السوريون في أنطاكيا: 10 سنوات من اللجوء.. غيروا سوق العمل ولم يسلموا من حملات التحريض

أورينت نت – هاتاي | تحقيق وتصوير: حسان كنجو
تاريخ النشر: 2021-01-12 09:34
بعد مرور 10 سنوات من وجودهم على الأراضي التركية، هرباً من بطش نظام أسد وإجرام آلته العسكرية التي دمرت منازلهم وقتلت أحباءهم، بات السوريون جزءاً لا يتجزأ من التركيبة الديمغرافية في تركيا، رغم أن البلاد تضم الكثير من الجنسيات الأخرى، بعضهم هجرتهم الحرب تماماً كالسوريين، وبعضهم فرّ من بلاده بسبب الظلم والفقر فيها، ومنهم من جاء بقصد الدراسة أو التجارة، إلا أن السوريين كانوا أصحاب الجنسية الأبرز في تركيا، سواء أكان ذلك في مصلحتهم أو وبالاً عليهم.
 
هاتاي المقصد الأول
رغم امتداد الجغرافيا التركية على مساحة شاسعة وضمها لـ 81 ولاية والكثير من المقاطعات، كانت ولاية هاتاي التركية (أنطاكيا)، المستقر الأول لكثير من السوريين الذين عبروا الحدود إلى تركيا منذ عام 2011، حيث كانت مدينة أنطاكيا التركية ومدينة الريحانية التابعة لها على الحدود السورية- التركية، المحطة الأولى للسوريين في رحلة لجوئهم، وهو ما جعل ولاية هاتاي ضمن قائمة الولايات التي تضم أكبر عدد من السوريين في تركيا.

وفقاً لآخر الإحصائيات التي نشرتها مديرية الهجرة العامة لأعداد السوريين وتوزعهم في الولايات التركية في شهر تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2020، فقد بلغ عدد السوريين المقيمين في تركيا 3.627.481 نسمة، وقد حلت هاتاي في المركز الثالث ضمن قائمة الولايات الأكثر كثافة للسوريين بمجموع بلغ (436.384) لاجئا سوريا مسجلين بشكل نظامي ويحملون (الكملك)، وذلك بعد إسطنبول التي احتلت المرتبة الأولى بمجموع سوريين بلغ (511.495) نسمة، تلتها غازي عنتاب بمجموع (452.420) نسمة.

مشاريع صغيرة في سوق العمل
عند قدوم السوريين إلى تركيا وحتى مطلع العام 2013، كانوا ما يزالون دون أية وثائق تثبت شخصيتهم، سيما وأن الغالبية منهم دخلوا الحدود بطريقة غير شرعية ولم يكن لديهم أكثر من (بطاقة الهوية السورية)، فلم يكن بالإمكان حينها افتتاح أي مشروع في أية مهنة، أما من افتتحوا مشاريع في البدايات، فقد تم ذلك عن طريق أتراك، حيث كان يتم ترخيص المحل والمهنة التي ستمارس فيه باسم شخص تركي، فيما يكون رب العمل والعمال سوريون، ويتم ذلك عن طريق تفاهمات خاصة، بين التركي والسوري (صاحب العمل)".

وفي مطلع العام 2016، وبالتحديد بعد أن تم منح (الكملك الصفراء) للسوريين، أتاحت الحكومة التركية للسوريين افتتاح المحلات والمشاريع والصغيرة وفق شروط معينة، وهنا بدأ غالبية السوريين يتجهون لافتتاح مشاريعهم الخاصة بهم مهما كانت صغيرة، فمن وجهة نظرهم (مشروعك لنفسك مهما كان الجهد متواضعاً ومشروع غيرك سيبقى له مهما كنت فيه مبدعاً)، ومن هنا بدأت فكرة المشاريع تتسع شيئاً فشيئاً، حتى بات السوريون الآن يملكون الكثير من المحلات وورش التصنيع وحتى المعامل في أنطاكيا خصوصاً وهاتاي وتركيا بشكل عام.

أول محل حلويات سوري 
يقول (أبو وحيد) وهو صاحب محل حلويات (جبل الأربعين) الأول والأشهر في مدينة أنطاكيا لـ "أورينت نت"، إن دخوله إلى السوق التركية بدأ بمشروع صغير لصناعة الحلويات لكون صناعة الحلويات هي مهنته الأساسية في سوريا، حيث كان يملك محلاً لبيع الحلويات في حلب، قبل أن يترك كل شيء خلفه من معدات وغيرها لعماله هناك ويغادر إلى تركيا.
 
وأضاف: "وصلت هنا إلى أنطاكيا حالي كحال كثير من السوريين هنا، لا نملك شيئاً سوى مبالغ مالية صغيرة استطعنا من خلالها تأمين منزل للسكن، وبدأت رحلة البحث عن عمل نقتات منه وأطفالنا، لقد شكلت قلة الأجور دافعاً قوياً لي في افتتاح مشروعي الخاص بعيداً عن العمل لدى أرباب العمل الأتراك، لقد افتتحت محلاً صغيراً قرب مسجد (حبيب النجار) الشهير في أنطاكيا وبدأت أصنع فيه الحلويات السورية، لقد شكلت (الحلويات السورية) نقلة لدى السوريين، لاسيما وأنني صاحب أول محل لبيع الحلويات السورية في المدينة، وأول محل يقدم أصناف الحلويات السورية، على عكس التركية التي تقتصر على بضع أنواع معدودة".

وتابع: "بقيت على هذه الحال عامين تقريباً، ومع المثابرة أصبح لي الكثير من الزبائن السوريين وحتى من الأتراك، فالصبغة العربية التي ما تزال موجودة في أنطاكيا، بفعل الاختلاط بين الأتراك والعرب في عهد الدولة العثمانية والذي استمر لنحو أربعة قرون، ما جعل الأتراك يرون في بعض المنتجات والصناعات السورية الجديدة (جزءاً من الحضارة والأصالة) في ولاية (شام شريف)، ويقبلون عليها بشكل كبير رغم تخوفهم منها في البدايات، ومع الجهد الكبير والمثابرة في العمل، تمكنت من الانتقال إلى محل أكبر وقمت بتسجيله في مديرية الضرائب بشكل رسمي باسمي، وبات محلي (قانونياً) كغيره من المحلات الأخرى الموجودة في السوق.


 
 لغة مشتركة وعادات متشابهة
رغم أن الكثير من السوريين يعتبرون اللغة التركية (صعبة) ولا يتقنونها بشكل جيد، إلا أن اللغة لم تكن حاجزاً أبداً أمام السوريين في ولاية هاتاي، والسبب الأكبر في ذلك هو أن غالبية سكان هاتاي يتكلمون العربية، فبحكم أن الولاية كانت في السابق جزءاً من الأراضي السورية حتى ما قبل ثلاثينيات القرن الماضي، جعل اللغة العربية فيها لغة (شبه رسمية)، فغالبية السكان الأتراك فيها وخاصة من كبار في السن، يستخدمون اللغة العربية بشكل رئيسي، وهذا ما سهل على السوريين كثيراً في إيصال أفكارهم ومشاريعهم والترويج لمنتجاتهم لاحقاً.

كما أن حفاوة الاستقبال والعادات العربية الأصيلة بحكم أن أنطاكيا تضم الكثير من العشائر المنقسمة بين تركيا وسوريا، جعل من الأتراك يقبلون على المحلات السورية أيضاً، حيث وبعد مضي العديد من السنوات، لم يعد هناك فارق لدى التركي في أن يكون صاحب المحل سوريا أم تركيا، فما يهمه الآن البضاعة الجيدة وذات السعر المعقول، أو الوجبات اللذيذة والمهارة والأماكن النظيفة والمحترمة، وهو ما ساعد كثيراً في أن تكون المحال السورية منافسة لنظيرتها التركية، ودفع بعض المحلات التركية لإدخال الأصناف السورية في صناعاتها".
 
المهنة التي طورها السوريون
رغم تعدد المهن والصناعات في مدينة أنطاكيا، إلا أن السوريين أضافوا طابعهم المتميز في بعض المهن بشكل خاص، فعلى صعيد مطاعم (الدجاج بأنواعه)، كان السوريون أول من أدخل (شواية الغاز) إلى مطاعم الدجاج، حيث كانت محلات بيع (الدجاج المشوي) تعتمد على (شوايات فحم/أفقية)، إضافة إلى أن ملحقات الوجبة كانت تقتصر على الخبز فقط، في وقت بدأ فيه أول محل دجاج سوري في حي الجمهوريات بأنطاكيا، بتقديم وجبات الدجاج بكافة الملحقات التي اعتادها السوريون (البطاطا - الثوم - الكاتشب - السلطات) وغيرها، وهو ما زاد الإقبال على المحلات السورية بشكل خاص سواء من السوريين أو الأتراك، وباتت مطاعم الوجبات السريعة المقصد الأول لمعظم من يفضل هذا النوع من الطعام سواء أكانوا سوريين أو غيرهم.

يقول (مهند) وهو صاحب أحد المطاعم السورية في أنطاكيا لـ "أورينت نت"، إن الاختلاف في طريقة العمل والوجبات المقدمة شكلت فارقاً لدى الأتراك فقط، فبالنسبة لنا هنا كـ (مطعم سوري) نقدم الوجبات السورية (على أصولها) وكما عهدها السوريون على مدار عقود، وهنا أقصد بالفارق هو أن الاتراك بدؤوا يرون طريقة جديدة ومختلفة في تقديم تلك الوجبات، بما يتعلق بداية بـ (النكهة) وصولاً إلى طريقة الخدمة والملحقات وكثير من الأمور الأخرى التي دفعت الأتراك لارتياد المطاعم السورية.


السوريون.. إضفاء للفكرة على المهنة
لم تكن المطاعم وحدها هي المهنة الوحيدة التي أبدع فيها السوريون، بل إن أفكارهم جعلتهم مقصد نظرائهم الأتراك الأول سواء في التجارة أو الصناعة، حيث أضفى السوريون الكثير من الأفكار على المهن التقليدية وجعلوها ذات طابع عصري.

(عبد الرحمن) شاب سوري في العشرينيات من عمره، بدأ عمله في مجال صناعة الأحذية قبل سنوات كعامل عادي، إلا أنه وبفعل مهارته وسرعة بديهته، إضافة للأفكار الجديدة التي أضفاها على الحرفة، جعل منه صاحب عمل مستقل بحد ذاته، فـ (عبد الرحمن) الذي يعمل بالتحديد في مجال خياطة وتفصيل الأحذية، تمكن وخلال مدة وجيزة من عمله لدى أحد أرباب العمل الأتراك، من معرفة الطريقة التي يتم بها التعامل مع أصحاب الورش والتجار وغيرهم.

يقول "عبد الرحمن" في حديث لـ أورينت نت: "عملت في مجال الخياطة والتفصيل في سوريا مدة 8 سنوات، لذا لم أواجه صعوبة كبيرة في عملي هنا بنفس المهنة، تمكنت خلال فترة وجيزة من الاطلاع على الطريقة التي يتم بها (إنتاج الموديلات) وطريقة إبرام الصفقات بهذا الصدد، وفي إحدى المرات قمت برسم تصميم (موديل) جديد وقدمته لمعلمي، نال إعجابه كثيراً وقام بتفصيله وقد جلب له ربحاً وفيراً وقدم لي مكافأة مالية، ومن هنا كانت انطلاقتي، تركت العمل وأصبحت أعمل في (رسم الموديلات) وبأسعار معقولة، وهو ما دفع غالبية أرباب الورشات للتعامل معي دون غيري، بسبب الأفكار الجديدة والكلفة المنخفضة، وفي فترة ما أصبحت (سيد السوق) بهذا المجال، والآن ما أزال المنافس الأول في هذا المضمار".



القهوة السورية لها مكانتها
رغم أن "الشاي" يعد المشروب المفضل والسائد لدى الأتراك، إلا أنهم في ذات الوقت يولون اهتماماً خاصاً بالقهوة، لاسيما وأن القهوة تعد جزءاً من تراث هذه المنطقة، حيث أصبح الكثير من الأتراك يقبلون على شراء ما يطلقون عليه (القهوة العربية أو القهوة المرة كما هو اسمها السائد لدى السوريين)، ثم سرعان ما اتسع نطاق حبهم للقهوة، فباتوا يبتاعون (قهوة الإكسبريس)، ثم بدأ كثيرون منهم بابتياع القهوة مضافاً إليها (الهال والمسكة)، رغم أن الغالبية حتى الآن يحتسونها (سادة) دون أية إضافات.

يقول (أبو محمد) وهو صاحب محل (اللاذقاني) للقهوة في حديث لـ أورينت نت: "لدينا الكثير من الزبائن الأتراك، ورغم أن القهوة السورية (المضاف إليها حب الهال) يقتصر بيعها للسوريين فقط، إلا أن شريحة من الأتراك باتت مؤخراً تبتاع منها أيضاً، أما بقية الزبائن فيفضلون القهوة كما اعتادوا عليها".

 أما (ابراهيم) وهو بائع متجول للقهوة، فقد أكد في حديثه لـ "أروينت نت"، أن "القهوة المرة أصبحت مشروباً مفضلاً لدى الأتراك، هناك الكثير من الزبائن الأتراك ممن ينتظرونني بفارغ الصبر، وخاصة العمال الذين يبدؤون عملهم في ساعات الصباح الباكر جداً، كالعاملين في أسواق الخضار والفواكه أو أسواق اللحوم، لقد تغير كل شيء، في بداية الأمر لم يكن أحد يجرؤ على شرب ما أبيعه، كانوا يظنون أن ذلك مضر بصحتهم، إلا أنه ومع الوقت بدؤوا يميزون حتى (القهوة بدون هال من تلك التي أضيف إليها)".


 
ادعاءات وحملات تحريض
وعلى مدار السنوات السابقة، تعرض السوريون الذين بحثوا عن تحصيل لقمة عيشهم بشرف، للكثير من الادعاءات من قبل بعض الفئات، حيث اتهمهم البعض تارة بأنهم يعملون بطرق غير قانونية، وأخرى بأنهم يسرقون فرص العمل، فيما شن البعض الآخر هجوماً على الحكومة التركية، متهماً إياها بالسماح للسوريين بافتتاح المشاريع دون فرض أية ضرائب عليهم، إضافة للكثير من الاتهامات التي تتعلق بسرقة السوريين لقوت الاتراك وفرص عملهم، إلا أن الحكومة التركية كانت تخرج في كل موقف لتوضح الحقيقة التي تتجاوز إطلاق الشائعات غير المثبتة، فالحقيقة أن السوريين ملتزمون بجميع الحقوق والواجبات، ويتم التعامل معهم قانونياً كما الأتراك تماماً، وهو ما أفقد تلك الادعاءات مصداقيتها وأخمدها مراراً.

كلمات مفتاحية:

commentالتعليقات

إقرأ أيضاً

if($('.nav-wrapper').width()<900){ google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "8024336238"; google_ad_width = 300; google_ad_height = 250; } else { google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "1705860969"; google_ad_width = 728; google_ad_height = 90; }
هدوء نسبي في مدينة طفس في درعا بعد محاولة اقتحام فاشلة لميليشيا أسد.مقتل 3 عناصر لميليشيا أسد في مناطق متفرقة من سوريا .فصائل محلية بالسويداء تفرج عن ضباط لميليشيا أسد احتجزتهم بسبب خطف مدني .مقتل عنصرين للفصائل المقاتلة استهدفتهم ميليشيات أسد بريف اللاذقية الشمالي ."يونيسف": أكثر من 2.4 مليون طفل سوري خارج العملية التعليمية.وزارة الخارجية التركية توقع على اتفاقية نقل مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية الأممي "أوتشا"، من جنيف إلى إسطنبول.مدير جمعية النور السورية: وجود المكتب الرئيسي لأوتشا في إسطنبول خطوة مهمة لتفعيل دور الأمم المتحدة في الملف السوري الإنساني.شرطة إسطنبول تلقي القبض على عصابة احتجزت أطفالاً سوريين.مصرع لاجئ سوري وإصابة آخرين بجروح بحريق في مقر للاجئين بمدينة هامبورغ الألمانية.دعوات لمظاهرات جديدة في روسيا ضد بوتين الأسبوع القادم.الرقة 102 – حلب 95.8 – إدلب 94.6 – حمص 94.6 – حماة 94.6.القامشلي 99.6 - الحسكة 99.6 - تركيا / الريحانية - أنطاكيا 95.8.https://www.facebook.com/Orient.Tv.Net/.https://twitter.com/orientnews?lang=en