لبحث ملف لبنان.
commentالتعليقات

إقرأ أيضاً

if($('.nav-wrapper').width()<900){ google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "8024336238"; google_ad_width = 300; google_ad_height = 250; } else { google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "1705860969"; google_ad_width = 728; google_ad_height = 90; }
مقتل 3 قادة ميدانيين في قصف إسرائيلي استهدف شقة سكنية في غزة.وسائل إعلام إسرائيلية: قتيلان إسرائيليان في عسقلان نتيجة سقوط صواريخ من غزة.قناصل ودبلوماسيون أوروبيون يزورون حي الشيخ جراح بالقدس ويلتقون عائلات مهددة بإخلاء منازلها.روسيا تعلن عن عزمها إنشاء رصيف عائم لقاعدتها البحرية في طرطوس.مقتل جندي تركي وإصابة 10 آخرين بانفجار استهدف مدرعتهم بريف إدلب.وفاة امرأتين وطفل بمخيم نبع الأمل باحتراق خيمتهم بريف إدلب.حريق يلتهم 13 خيمة لعوائل داعش بمخيم الهول بالحسكة .الغارديان البريطانية تعتذر عن خطأ "وعد بلفور" التاريخي.مجموعة غسان عبود ضمن قائمة أفضل 100 شركة في الشرق الأوسط لعام 2021.القامشلي 99.6 - الحسكة 99.6 - تركيا / الريحانية - أنطاكيا 95.8.https://www.facebook.com/Orient.Tv.Net/.https://twitter.com/orientnews?lang=en