من إيران إلى روسيا و"كردستان": تعدد الانتماءات وغياب الانتماء الوطني!

تاريخ النشر: 2021-03-24 06:18
أودّ الإشارة بداية إلى أن الانتماء الوطني، بوصفه مفهوماً فلسفياً وسياسياً، لا يمكن إدراكه إلا في ضوء مرحلة تاريخية بعينها، وفي إطار اجتماعي بذاته، لأنه نتاج للعديد من المعطيات والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية في المجتمع، كما أنه مفهوم نفسي ذو بعد اجتماعي، وبافتقاده يشعر المرء بالعزلة والغربة، ويعتريه القلق والضيق، وتنتابه المشكلات النفسية والاجتماعية، التي لها تأثيرها على وحدة المجتمع وتماسكه.

ومن الجدير بالذكر أيضاً أن الانتماء قد يأخذ صوراً مختلفة، ففي الدين مثلا، يأخذ الانتماء إلى المذهب والطائفة الشكل الأبرز، كذلك في المسارب الأخرى تتحدد الانتماءات وتصنف الاتجاهات وتأخذ شكلها الموضوعي. ففي الأدب نقول: هذا ينتمي إلى المذهب الفلاني وذاك إلى آخر، وهذا الشاعر ينتمي إلى مدرسة الشعر التقليدي الكلاسيكي وذاك إلى الحديث، وفي الحديث والقديم مدارس منها الاجتماعي والديني والقومي. وفي السياسة يأخذ الانتماء إلى التنظيمات السياسية بتجلياتها المختلفة، إذ تُعدّ الأحزاب الشكل الأوضح، وفي حالة أرقى إلى القيادات الأوسع، منها القومي ومنها الديني ومنها الرأسمالي والاشتراكي. ولعل أنقى حالات الانتماء وأرقاها هو الانتماء الوطني الذي يتجاوز بمضمونه كل الحالات الأخرى، والتواصل بين أفراد المجتمع على هذا الأساس له جذوره وقوته أكثر بكثير من الحالات الأخرى، لأن الانتماء الوطني هو شعور بالترابط والتكامل والاستقرار.  

وعلى الرغم من اختلاف الآراء حول الانتماء ما بين كونه اتجاهاً أو شعوراً وإحساساً أو كونه حاجة أساسية نفسية، أو كونه دافعاً وميلاً، إلا أنها جميعاً تؤكد استحالة حياة الفرد دون انتماء، ذلك الانتماء الذي يبدأ صغيراً بهدف إشباع حاجة الإنسان الضرورية منذ ميلاده، وينمو هذا الانتماء بنمو الفرد ونضجه، إلى أن يصبح انتماء للوطن الكبير. ومن هنا يأتي سؤال الانتماء في المجتمع السوري بعد أن كشفت الثورة تعدد انتماءات السوريين وغياب واضح لانتمائهم الوطني، وبدأنا نسأل: كيف تنتمي شريحة من الشعب السوري إلى ايران أكثر من انتمائها للوطن السوري؟ وكيف تنتمي شريحة أخرى إلى روسيا أكثر من انتمائها للوطن السوري؟ وكيف تنتمي شريحة ثالثة إلى كردستان أكثر من انتمائها للوطن الأم سورية. ولماذا أصبح بعض اللاجئين السوريين أكثر انتماء إلى المجتمعات التي استقبلتهم أكثر من انتمائهم للوطن السوري؟

لا شك أن هناك أسباباً متعددة يأتي الاستبداد في مقدمتها، وبخاصة إذا كان هذا الاستبداد يعمل على خلفية طائفية كما هو الحال في المجتمع السوري، بعد أن تبين للسوريين أن السلطة الحاكمة تنتمي هي ومن يلتف حولها من أفراد الطائفة إلى إيران أكثر من انتمائها للوطن السوري، فكان من السهل عليها أن تستقدم ميليشيات طائفية تشبهها في العقيدة لممارسة القتل والتدمير بدل أن تفتح حوارا مع أبناء الوطن. من هنا يمكن القول: إن أخطر الانتماءات هو الانتماء للطائفة، وبخاصة عندما يكون هذا الانتماء على حساب الانتماء الوطني، وما ينطبق على إيران ينطبق على روسيا، وإن كان الدافع للانتماء إلى روسيا يختلف عن الدافع للانتماء إلى ايران.

وإذا كان الاستبداد سبباً مهماً في غياب الانتماء الوطني، فلا شك هناك الكثير من الوسائل التي يمكن من خلالها مواجهة الاستبداد، وما يكرسه من انتماءات ضيقة، لعل أهمها العمل التربوي والتعليمي، لأن هذا العمل عندما تتهيأ له البيئة المناسبة يستطيع نقل الأجيال من انتماءاتها الضيقة (الدينية والحزبية والطائفية) إلى الانتماء الوطني، وقادر على غرس قيم المحبة والإخلاص للوطن في إطار الانتماء للأرض والناس والقيم، وليس في إطار منظومة الاستبداد. أليست التربية الوطنية الحقيقية تنمي حس الاهتمام بشؤون الوطن، وتربي نزعة التفاني في خدمته والدفاع عنه، وليس خدمة السُلطة الحاكمة التي استولت على السلطة بطرق أقل ما يُقال فيها أنها غير أخلاقية؟ أليست التربية الوطنية وسيلة لتجذير وتأصيل مفهوم المواطنة الذي يتجاوز التبعية للحاكم، إلى حدود الاندماج العضوي في هموم الوطن وكفاح مواطنيه؟

هذه الأسئلة وغيرها مما بدأ يُطرح الآن في المجتمع السوري، لا أعتقد أن المناهج التي تُنتجها السُلطة الحاكمة قادرة عن الإجابة عليها، وتحقيق الأهداف المرتبطة بها. تلك المناهج التي علمتنا عبر رسائلها الصامتة والمعلنة ثقافة الصمت والذل والاستكانة والانتماء للطائفة أكثر من الانتماء للوطن، وأن المقدس هو ما تقوله السلطة الطائفية الي يجب أن نخضع لها ونسبح بحمدها. 

لهذا كله، فإن مشروعاً جديداً للتربية على الانتماء من المؤكد أن له مسوغاته ومبرراته، بعد أن غيرت الثورة السورية الكثير من مفاهيمنا الخاطئة عن الوطنية والمواطنة، ولكن يجب ألا ينطلق مشروع كهذا من الصياغات المنهجية الحالية، وإنما من صياغات منهجية جديدة تُكرس قيم حب الوطن والإخلاص له، والتفاني في خدمته، وتكوين إطار وجداني بشروط المواطنة التي يكتسب من خلالها المواطن حقوقه ويؤدي واجباته، وبمنهجية وطنية تغرس في وعي الإنسان السوري أن الانتماء للوطن مقدم على الانتماءات كافة مهما كان مصدرها.
commentالتعليقات

إقرأ أيضاً

if($('.nav-wrapper').width()<900){ google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "8024336238"; google_ad_width = 300; google_ad_height = 250; } else { google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "1705860969"; google_ad_width = 728; google_ad_height = 90; }
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعلن إغلاقا جزئيا في البلاد بعد ازدياد إصابات ووفيات كورونا.أردوغان: سيعود التعليم عن بعد لجميع الصفوف باستثناء الثامن والثاني عشر.أردوغان: ستغلق الصالات الرياضية وصالات الأفراح حتى نهاية عطلة عيد الفطر .أردوغان: الحظر في أيام الدوام سيبدأ من السابعة مساء حتى الخامسة صباحا.ميليشيا أسد تعتقل 22 شاباً بريف دمشق بعد انتشار كتابات ضد بشار على الجدران.فرنسا وألمانيا تجددان الدعوة لتحرك دولي لمحاسبة نظام أسد على جرائمه الكيماوية.الحكومة السورية المؤقتة تعتمد كتاباً لتدريس تاريخ الثورة السورية في الشمال المحرر.نظام أسد يقيل حاكم مصرف سوريا المركزي "حازم قرفول" من منصبه.أمين حلف شمال الأطلسي "الناتو": نعزز وجودنا في حدودنا الشرقية لدعم أمن أوكرانيا ولمواجهة أفعال روسيا العدائية.الخارجية الروسية: تسليح أوكرانيا يتصاعد وواشنطن والناتو يريدان تحويلها إلى برميل من البارود.القامشلي 99.6 - الحسكة 99.6 - تركيا / الريحانية - أنطاكيا 95.8.https://www.facebook.com/Orient.Tv.Net/.https://twitter.com/orientnews?lang=en