الشعر.. منصور!

الشعر.. منصور!
غاب عاصي الرحباني، ثم غاب منصور، والسؤال يرفرف دون جواب: من فيهما يؤلف؟ ومن منهما يلحن؟ من الشاعر؟ ومن الموسيقي؟ لم أعرف عاصي جيدا لكي أطرح السؤال الذي تطرحه الناس على بعضها البعض. لكن مودة صادقة جمعتني إلى منصور.

وقد طرحت عليه أسئلة إعجاب ومحبة عدة، ومنها، بكل أدب، هل كان عاصي يلحن أم يؤلف؟ وكان جواب منصور لا يتغير: كلانا يؤلف ويلحن.

بعد وفاة عاصي تغير عطاء منصور وانفردت فيروز بنفسها، فراحت الألسن تقول: موت عاصي فضح منصور. عاصي كان الشعر وكان الموسيقى وكان المسرحية. سمع منصور الكثير من هذا الكلام وسمعه كثيرا ولم يغير جوابه وصوته الجهوري العميق: عاصي وأنا! في ذكاء متناه وأدب جم يعود الدكتور محمود الزيباوي، ذاكرة الفنون في لبنان والعالم العربي، إلى العام 1956 ثم 1957 ثم بقية الأعوام. إلى الأسماء والنقاد والمقابلات المنشورة، ليقول لنا، دون إعلان، إن منصور كان الشاعر بين الأخوين. أجمل الشعر الفصيح وأرق الشعر العامي، من رقة الشاعر في منصور، ذلك العملاق الضخم الذي كان يلعب في المسرحيات دور راعي الماعز، الجبلي اللهجة، الصخري النشأة، الرائع الروح والنفس والمواهب. ما وثقه الدكتور محمود الزيباوي في عملية بحث لا يصبر عليها سواه، كان ظنا لدي. كنت أعرف مدى عبقرية عاصي ومدى تأثيره على منصور ومدى الدور القيادي الذي لعبه في الثلاثية المذهلة، لكنني أيضا كنت أشعر أن منصور، المتواضع أبدا أمام حضور عاصي ثم أمام ذكراه، ليس أقل من نصف الماسة الرحبانية، التي ملأت الشرق شعرا وشدوا ونفحا من طيوب الجبل الذي نزلا منه راعيي ماعز ليصبحا شرطيي بلدية، ليصبحا مجد لبنان الموسيقي طوال نصف قرن. يرفض الدكتور محمود الزيباوي أن يتجاوز نفسه من البحث إلى النقد. ولذلك سمحت لنفسي أن أستند إلى حقائقه ودقته ومنهجيته وتواريخه، لكي أخلص بنفسي، مغامرا، إلى ما يرمي إليه: عظمة منصور في حلقة الأخوين. لست أعرف – وغيري أكيدا يعرف – باحثا يعطي الفنون العربية جمعاء ما يعطيها الزيباوي، سواء في مؤلفاته أو في أسبوعياته الدائمة في «الملحق». وبعدما قرأت ما كتبه عن منصور تذكرت أنه قال لي قبل سنوات: «لدي كل ما كتب وقيل عن فيروز، إلا سلسلة المقابلات التي أجرتها الصحافية هدى المر في مجلة (المجلة) في بداياتها، فهل لك أن تساعدني في ذلك؟». حاولت لفترة كان خلالها هاتف فيروز يرن لنفسه ولا يجيب على أحد، وكان أرشيف «المجلة» ينتقل من الورق إلى الإلكترون. وخذلت محمود الذي كان في نفس غسان تويني تقدير شديد لطاقاته وكفاءاته وعلومه. وكل أسبوع أبحث عن ماذا يحيي لنا هذه المرة من عبق الفنون. إنصاف منصور كان أحد هذه الأسابيع.

التعليقات (0)

    0

    الأكثر قراءة

    💡 أهم المواضيع

    ✨ أهم التصنيفات