كيف درست في بلاد الخوف والأغنيات المقيتة!

تاريخ النشر: 2021-02-18 06:04
لم أشعر يوماً أنني طفل في بلدي؛ فما إن وطأت قدمي أرض المدرسة الابتدائية حتى كبرت مباشرة وأصبحت عجوزاً بسبب الرعب والشحوب الذي طغى على المكان.. هناك شاهدت، لأول مرة في حياتي، كيف يُضرب التلاميذ بالكفوف والعصي الخشبية على أيديهم ووجوههم ورؤوسهم وكل بقعة من أجسادهم الغضة، وسمعت التهديد والوعيد بالحبس في "جب الفار" أو (غرفة الفئران)، الذي كنت أتصوره مخيفاً كمغارة علي بابا والأربعين حرامي.

 هناك شاهدت كيف يحشر أكثر من خمسين تلميذاً في صف صغير يحتوي على لوح ممتلئ بالحفر والثقوب، بحيث لا تستطيع قراءة ما يكتبه المدرسون بوضوح؛ ونوافذ علوية مغلقة بالقضبان والشباك المعدنية؛ وجدران مدهونة من الأسفل بألوان فضية غامقة، ومن الأعلى بالأبيض الذي أصبح رمادياً من كثرة الأنفاس المختلطة بكربون أدخنة المدفأة، والتي دائماً ما يسيل المازوت من قاعها ليغطي أرضية الصف ويأتي المستخدمون ليفرشوا النشارة الخشبية فوقه، لتزداد رائحة الصف تعبيرية.

 جدران عارية لا تزينها لوحات فنية لأبطال قصص الأطفال العالمية، ولا صور أبطال أفلام الكرتون المشهورة؛ ولا حتى سندباد أو علاء الدين أو شخصيات مسلسل "افتح يا سمسم" بنسخته العربية.. لم يكن هناك سوى أعلام "حزب البعث"، وصور مختلفة لرجل عابس الوجه ذي رأس غريب وجبهة بارزة يراقب كل شاردة و واردة في الصف، قالوا إنه "رئيس الجمهورية"! 

لقد كانت غرف هذه المدرسة أشبه بزنزانات سجن وليس بصفوف تعليمية، كما هو الحال في كل مدارس سوريا! 

حتى إن شكل ولباس المعلمين والمعلمات كان أقرب للبائعين المتجولين أو العمال منه إلى المدرسين.. كذلك لم يكن لديهم سوى الطرق والأساليب الإرهابية لترويض الأطفال وزرع الخوف في صدورهم.. إنشاء وتلقين وحفظ عن ظهر قلب..

ومع نهاية الصف الخامس أو السادس كان يجب علينا الذهاب إلى معسكر "طلائع البعث" في منطقة كفر جنة الجبلية الجميلة، وارتداء الكنزة الصفراء والشورت الأزرق القصير. كنا نبدأ اليوم وننهيه بأغنية مقيتة:
 "للبعث يا طلائع، للنصر يا طلائع، أقدامنا حقول، طريقنا مصانع، وتلمع الرايات في مواكب الطلائع، يا راية الحرية يا شعلة القضية.."

 لكن أهم شيء علق بالذاكرة كالقرحة كانت الصيحات الطلائعية المجنونة: 
"جينا جينا بأمانينا نبدع فجراً بأغانينا نحلم بالأيام الأحلى والمستقبل في أيدينا"؛ "أهلاً بيكم أهلاً بيكم طلائعنا بتحييكم"؛ "ثورة آذار يا رفاق ثورة الحزب العملاق يا طلائع بعثية غنوا أحلى غنية".

كنت أنتظر بفارغ الصبر "صيحة الختام"، التي كانت تشعرني بقرب سعادة ومتعة انتهاء القرف اليومي: "ما أحلانا ما أحلانا، دنيانا بعث دنيانا، جئنا نبني لعروبتنا مجداً أقوى مما كان"..

هناك تصورنا مع بنادق "الكلاشينكوف"، وأقمنا معرضاً فنياً أمام خيمنا غلبت عليه الأشكال المجبولة من التراب والعشب اليابس وأغصان الأشحار والحصى لطائرات ودبابات ومدافع تدمر نظائرها لدى العدو، لكنني لم أعرف أي عدو إلا في ثمانينيات القرن الماضي، وفي عام 2011!

ثم العقوبة التي تعرضنا لها في اليوم الأخير من المعسكر عندما غنى أحد التلاميذ بصوته الجميل بعض الأغاني الطربية الشائعة حينها؛ ولم تعجب أغانيه تلك المراقبين الليليين الذين رأوا فيها ما يثبط همة الأمة ويؤثر على مستقبلها الواعد؛ فأخرجونا جميعاً من الخيمة وساقونا كالقطيع المفزوع إلى الساحة الرئيسية. وهناك لم يرحموا طفولتنا وانهالوا علينا بالشتائم والضرب المبرح بفروع الأشجار وما عرف بـ "الكرباج الرباعي" (الكبل المعدني)؛ وأمرونا بالزحف على ركبنا وأكواعنا فوق الإسفلت الخشن، حتى سال الدم منها! 

حتى الرحلة التي قامت بها مدرستنا إلى غابات الفرلق وأبو قبيس كانت مملة وقطيعية، حيث وضعونا في منطقة صغيرة قرب جدول ماء، بينما انهمك الأساتذة والمشرفون بشواء اللحم والأكل ومغازلة المدرسات طوال الوقت.. كذلك كانت الرحلة الثانية إلى البحر غريبة، بحيث لم أر منه سوى لونه الأزرق الداكن، ولم أسمع سوى هديره من بعيد! 

رغم مرور سنين طويلة، إلا أنني لا أتذكر الآن أي شيء جميل عن تلك الأيام المدرسية العجاف، سوى الأستاذ عبد القادر عاشور وقصيدته التي كتبها بخط يده وانتزعها فيما بعد من مجلة الحائط ليهديني إياها؛ حيث احتفظت بها كشيء نفيس بين أوراقي حتى مغادرتي الوطن نهائياً. كذلك فترات اللعب مع فريق المدرسة الكروي، وزجاجات الكازوز التي اشتراها لنا أستاذ الرياضة بعد فوزنا ببطولة مدارس المنطقة!

لم يختلف الأمر كثيراً بعدما انتقلت من المدرسة الابتدائية إلى الإعدادية، ثم إلى الثانوية، فقد رافقني الشعور بالخوف منذ اللحظات الأولى. 

تغيّر اللباس فقط من "الصدرية البيج" إلى "بزة الخاكي"، وأصبح عدد الطلاب أقل بحدود الأربعين طالباً في الصف الواحد.. بقي نفس شكل ولباس المعلمين والمعلمات، ونفس الصفوف القذرة والجدران الفضية الشاحبة، والنوافذ ذات القضبان والشباك المعدنية؛ إلا هنا كانت أعلام وصور الرئيس أكثر بكثير.. كذلك استمر مسلسل الإهانة والضرب بالكفوف والعصي الخشبية والكرابيج، لكن بشكل أقسى وشدة ملحوظة! 

بدأت دروس التربية العسكرية، والتدريب على المشي المنضم في باحة المدرسة، والجري ببنادق الكلاشينكوف الخشبية، والمطالبة بحلاقة الذقن وتقصير شعر الرأس وتلميع البسطار؛ وكأنهم يحضرونك لخدمتهم يوماً في جيشهم الانكشاري!

تبدأ يومك المدرسي بتحية العلم، حيث تقف بانضباط تام في البرد القارس أو تحت المطر أو في الجو الحار، ومن ثم عليك أن تردد شعارات "حزب البعث" أكثر من مرة: "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة"؛ "أهدافنا: وحدة حرية اشتركية". في النهاية عليك أن ترفع وتيرة صوتك إلى أعلى نوطة فيها: "إلى الأبد، إلى الأبد يا حافظ الأسد"؛ أو "بالروح بالدم نفديك يا حافظ"؛ أو أي شيء آخر من شعارات الدعاية الجوفاء للتعبير عن الولاء التام للأسد..

تكثر المشاركات في المسيرات الطويلة والمتعبة للتجمع في ساحة سعد الله الجابري أو عند الملعب البلدي؛ حيث لا تمر مناسبة إلا ونخرج فيها: أثناء تجديد البيعة للقائد (الخالد)، أو في ذكرى "ثورة 8 آذار"، أو "الحركة التصحيحية" (انقلاب حافظ الأسد)، أو ضد معاهدة "كامب ديفيد"، أو ضد صدام حسين أو ياسر عرفات... كان علينا حمل صور "قائد مسيرة التصحيح" والصراخ عالياً بالشعارات الرنانة التي كرست أبديته: "قائدنا إلى الأبد… الأمين حافظ الأسد“؛ "تسلم للشعب يا حافظ، أمل الملايين يا حافظ، علّيت الراية يا حافظ"..

في هذه المرحلة يبدؤون بتنسيب الطلاب إلى ما يعرف بـ "اتحاد شبيبة الثورة"، وتجنيد المخبرين وتكليفهم بمراقبة كل شيء، والتنصت على الزملاء والمدرسين. فالنظام الأسدي الحاكم بشكل غير شرعي في سوريا، يرتاب ويشكك بالجميع؛ لذلك تجده يجند المخبرين منذ الصغر ويزرعهم في كل مكان تحسباً لأي طارئ! 
أذكر أن أحدهم قد رأى رواية لعبد الرحمن منيف بين كتبي؛ وراح يستفسر عنها، وعن كاتبها، ومن أين جئت بها... وبقي ردحاً طويلاً وهو يراقب ما أحمله من كتب غير كتبي المدرسية! 

عندما تتأخر قليلاً عن المدرسة، لا فرق إن كان هذا أثناء الدوام الصباحي أو ما بعد الظهر، لا يسمحون لك بالدخول إلا بعد صعود الطلاب إلى صفوفهم، ليكون مدرب الفتوة أو الموجه أو وكيل المدير بانتظارك مع المتأخرين الآخرين، ويطلق حفلته السادية الساخرة، التي تبدأ بـ "الجردمة"؛ وهي قص خصلة من شعرك بطريقة مشوهة لا تزول آثارها إلا إذا حلقت شعرك على الصفر؛ ولا تنتهي بالانبطاح والزحف والرقصة الروسية..

وهنا أيضاً، لا أحمل أي ذكريات جميلة عن تلك السنوات القاسية، سوى مكتبة المدرسة الغنية بالروايات، وحصص تدريب الفريق الكروي والمباريات التي كنا نخوضها ضمن دوري المدارس في ملعب "معهد الأخوة" عند دوار الكرة الأرضية الحلبي، وإفساح أستاذ الرياضة المجال لنا للعب كرة الطاولة أثناء الفرص أو بعض الدروس المملة...

تقيس بعض الدول المتقدمة طريقها نحو المستقبل والحضارة بأفضلية مدارسها وتنوعها وجماليتها، بينما يقيس النظام في سوريا تقدمه نحو الحضيض بتحويل مدارسه إلى أماكن شبيهة بالسجون تضم كائنات مقموعة خائفة منبوذة، لا ينتظهرها سوى الانتساب إلى عالم بسطاري خاكي بائس يخيم على الوطن منذ نصف قرن تقريباً... لكن، رغم كل ما فعله هذا النظام الديكتاتوري بالمدارس، لم يستطع إخماد نيران الطفولية الثورية العفوية القابعة في الرماد كطائر الفينييق؛ لتنطلق جذوتها من أصابع تلاميذ وطلاب درعا التي خطت على جدران المدارس وغيرها الشعارات المناهضة لهذا النظام مبشرة بإسقاط رأسه الأسدي الجديد القديم؛ لتشعل ثورة كانت الأجمل والأنقى والأروع؛ إلا أن هذا لم يعجب ويرضي بعضهم الآخر، ليتدخلوا ويغيروا توجهها ويقلبوا نهرها، ليتداخل صفاء سطحه مع شوائب قاعه لبعض الحين، على أمل رجوعه إلى ألقه الأولي الصافي..

commentالتعليقات

إقرأ أيضاً

if($('.nav-wrapper').width()<900){ google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "8024336238"; google_ad_width = 300; google_ad_height = 250; } else { google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "1705860969"; google_ad_width = 728; google_ad_height = 90; }
17 قتيلاً من الميليشيات الإيرانية بقصف أمريكي شرق سوريا.مقتل ثلاثة مدنيين بانفجار في ريف حماة.روسيا وميليشيا أسد تصعدان من قصفهما على إدلب.ثلاث وفيات وسبع إصابات بكورونا في مناطق قسد.الجزائر.. الآلاف يتظاهرون إثر استئناف مسيرات الحراك.العراق.. مقتل متظاهرين اثنين في احتجاجات بالناصرية.بريطانيا تحقق في انفجار بإحدى سفنها بخليج عمان.واشنطن: تفشي كورونا بسفينتين حربيتين في الشرق الأوسط.الرقة 102 – حلب 95.8 – إدلب 94.6 – حمص 94.6 – حماة 94.6.القامشلي 99.6 - الحسكة 99.6 - تركيا / الريحانية - أنطاكيا 95.8.https://www.facebook.com/Orient.Tv.Net/.https://twitter.com/orientnews?lang=en