في ذكرى الجلاء .. في ذكرى الاحتلال!

تاريخ النشر: 2021-04-21 06:27
كانت سورية وما زالت الجغرافيا الأكثر أهمية في المنطقة في عمق التميز الثقافي والتمسك به والدفاع عنه، وبناء التاريخ العالمي المشرف، والحرص على تدوير عجلته نحو الأمام بقوة وعزيمة وإرادة إنسانية قل نظيرها.

وفي اللحظات التي تتعرض فيها لما يناقض شخصيتها التاريخية فإنها تقدم تضحيات أسطورية دون استكانة أو خضوع، وتبرز تمنعا عاليا ورفضا كبيرا لعمليات التطويع والاستلاب، وتكلف أعداءها أثمانا باهظة على تجاوزهم حدود العلاقة معها، وتنكرهم لدورها ومكانتها .

ولقد كانت سورية من أواخر الواقعين تحت براثن الاحتلال الأوروبي وأوائل المتحررين منه، دون أن تهنأ أو تتمكن من التحرر الحقيقي والكامل، فسرعان ما تم افتراسها من قبل اللجنة العسكرية وبعثها الطائفي فمارسوا كل ما يمارسه المحتل، بل أسوأ وأشنع، وما هي إلا سنوات سبع بما فيها من تصفيات وانقلابات بينية حتى آل أمر هذه اللجنة بشكل كلي إلى كبير مجرميها، لتصبح سورية بيد الحاكم المجرم الفرد المتألّه، ولتتحول في عهده إلى القيام بأهم الأدوار الوظيفية في خدمة النظام الدولي، كما شكلت من خلاله القاطرة الرابطة بين الصهاينة وملالي طهران، والمكملة لأدوارهما في إخضاع المنطقة وإذلالها وتشويه ثقافتها وتاريخها، مع ادعاء الصمود والتصدي واستحضار كل الشعارات العروبية والوحدوية الزائفة .

وبعد كل الكوارث و انكشاف المستور والتوحش الفظيع، هناك من يتمسك بامتداح تلك المرحلة بعبارات غير مسؤولة لا يرددها إلا الانتهازيون، ولا يقتنع بها إلا أغرار السياسة، كوصفها بمرحلة الاستقرار وإنهاء الانقلابات العسكرية وتحقيق الأمن.
وعلينا أن نعترف بكل جرأة أن مقارعة المحتل الفرنسي الخارجي، ثم معارضة العصابة - المحتل الداخلي - مع ما تستحقه - المقارعة والمعارضة  - من تقدير  لم تصل إلى الحد الأدنى من التحصين السياسي في الفهم أو الرؤية ومن ثم الممارسة، فدفع الشعب السوري بسبب ذلك فواتير باهظة كان في غنى عنها .

ثم جاءت الثورة السورية العظيمة من خارج كل الأطر الحزبية لتنهي حقبتي الاحتلال، وتأتي على كل ما بنوه، ولما ظهر في أواخر 2012 أنها أنجزت أمرا لم يكن في حسبان أحد، حيث كسرت العصابة الحاكمة بكل طغيانها العسكري والمخابراتي وثقلها الوظيفي المسند إليها، أقبلت جحافل المحتلين الجدد مغلفة بعناوين مختلفة، بعضها بعداوة ظاهرة، وأخرى بصداقة زائفة خادعة، فأطبقت على كل الجغرافيا وأمسكت بكل الملفات تباعا، فتبخرت مرحلة الانتقال السياسي، ودخلت سورية بطور لا يشبه عهدا سابقا، إذ تكاثرت جيوش وقوى هائلة على أرضها، مدعومة سياسيا واقتصاديا من مثيلاتها علانية وسرا .

ولقد امتلكت الثورة وعيا عاليا في إفشال كل المخططات التي تريد التهام إرادتها في التغيير، ولكنها لم تمتلك وعيا سياسيا كافيا لتوجيه الدفة على الأرض ضد المحتلين، وانساقت وراء خطوات سياسية سامة كجنيف 2 والتفاوض السائل والسلال الأربع والمنصات وأستانة واللجنة الدستورية .

ولم تمتلك المعارضة التقليدية كلا المستويين إذ فوتت تحقيق مرحلة الانتقال السياسي، فتعاملت مع شعار الحل السياسي بكل جدية - دون خيارات موازية - الذي يعني من جملة ما يعنيه أنه ممنوع على الثورة السورية وحدها تحقيق الانتصار على العصابة الحاكمة، والمسموح لها به، ولو حصل هذا الانتصار الذي تم تفويته لقصور الرؤية السياسية لساعد في تشكيل رأس حربة شعبية حرة لم تعرفها المنطقة بهذا المستوى والاتساع منذ فترة طويلة، وهي بدورها كانت ستلهم الجميع وتحرض على تفكيك كل المنظومة الوظيفية المستبدة؛ ولا تصلح المعارضة لقيادة مرحلة التحرير، وكيف يكون ذلك ؟! وهي غير قادرة بحكم علاقاتها وغير جريئة على مجرد التوصيف الصحيح الذي تعيشه سورية! 

وفي الذكرى الخامسة والسبعين لجلاء المحتل الفرنسي يظهر خطاب المعارضة المتأرجح غير المتماسك، والمفكك غير المترابط، فيستعيد الذكرى وكأن سورية تعيش حالة سيادية كاملة ووضعاً سياسياً صحيحاً وقوياً، فيتغافل عن جيوش المحتلين التي ترتع في سورية طولا وعرضا، والتي تتناقض جميعها مع ما أرادت الثورة السورية تحقيقه. والسخرية على أشدها ولا غرابة في ذلك حين تنظم قاعدة المحتل في حميميم احتفالا بذكرى رحيل المحتل الفرنسي، وتستدعي وزير دفاع العصابة وبعض ضباطه مع زوجاتهم لحضور هذا الاحتفال، وتوزع عليهم الهدايا!

وإننا في ذكرى تضحيات الشعب السوري وجهوده في طرد المحتل الفرنسي عن تراب وطننا نستحضر الثورة السورية ضد سليلة المحتلين، وما اتسمت به من إصرار على التحرر يفوق التصور والخيال، دون أن ننسى أو نركن إلى مكتسبات - على عظمتها - فنروج للوهم، ونقفز على الواقع، فنلبس على أنفسنا وعلى الآخرين بعلم أو بجهل .

إن الإرادة التي أبرزتها الثورة كانت عالية ورفيعة، وتليق بشعبنا وبتاريخنا، ولكنها عوقبت بأبشع العقوبات حيث أحضرت لمواجهتها كل الميليشيات الطائفية المقيتة، والراديكالية الجاهلة الجبانة، وفرقاطات بعض دول مجلس الأمن، واستعمل الكيماوي، وسخرت خزائن المال الضخمة، ومراكز الأبحاث الكبيرة، وجهود المسار الثاني، وفيتو مجلس الأمن، وفوق كل ذلك جيوش المحتلين مدعومة بجهود موازية تلاحق السوريين في الخارج وتضيق عليهم وتعتقل بعضهم .

ماذا تفعل صوتيات السيدة حسنا الحريري لتضغط على جهاز مخابرات فيأمرها بالرحيل؟! وكذلك تفعل دولة أوروبية ببعض السوريين وتضيق ذرعاً بهم! ومثلهما أجهزة أخرى لبلدان عدة تلاحق السوريين وترهبهم، لا يفعلون ذلك على سبيل المؤامرة التي تنسج خيوطها وتدبر أمورها بليل، بل يقومون به علانية دون خجل أو حياء، والقائم هو داخل أطر التدافع المنتمي إلى رؤيتين مختلفتين.

لذا فإن كل ما نراه لا يقلل الأمل ولا يفوته، فلولا أن ما عند السوريين يخوفهم ويقض مضاجعهم ما فعلوا معنا ذلك، ولا احتلوا أرضنا واعتقلوا ثوارنا كما اعتقلتهم العصابة الحاكمة.

فما العمل؟ 
- إن العصابة المجرمة باعتبارها أداة المحتلين في دمشق وتوابعها، مع سائر الأدوات الأخرى في بقية المدن السورية جاهزون لأي صيغة سياسية تشاركية يفرضها المحتلون المشغلون لهم، وعلى السوريين كل السوريين أن يقارعوا المحتلين، وأن ينطلق ذلك رسمياً شعبياً دون تأخير، امتداداً واستكمالا لثورة الحرية التي أسقطت العصابة الحاكمة، فاحتلت أرضها، ومنعت من العبور إلى العهد الجديد .

- إن الكلام عن الانتقال السياسي أصبح من الماضي، وأي حديث عنه الآن لا يستند إلى بنية سياسية صلبة، لأن الجيوش المحتلة لأرض سورية مع الحكومات المتنفذة بأموالها لم تأت لتضحي وتنفق وتبذل جهودها لتحقيق حرية وكرامة السوريين، إذ كان ذلك بمتناول اليد بمعزل عنهم، و2254 الصيغة الأممية الأخيرة لا تعدو كونها خلطة سياسية تجمع بين بقايا المجرمين والانتهازيين ومعارضة مدجنة وموظفين حكوميين يطلق عليهم رجال دولة، وأشكال منظمات مجتمع مدني يحفظون بعض المقطوعات السياسية المشروخة، ومع أن الوقائع أثبتت أن هذه الخلطة ليست سهلة على الإقليمي والدولي، إلا أن الانتباه الشديد والمضاعف مطلوب لأن من نتائج هكذا صيغة أن تزيد الآلام والمعاناة وتعمقها، لا أن تحلها وتفككها كما يظن البسطاء فضلا عن الأجراء. 

- على الثورة أن تثق بنفسها بالمعنى السياسي، وأن تجترح مسارات من داخلها، والفرص القادمة أكبر من الضائعة الفائتة وأهم، وأن تمايز نفسها عن المعارضة التقليدية بكل أطيافها وتوجهاتها، وعن الخارجين من بنية المنظومة الحاكمة، لا لتقصيهم أو تتعالى عليهم أو تقلل من أهمية أدوارهم،  بل لتعطيهم مكانتهم سوى التفرد بالقيادة، لأن تكوينهم وتجربتهم وعلاقاتهم لن تفضي إلى أفضل مما كان منهم طيلة عشر سنوات، وعليهم أن يقروا بذلك وأن يتراجعوا حقيقة لا تكتيكاً كما يفعل بعضهم، لأن ذلك من مصلحة الشعب السوري عموماً ومصلحتهم خصوصاً .

- على الثورة أن تقدر مستوى عدوها الداخلي وأدواته، إذ إن شكل الاحتلال الذي تتعرض له سورية الثورة غاية في التعقيد والتركيب، لكنه مأزوم بشكل كبير وخياراته محدودة مقارنة بخياراتنا، وعلى الثورة أن تعتني بثوارها بالخارج فهم البنية السياسية الحقيقية، وكل ما يقع لهم ويحصل هو لأنهم كذلك .
commentالتعليقات

إقرأ أيضاً

if($('.nav-wrapper').width()<900){ google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "8024336238"; google_ad_width = 300; google_ad_height = 250; } else { google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "1705860969"; google_ad_width = 728; google_ad_height = 90; }
انفجار في ناقلة نفط قبالة ميناء بانياس بطرطوس.حريق ينشب بالمنطقة الصناعية في حسياء بريف حمص.حريق في مصفاة حمص لتكرير النفط.الأردن يستثني بضائع سورية من حظر الاستيراد.قتلى بقصف لطيران مسيّر يستهدف مقر الميليشيات الإيرانية في بلدة مسكنة شرق حلب .السعودية تعلن إقامة حج هذا العام وفق ضوابط صحية.البحرية الأمريكية تعترض شحنة أسلحة ضخمة متجهة إلى اليمن.سقوط حطام الصاروخ الصيني الخارج عن سيطرتها في المحيط الهادي.البابا فرانسيس يدعو إلى إنهاء الصدامات في القدس.القامشلي 99.6 - الحسكة 99.6 - تركيا / الريحانية - أنطاكيا 95.8.https://www.facebook.com/Orient.Tv.Net/.https://twitter.com/orientnews?lang=en