بمساعدة كورونا و"غينيس" للأرقام القياسية: عودة سوبرمان الأسد

مقال اليوم || مصطفى المصطفى 2021-03-19 04:04:00

حين أعلنت الجهات الرسمية لدى النظام إصابة بشار الأسد وزوجته بفيروس كورونا، وأن الاثنين سيتابعان عملهما خلال قضائهما فترة الحجر الصحي المنزلي التي ستستمر إلى أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، تلقى أغلب السوريين الخبر بمزيد من التهكم والسخرية، وحاول البعض العثور على الغرض من وراء هذا الادعاء. وذهبت معظم التوقعات والتفسيرات باتجاهين اثنين؛ أولهما أنه محاولة لاستعطاف جمهوره المحبط، وثانيهما أنه محاولة للتهرب من بعض الاستحقاقات الملحة.

مع نظام اتخذ من الكذب حرفة، لا شيء مستبعد، ورغم موجة التهكم والاستهجان التي أطلقها الشارع الثوري عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن نظام الاستبداد لديه إيمان مطلق بغباء السواد الأعظم من حاضنته، كما أن رأس النظام – على ما يبدو – لديه هوس باستغباء الناس، وأغلب الظن أنه يشعر بالمتعة والألمعية عندما يمارس تلك الألاعيب السخيفة. لذلك، هو لن يتوقف عنها، ولن يفقد الأمل بنجاعتها على مستوى جمهوره كحد أدنى.

يمكن الجزم أن القصة جزء من مسرحية قد اكتمل نصها وبدأت فصولها بالعرض، فبالتزامن مع إعلان إصابة رأس النظام وزوجته بفيروس كورونا، كشفت وسائل إعلام النظام عن انطلاق ما وُصف بالفعالية الوطنية لإنجاز ما أسموه: "أطول رسالة حب في العالم"، وهي عبارة عن لفافة قماش يصل طولها إلى ألفي متر، وستحملها سيارة وتحيط بها أربع عشرة فتاة، ستنطلق من مقر قصر الرئيس في جبل قاسيون لتجوب جميع المحافظات السورية ثم تعود مرة أخرى إلى دمشق مع توقعات بجمع ما يقارب 2.5 مليون توقيع، وسيُطلب بعدها تسجيل هذه الرسالة في موسوعة جينيس للأرقام القياسية

بعد أن تنهي اللفافة رحلتها تكون فترة النقاهة التي أمضاها رأس النظام بالضحك والسخرية من مؤيديه قد انتهت، فيخرج البطل الذي هزم كورونا على جمهوره خروجا أشبه بصعود أبطال الملاكمة إلى الحلبة، حيث الاستعراض والإثارة؛ مقدما مادة دسمة يقتات عليها إعلامه. ولا بأس إن صاحب ذلك أو تبعه تحسن بسعر الليرة السورية، وبعض الفتات هنا وهناك، فترك الليرة السورية تنهار بهذا الشكل وما يصاحب ذلك من ترد في الأوضاع المعيشية أمر متعمد، وهو أحد فقرات المسرحية بحيث تبدو الأمور وكأنها شبه انهيار في الدولة ومؤسساتها بغياب القائد المنقذ، غياب سوبرمان: الرجل الخارق الذي لا يمكن الاستغناء عنه.

إذن، فغياب سوبرمان المفتعل، ستعقبه عودة سوبرمان، مع بعض التغيرات منها: تحسن سعر الصرف بشكل واضح، وتأمين بعض المواد الأساسية المفقودة. هذا على مستوى حاضنته، وعلى المستوى الإقليمي يبدو أن روسيا المتمسكة بالأسد بقدر تمسكه بنفسه، والتي تجيد الكذب أكثر منه؛ قد تكفلت بمهمة خلق البيئة المناسبة لإعادة تعويمه، وها هو وزير خارجيتها سيرجي لافروف يقوم بجولة في المحيط، ويتواصل هنا وهناك متذرعا بالأوضاع الإنسانية ليحصل على بعض المواقف والتصريحات التي حاولت وسائل إعلام النظام تفسيرها على أنها انصياع لإرادة النظام في محاولة لإعادة الروح لجمهور أنهكه الفقر والحرمان من أدنى متطلبات الحياة الآدمية. 

هذه بعض فصول المسرحية فيما يخص جمهوره وما يخص البيئة الإقليمية، ولكن ماذا عن البقية، ماذا عن المتمردين الذين خانته السبل لتركيعهم، وجعلهم كالباقين يصفقون لمن قتلهم وجوعهم ودمر وطنهم؟ أولئك الذين يصفونه بصفاته الحقيقية بعد تحررهم من العبودية والخوف، أولئك الذين يؤرق السفاح وجودهم. أولئك الذين لطالما قال النظام لجمهوره الخائف: انظروا إلى من يتمرد على سلطتي وجبروتي كيف تكون حالته.

في الآونة الأخيرة، وبعد أن ارتبط الجانب الروسي بكثير من التفاهمات، وبعد تعرضه لكثير من الضغوط؛ يبدو أن خطوط التماس قد ثُبّتت إلى حد ما، وبدأت المناطق الخارجة عن سلطة النظام تشهد نوعا من الاستقرار النسبي، وأصبح واضحا للعيان أن الأوضاع المعيشية لسكان المناطق الخارجة عن سلطة النظام أفضل نسبيا من أوضاع سكان المناطق الخاضعة لسيطرته. وحتى الحالة الأمنية في تلك المناطق تعتبر مستقرة إلى حد ما إذا ما قيست بزمن القصف والحملات العسكرية التنكيلية.

تحطيم الآخر ليصبح أدنى مرتبة منك هو البديل الوحيد المتاح أمام النظام السوري في ظل عجزه عن النهوض بمستوى أدائه، والتحضيرات بهذا الشأن هي الأخرى بدأت تتوضح ملامحها، فروسيا كررت تصريحاتها بأن جبهة النصرة تحضر لاستفزاز كيميائي جديد في إدلب وريفها، وتم توجيه تهديدات للقوى الكردية لوقف تصدير النفط إلى المناطق المحررة، وقصفت المنطقة التي يكرر فيها النفط حول مدينة الباب أكثر من مرة، وأعلن النظام عن فتح ممرات آمنة إلى مناطقه في محاولة لتضليل الرأي العام، والآن يحكى عن تحضير لمؤتمر في لبنان لعودة اللاجئين والمهجرين السوريين بهدف إقامة الحجة وتقديم المبررات لما هو آت.

ما هو آت لا يمكن التنبؤ بتفاصيله، لكنه سيكون نتاجا ومحصلة لتفكير وتخطيط خبيث وحاقد، ومع اقتراب موعد التمديد لقرار مجلس الأمن الذي يتيح للمنظمات الدولية إدخال المساعدات الإنسانية عبر الحدود دون موافقة النظام، يعود للذاكرة تصريح بشار الجعفري الذي قال أثناء معركة إدلب الأخيرة بأن النظام ينوي إصلاح مطار حلب بعد فتح الطريق الدولي بحيث لا تعود هناك حاجة لإدخال المساعدات عبر الحدود. وقتها، نجحت روسيا بتقييد عمل المنظمات الدولية وحصر إمكاناتها بالدخول من خلال ممر واحد هو معبر "باب الهوى"، وقد أثار اختيار الروس لهذا المعبر بالتحديد الكثير من التساؤلات وقتها، وذهبت أغلب التوقعات إلى أنه المعبر الذي يمكن إغلاقه في أي لحظة بسهولة أكثر.

إذن، مع اقتراب موعد التمديد لقرار إدخال المساعدات عبر الحدود، وضمن سياق أسلوب تحطيم الآخر المرافق للحملة الانتخابية، فقرار التمديد في خطر، ولكن لا أحد يستطيع الجزم إن كانت روسيا ستنجح في إيقافه، أم أنها ستنجح في المساومة عليه. أي، الموافقة على التمديد مقابل تخفيف الضغوط عن النظام، ولكن المؤكد أن قرار التمديد لن يمر مرور الكرام.

يعلم السوريون أن كورونا لا يصيب الشياطين، لذلك لم يصدق أحدهم أن رأس النظام مصاب بكورونا، لكنهم يجب أن يعلموا أيضا أن عودة سوبرمان المنتظرة، لا بد أن يتبعها ما هو أشد خبثا وقذارة وأذية من فيروس كورونا ذاته.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات