بعد أربعة عقود: مظاهرة الحريقة تطلق الصوت وتخرق جدار الصمت تحت سماء دمشق

أورينت - أحمد جمال
تاريخ النشر: 2021-02-17 13:25
يستذكر السوريون أحداث مظاهرة سوق الحريقة في العاصمة دمشق، بعد مرور عشرة أعوام على تلك الحادثة، والتي كانت المظاهرة والانتفاضة الأولى منذ أربعة عقود في وجه نظام بشار أسد وأبيه حافظ، في الدولة الأمنية التي أسسها أسد الأب على إقصاء السوريين وترهيبهم بأساليب القتل والتعذيب وتكميم أفواههم إلى الأبد، ما يتناسب مع شعار حزب البعث السوري الذي صنعه حافظ أسد على مقاس عائلته بعد انقلابه العسكري على الشرعية وطمس الربيع السوري في الستينيات.

ويعتبر الكثير من السوريين أن مظاهرة الحريقة التي توافق 17 شباط عام 2011، كانت بمثابة إرهاصات أو "جس نبض"، تحضيرا لكسر القيود والانطلاق في ثورة عارمة ضد نظام أسد الجاثم على صدور السوريين لعقود مظلمة، رغم أن تلك المظاهرة اختتمت بشعارات "دبلوماسية" تدعي الولاء لبشار أسد، لكنها في الحقيقة أوصلت رسالتها بشكل صحيح إلى ساكني القصر الجمهوري وعصابة الأفرع المخابراتية.

تفاصيل حية من قلب دمشق

بدأت شرارة مظاهرة الحريقة بعبارة "امشي يا حمار" وجهها شرطي سير من حكومة أسد إلى أحد المواطنين أثناء دخوله بسيارته في مدخل سوق الحريقة الموازي لسوق الحميدية الشهير، بعد تمهله في منطقة مكتظة بالسيارات والمارة، ليرد عليه الشاب "بتطلع ستين حمار"، الأمر الذي دفع الشرطي لضرب الشاب بعصا المرور التي يحملها، ما دفع الشاب للترجل من سيارته ليرد الإهانة للشرطي في فورة الغضب، إلا أن اثنين من عناصر الشرطة الموجودين في المكان تدخلا للدفاع عن زميلهما، وسرعان ما شاركا في ضرب المواطن حين أصر على رد الإهانة للشرطي الذي بادر بضربه، وفق توثيق الكاتب والباحث السوري، محمد منصور، في إحدى مقالاته، والذي كان شاهد عيان على الحادثة في ذلك الوقت.

يقول منصور في مقالته: "عندما رأى أحد المواطنين الدم يسيل على وجه المعتدى عليه، بدأ بالصراخ والاستغاثة ما استدعى تجمع المارة… وتمكنت الشرطة من سحب المواطن المعتدى عليه إلى مدخل بناء قرب فرع المصرف التجاري السوري في الحريقة، إلا أن الشارع كان قد امتلأ بالمارة والمتسوقين وتجار الحريقة، الذين أغلقوا جميعاً محلاتهم وانضموا للمتظاهرين وراحوا يهتفون: (طالعوه… طالعوه)… وسرعان ما تدخلت سيارات الشرطة، وحضر رئيس قسم شرطة الحميدية، إلا أن الجموع التي تجاوز عددها الأربعة آلاف بحسب مقاطع فيديو مصورة وثقت الحادثة – ملأت كل مداخل منطقة الحريقة حتى جامع الدرويشية، وحاصرت مكان احتجاز المواطن المعتدى عليه، ومنعتهم من الحركة.".

تلك الشتيمة كانت بمثابة شرارة انتفاضة غاضبة، استدعت حضور وزير داخلية حكومة أسد في ذلك الوقت، اللواء سعيد سمور، برفقة عدد من كبار الضباط لتهدئة المتظاهرين والحد من رقعة الغضب الشعبي، مع تصاعد الهتافات الغاضبة للمحتجين في السوق الدمشقي، خلافا للهتافات الحزبية المفروضة عليهم من أجهزة المخابرات، لكن جهود الوزير لم تفلح في فض التجمعات أو منع المزيد من الانضمام إليهم، والذين رفضوا الاستجابة لدعوات الانصراف.

ومع تفاقم الموقف المحرج لأجهزة الأمن وسيدهم أسد، عمل عناصر المخابرات للاندساس بين الجموع الغاضبة في مسعى لتغيير مجرى المظاهرة، حيث بدؤوا يهتفون (بالروح وبالدم نفديك يا بشار)، ما دفع المتظاهرين لإسكاتهم بالهتاف بصوت واحد: (ارفع راسك يا سوري) وعبارات (لا تتركوه بيفرموه)، في إشارة إلى الطرق الوحشية التي تتعامل بها أجهزة المخابرات مع الشاب المحتجز ولو كان بريئا ومظلوما.

ويشير منصور إلى أن شرطة المرور سارعت لقطع الطريق المؤدي إلى منطقة الحميدية والحريقة، كما شوهدت سيارة (ونش) بيضاء وزرقاء اللون تابعة لشرطة المرور، وهي تغلق جسر فكتوريا المكتظ عادة بالسيارات، إغلاقاً تاماً، ويتابع الكاتب سرد الحكاية: "تصاعد الغضب الجماهيري بسبب محاولة عناصر الأمن التدخل، وتفريق الناس… فيما انهال أحد الشباب الغاضبين بالشتائم على عنصر دفعه بغلظة قائلاً (بعّد ولاك عرصة… أنا أمن) فرد عليه بنوبة من نوبات الغضب الهستيرية التي عبرت عن تململ المواطن السوري من الإذلال والقهر الذي يعانيه على أيدي رجال الأمن منذ عقود طويلة"، ورغم حضور وزير الداخلية بصحبة ستة من العمداء والنائب العام، إلا أن المتظاهرين لم ينفضوا، إلا حين طلب منهم الشاب المعتدى عليه ذلك… ورأوه وهو يخرج من مدخل البناء الذي احتجز به، فيما أكد الوزير للمتظاهرين الغاضبين أنه سيحاسب الشرطي الذي اعتدى على المواطن، وزملاءه الذين تعاونوا معه على ضربه… وأن الأمر لن يمر بلا عقاب!".

وتعيد مظاهرة سوق الحريقة السوريين أربعة عقود إلى الوراء، أي إلى تاريخ آخر مظاهرة شهدتها دمشق ضد حافظ أسد ونظامه، عندما ثار علماء دمشق وعلى رأسهم الشيخ حسن حبنكة، عام 1973، في وجه حافظ أسد الذي صاغ دستورا خاليا من الإشارة إلى دين الرئيس وأن الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع، ليقودوا مظاهرات ووقفات وبيانات احتجاجية إن كان على منابر المساجد أو في الأماكن العامة للتعبير عن رفضهم القاطع والحاسم لمسألة المساس بثوابت سوريا التي حاول أسد المساس بها، ما دفع حافظ للرضوخ للحراك الشعبي الذي قاده علماء دمشق وحماة أيضا، وأضاف المادة الثالثة من الدستور والتي تنص على أن: "دين رئيس الدّولة الإسلام، الفقه الإسلاميّ مصدرٌ رئيسيٌّ للتّشريع"، لكنه في الوقت ذاته التف على مضمون المادة بوضعه المادة الثامنة والتي تنص على أن "حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة، ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية".

وبالفعل، فقد كانت مظاهرة الحريقة بمثابة جس النبض والتحضير لانطلاق ثورة شعبية عارمة يطلقها الشعب السوري في وجه الأسد وميليشياته، فقد انطلقت الثورة السورية تحت عنوان الكرامة من أحياء دمشق ودرعا بين 15 و18 آذار 2011، أي بعد نحو شهر على أحداث سوق الحريقة، وما زالت تلك الثورة مستمرة رغم تآمر القاصي والداني عليها لوأدها رغم دفع السوريين الثمن الأكبر من دمائهم وأوطانهم، بنحو مليون شهيد ومثلهم من المعتقلين والمختفين قسرا، فضلا عن هجرة أكثر من عشرة ملايين منهم وتدمير سوريا بنيانا وثقافة وحضارة على يد نظام أسد وميليشياته وحلفائه.

ولا شك أم السوريون اعتبروا حادثة الحريقة منعطفا جديدا وهاما في تاريخهم الجديد، خاصة وأن تلك المظاهرة جددت في داخلهم الأحقاد المدفونة تجاه نظام دموي وإجرامي استولى على السلطة بانقلاب عسكري غادر، قتل من خلاله سوريا وروحها السياسية والفكرية والإنسانية، بعد أن احتكرها في حزبه وطائفته وألغى تاريخها وعراقتها ولوث مياه بردى والعاصي وأطلق الرصاص أيضا على جذور الياسمين ، ليعمل على إطلاق اسم "الأسد" على جميع معالمها ومؤسساتها وحتى آثارها وقلاعها التاريخية.


commentالتعليقات

إقرأ أيضاً

if($('.nav-wrapper').width()<900){ google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "8024336238"; google_ad_width = 300; google_ad_height = 250; } else { google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "1705860969"; google_ad_width = 728; google_ad_height = 90; }
ارتفاع عدد القتلى بالقصف الإسرائيلي على غزة إلى 56 شخصا بينهم 14 طفلا.مقتل قائد كتائب القسام في مدينة غزة باسم عيسى وعدد من مساعديه جراء غارة إسرائيلية.مجلس الأمن ينهي اجتماعه الثاني دون التوصل إلى توافق حول التصعيد في الأراضي الفلسطينية.مقتل شاب وجرح آخر بمشاجرة في مدينة الدانا شمال إدلب .مصرع قائد مطار النيرب في ميليشيا أسد العميد رجب حبيب بظروف غامضة.محمد صلاح وفرانك ريبيري وآخرون من نجوم الكرة العالمية يتضامنون مع القدس . واتساب يفرض موافقة المستخدمين على شروطه للاستمرار في العمل عليه.القامشلي 99.6 - الحسكة 99.6 - تركيا / الريحانية - أنطاكيا 95.8.https://www.facebook.com/Orient.Tv.Net/.https://twitter.com/orientnews?lang=en