رواية (عام الجليد) لرائد وحش: فلسفة الإنسان الثورة وواقع الحرب والتشبيح الأسود!

أورينت نت – محمد طه العثمان
تاريخ النشر: 2021-02-17 06:03
 في عالم مليء بالغرابة والخيال، تصوغ مفرداته عجائبيّة تخترق الواقعيّ والمعقول، يأخذك عالم رواية "عام الجليد" للكاتب رائد وحش الصادرة عن دار المتوسط 2019؛ لتصبح جزءا منه فتألفه وتفهمه وتندمج به؛ وقد تنسى الكون من حولك.

ما الحرية؟
يحاول الكاتب أن يدمجنا مع حياة (سبارتكوس) الذي يعيش في صراع محوره عدم اتضاح مفهوم الحرية؛ فيتساءل بحثا عن المعنى في تلك الكلمة التي جعلت أولئك الناس يضعون أنفسهم في مواجهة هذا العنف كله من قبل عصابات الشبيحة وعناصر الأمن الذين يقتلونهم بلا أي رحمة.

المثير في هذه الرواية هو تلك العوالم التي يدخلك الكاتب فيها؛ عوالم غرائبية لن يتوانى الكاتب من خلالها بالكشف عن عوالم داخلية للفرد السوري المسحوق؛ فيفسرها ويحاول أن يقاطعها مع دواخلنا بكل ثقة، على الرغم من إنكارنا أو حتى ابتعادنا عنها وعن إنساننا البكر إلى الواقع مزيف آخر.

في العودة إلى القصة ومحورها الرئيس هي سرد أشبه بالخيال العلمي... لكنها غوص فلسفي في فكرة الإنسان وانبثاقها الحياتي.

الكاتب يشتغل فيها من أضيق مسافة يلتقي بها الإنسان مع بيئته... فلا هو أي _البطل_ مندمج بواقعه ولا هو مفصول عنه، فبطله لم يكن بطلا أسطوريا ولا خارقا؛ لكنه اختار لنفسه اسم بطل أسطوري "سبارتكوس" متأثرا بالأفلام التي شاهدها، يرافقه القارئ في رحلة حياته منذ الطفولة حتى الموت لكن على لسان راوٍ آخر ... والراوي هو "زمهرير".

من زمهرير؟
إنه ماء متجمد عالق على زجاج النافذة... وهبه البطل "سبارتكوس" القدرة على الإحساس والفهم؛ من ثم القول إلى أن أصبح عينيه وفارقه عند موته في نهاية الرواية.

فيا للغرابة
يحكي لنا زمهرير في أسلوب استرجاعي حكاية سبارتكوس؛ موضحا أن سبارتكوس هو من أخبره وفسر وشرح له هذه التفاصيل والقصص من حياته؛ إلى أن يفقد الاتصال به بمرحلة معينة؛ فيراقب زمهرير عن كثب ويحكي لنا ما يجري أمامه مع سبارتكوس.

فالحكاية كانت: منذ كان سبارتكوس طفلا لا يشبه الأطفال يعيش في عوالم خاصة من الخيال؛ يؤنسن الأشياء والجمادات؛ ويلج عوالمها وكأنه جزء منها لا شيء حوله جامد... خياله قادر على بث الحياة في كل شيء والتفاعل معه... فبدا طفلا غريب الأطوار متقد الذكاء... لا يسلم بالمسلمات بل يتفكر ويكوّن مفاهيمه الخاصة المتعلقة بالوجود والخلق والحياة والموت... ويرى ما لا يراه الآخرون.

لدرجة أن أمه أخذت بنصيحة الجارات وأخذته إلى شيخ لإزالة الجن الذي يتلبسه.. لكنها عندما رأته يتعرض للضرب من قبل الشيخ على رأسه في محاولة لإخراج الجن؛ عادت إلى رشدها وندمت على ذهابها وفتحت على نفسها بابا لأسئلة ابنها التي لا تنتهي عن الجان.

صوّر الكاتب الأب والأم بصورة جميلة من حيث وعيهما من جهة وتفهمهما للصغير؛ ومن حيث علاقتهما الزوجية المبنية على الحب وكيفية نشوء هذا الحب الذي كانت السيجارة هي أهم أسبابه؛ عندما التقى أبوه بأمه كانت تدخن سرّا السجائر؛ فرآها صدفة وبعدها صار يرمي لها علب السجائر إلى حديقة منزلها؛ ومع كل علبة سجائر رسالة حب إلى أن وصل الأمر لطلب الزواج.

التدخين هنا وعبر الرواية كان له سمة إيجابية محببة وربما هي رسالة فرعية من رسالة الكاتب في الرواية؛ وهي تغيير وجهة نظرنا في المسلمات... لكن الأم تتعرض لسرطان كلوي يؤدي شيئا فشيئا إلى وفاتها. 
الأب بعدها يصبح الشخص الوحيد الذي يجيب على أسئلة ولده الوجودية التي كانت تحير المعلمين والناس ..

ذاك الذي لم يطق الحياة بعد وفاة زوجته الحبيبة ودخل في صراع بين الحياة والسعي للموت؛ إلى حين دخوله في مرض نفسي مما اضطر سبارتكوس إلى ترك الدراسة في الثانوية للعمل والاعتناء به.

لم يكن لدى سبارتكوس _وقد اختار لنفسه هذا الاسم في الثانوية هو ورفيقه "والس" والذي اختار لنفسه هذا الاسم أيضا إثر تأثرهما بمشاهدة الأفلام_ أي حلم في هذه الحياة الواقعية؛ لأنه أصلا يعيش في عالم من الخيال لا مستحيل فيه.

"والس" صديق مدرسة شارك سبارتكوس لعبة الخيال والأسئلة الغريبة وإطلاق تسميات خاصة على كل المعلمين والطلاب؛ لكنهما انفصلا في مفصل حياتي متعلق بالفكرة الإنسانية؛ بعد أن اتجه والس إلى النصب والاحتيال والسرقة؛ وهذا يتناقض مع مثاليات فطرة سبارتكوس؛ فافترقا.

حلم سبارتكوس الوحيد
الرواية تأخذك نحو حلم سبارتكوس الوحيد؛ وربما هو التجرد والعودة إلى الإنسان الأصلي الفطري المندمج بالطين؛ ومن أكثر مظاهر هذا الاندماج هو اندماجه بالطبيعة، فنجد أن المحيطين به هم ليسوا بشرا بل مكونات من هذه الطبيعة؛ صنعهم من خياله. كـ (زمهرير ذي الطبيعة المائية المتجمدة، والكلب الذي سماه مقشر الطين، والحمامة التي طالما بادلها يديه بجناحيها وطار بهما، والحنش الذي سماه مظلوم والسمكة...).

ضمن هذه العوالم استطاع البطل سبارتكوس ممارسة هوايته المفضلة للعودة للإنسان الفطري؛ ونلاحظ حين سنحت له الفرصة العمل كبستاني ومُزارع في فيلا كبيرة؛ صار يقضي وقته عاريا متصالحا مع الطبيعة بمائها وطينها. لقد كان مولعا بالجغرافيا... فجسد رؤية الكاتب أن الجغرافيا هي العلم الطبيعي الحقيقي غير المشوه؛ تصطفي البيئة فيه من يتلاءم معها؛ لا تلوثه الحروب ولا الإنسان، إنه علم نقي.

مجددا يدخلنا الكاتب في هذه المزرعة في عوالم أغرب؛ حين اكتشف سبارتكوس بعد ذلك أن صاحب الفيلا ينتقم لنفسه من نفسه حين يلبس المانيكانات (تماثيل العرض) ثيابَه الشخصية، ومن ثم ينهرها ويلومها ويطلق عليها الرصاص؛ كمن يريد أن يقتل نفسه في كل مرة وينتقم منها.

مقاربة غير متعمقة
جزء من الرواية يركز على انعتاق سبارتكوس من نظم الحياة واستمتاعه بعالمه الخاص عارياً وسط الطبيعة في المزرعة؛ فيتعّزز شعوره بالملوكية، فمن يعرف ما يعرفه؟ ومن يعيش ما يعيشه؟  لكنه بالوقت نفسه يحافظ على الخيط الذي يربطه بحياة الواقع... فهو ملزم بتحمل مسؤوليات والده المريض العاجز؛ لذلك بعد العودة من العمل يقوم بواجباته تجاهه ويأخذه في الموعد إلى قبر أمه الذي اعتاد أن يزوره الأب يوميا؛ وحفر لنفسه قبرا بجانبه بانتظار الموت واللقاء بها.

ربما سيخيل للقارئ أن الكاتب يعدنا بمستقبل باهر لسبارتكوس، لكن في الحقيقة تنعطف الرواية انعطافا مفاجئا عندما يحيلنا الكاتب على بداية الثورة السورية؛ ثم تتشكل ميليشيات التشبيح والسرقة ومن ضمنها صديقه والس وعائلته الذين أصبحوا أغنياء من وراء ذلك. 

في هذا الجزء لم يتعمق الكاتب في تفاصيل الثورة بل مسح المشهد مسحاً شاملًا ووافياً نوعاً ما؛ ولو أنه بدأ مستعجلا في هذا الجزء من الرواية.

في هذا الجزء تتعرض قرية سبارتكوس للقصف أكثر من مرة وتتهدم البيوت ليفقد سبارتكوس أباه نهائيا تحت الأنقاض؛ ولا يستطيع تحقيق حلمه بالدفن في قبره المعد سلفا بجانب أمه. ثم يتعرض سبارتكوس لإصابة تبقي شظية مؤلمة في رجله، ينجم عنها آثارا نفسية آلامها ترافقه باقي حياته اللاحقة، ليبدأ يفقد عقله شيئا فشيئا بعد أن تلوثت الطبيعة من حولها، وتشظت الجغرافيا... هنا يفقد الاتصال الروحي مع زمهرير
لكن زمهرير يبذل جهدا في التعبير عما يفكر به ثم ينجح بإيجاد لغة يرسم فيها خطوطا على النافذة يشرح بها ما يريد قوله ويخبر سبارتكوس عن أخبار ومصائر شخصيات التقط أخبارهم وهو يبحث عنها على زجاج نوافذهم.

ثم ينتقل بنا الكاتب إلى الكامب في إحدى دول اللجوء بعد أن يصل إليها سبارتكوس لاجئا، ويصف الكاتب هنا استخدامهم بشكل آلي ومبرمج واستلاب حقوقهم الإنسانية.

ويبقى سرد الأحداث على لسان زمهرير فيصف لنا حالة المجنون سبارتكوس؛ فالجنون ليس إلا عوالم خاصة لا يفهمها الآخرون لأنهم لا يرون ما يرى ولا يشعرون ما يشعر وكلما ازداد استغلال سبارتكوس وإهانته ازداد غضب زمهرير الذي يحاول إعادة الاتصال والكلام معه عبثا إلى أن يلتصق بعينيه ويدخل أفكاره ثم يقوده إلى تحت الثلج ليموت بلا عيون.

العيون التي رحلت هي زمهرير الذي يحمل كل ما رآه سبارتكوس ببصيرته ويبحث عبر الشبابيك من يستطيع أن يدرك وجود هذا الكائن ليحكي له أسرار سبارتكوس.

الرواية رغم قصرها الذي كان من الممكن للكاتب أن يتمدد أكثر في بعض جوانبها.. تستطيع أن تسحر القارئ بعوامل عدة قد لا تنتهي إن أردنا التفكر بها لكن أبرزها:
 زمهرير هذا الكائن الثلجي الذي يجمع صفات عدة .. هذا الكائن الذي أراد الكاتب أن يقول إنه لم يعتنق أفكار سبارتكوس الوجودية اعتناقا أعمى بسبب التلقين. لا إنه اعتنقها بعد الإدراك.. نعم الإدراك الذي هو بوصلة التفكر والتغيير؛ فسبارتكوس جعل زمهرير يشعر ويفهم ثم يدرك.. ثم يعبر عن رأيه ثم يناضل ويتنازل عن أهوائه لخدمة مبدئه.

فضاءات تأويلية واسعة
بعض المصطلحات المعروفة سابقا.. أخذت هنا في هذا العمل المبتكر تعريفات جديدة وفتحت على فضاءات تأويلية واسعة تدعو الإنسان للتفكر ومنها.. الموت .. اليوم والغد .. الدخان... القبر.. والكثير من الأسرار كالظلال.

يقول الكاتب " فعلا، لماذا يجب على الظلال أن تكون سوداء إذا كانت سوف تختفي في الظلال أكبر منها، أو في الظلام؟ ماذا لو أن الظلال مرايا؟ أليس لذلك مزايا عديدة: نرى أنفسنا في أنفسنا، ويتضاعف حجم العالم؛ حين يمشي كل واحد من المخلوقات أو الأشياء أو العناصر ومعه صورته وصور أخرى تتداخل فيها؛ لن يكون هناك صراع بين النور والظلام. 

 الخيال العلمي وعالم الأطفال: استطاع الكاتب في هذا العمل دمج السرد الروائي بعالم الطفل والخيال العلمي وضمن روايته الكثير منها ص١٦ شاهد من عند قطعا مسافة كبيرة.. يقول الكاتب " عندما أخذ سبارتكوس يحكي لأطفال القرية الهاربين من القصف قصة الحيوان الرباعي الذي تشكل من حمامة وكلب وسمكة وثعبان وكيف باض بيضة خرج منها عجوز ثم استمرت القصة لتجدد فكرة الموت والبعث من جديد بأسلوب غاية في التشويق" والإسقاطات الكثيرة والعبر الغزيرة التي رمى إليها الكاتب في عمله هذا.. وأهم ما فيها أنها وجودية جدا ومفتوحة جدا، وقابلة لكثير من التأويلات. هنا نترك للقارئ التفكر بها.

commentالتعليقات

إقرأ أيضاً

if($('.nav-wrapper').width()<900){ google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "8024336238"; google_ad_width = 300; google_ad_height = 250; } else { google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "1705860969"; google_ad_width = 728; google_ad_height = 90; }
5 قتلى و10 جرحى بانفجار لغم شرق حماة.ميليشيا أسد تجدد قصفها المدفعي على ريف إدلب الجنوبي.مقتل ضابط لميليشيا أسد بقصف للجيش الوطني شمال الرقة.قسد تسيطر على 4 مراكز أعلاف تابعة لنظام أسد في الحسكة.انفجار بأحد خطوط الغاز التابعة لنظام أسد في دير الزور.جرحى بانهيار مبنى قيد الإنشاء في حمص.العراق.. استمرار الاحتجاجات في ذي قار بعد مقتل متظاهر و100 جريح.اليمن.. نزوح 12 ألفا في مأرب منذ مطلع فبراير.الرقة 102 – حلب 95.8 – إدلب 94.6 – حمص 94.6 – حماة 94.6.القامشلي 99.6 - الحسكة 99.6 - تركيا / الريحانية - أنطاكيا 95.8.https://www.facebook.com/Orient.Tv.Net/.https://twitter.com/orientnews?lang=en