ما أسباب عودة زخم الحراك المدني السلمي في المدن والبلدات السورية؟

أورينت نت - يحيى حاج نعسان
تاريخ النشر: 2019-03-18 10:30
مع دخول الثورة السورية عامها التاسع، أحيت الأحداث الأخيرة في درعا الآمال مجددا بعودة الزخم إلى الحراك المدني السلمي؛ الذي  تميّزت به الثورة السورية وأكسبها شرعيتها في الداخل والخارج.

ففي محاكاة لمشهد انطلاق الثورة، خرجت مؤخرا مظاهرات عارمة من ساحة المسجد العمري لتجوب شوارع درعا البلد، وصولاً لمقبرة الشهداء، رفضا لإعادة تمثال حافظ أسد "لساحة تشرين" في منطقة درعا المحطة، كما أعاد المتظاهرون ترديد الشعارات الأولى للثورة وهي " الشعب يريد إسقاط النظام"، وشعار " حنا معاكي للموت"، وكان هذه المرة من نصيب إدلب، التي تتعرض لمجازر وقصف يومي من ميليشيا أسد الطائفية.

فورة دم أم عودة جديدة!
لم تغيّر ميليشيا أسد الطائفية من سياستها المبنية على الاستفزاز والعنجهية العسكرية والأمنية، رغم سيطرتها خلال عام2018 على أجزاء واسعة من سوريا بدعم روسي عبر ما يسمى بـ "المصالحات"، كما في درعا وغوطة دمشق الشرقية وريف حمص الشمالي، وهو ما يحفّز على عودة الحراك إلى جميع مناطق المصالحات في سوريا وليس في درعا فقط، كما يرّجح مراقبون.

وفي هذا المجال، يؤكد الباحث في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام النقيب رشيد حوراني أن عودة الحراك السلمي المناهض لنظام الأسد في درعا بعد كل هذه السنين يدل على أمرين؛ الأول هو عدم قدرة النظام على تغيير سلوكه واستمراره في معالجة الأمور وفق الرؤية الإيرانية باستخدام الحل العسكري والأمني لقمع أي صوت يخرج ضده.

وأما الأمر الثاني فيدل على فشل فصائل المعارضة، التي تصدرت المشهد الثوري قبل عودة مناطق درعا إلى سيطرة النظام، في إيجاد دور فاعل للحاضنة الشعبية واستخدامها كأداة ضغط محلية ودولية لتحقيق أهداف الثورة السورية، وهذا ينسحب على جميع المناطق السورية، التي مايزال بعضها خارج سيطرة النظام.

وفيما يتعلق بعودة الزخم والحراك السلمي المدني للثورة السورية من جديد، فإن الناشط في الحراك السلمي الثوري ماجد عبد النور يعتقد باستمرارية وتطور الحراك السلمي المناهض للنظام في محافظة درعا دون غيرها من المناطق التي سيطر عليها النظام خلال عام 2018، وذلك لأنها لم تشهد تهجيرا كبيرا بقدر المناطق الأخرى، في إشارة إلى الغوطة الشرقية وريف حمص ومدينة حلب.



عقبات في وجه الحراك
يمتلئ أرشيف وسائل إعلام عديدة عربية وأجنبية بصور ومقاطع فيديو توثق خروج مظاهرات سلمية عارمة في مدن سورية عديدة، كمدينة حلب، وإعزاز، وسراقب في محافظة إدلب، وتلبيسة في محافظة حمص، ودوما في الغوطة الشرقية التابعة لريف لدمشق، ودرعا بأقصى الجنوب السوري، وذلك بعد توقيع اتفاقية خفض التصعيد عام 2016.

ورغم أن القصف لم يتوقف بشكل نهائي آنذاك على المناطق المحررة التي شملها الاتفاق، إلا أنه بمجرد انخفاض حدة القصف والعنف عاد السوريون ليملؤوا الميادين، مؤكدين على رغبتهم الشديدة بالتغيير عبر التمسك بنفس الهتافات التي اندلعت الثورة السورية من أجلها.

وفي هذا النقطة اتفق الباحث حوراني والناشط عبد النور أن القمع والتشديد الأمني والعنف والقصف والممارسات البربرية والإرهابية، التي لا مثيل لها من قبل نظام الأسد ضد المتظاهرين، هو العقبة الأولى والأكبر التي تقف حائلا أمام استمرار الحراك السلمي أو عودته إلى الزخم الكبير الذي تميز به عام 2011.

وهناك عوائق وعقبات أخرى أقل أهمية ولكنها ذات تأثير من وجهة نظر الناشط "عبد النور" يُجملها في يأس السوريين من تحقيق التغيير المطلوب بعد أن باتت القضية مرهونة بيد دول خارجية أقليمية وعظمى، والتفاتهم إلى تأمين لقمة عيشهم بعد أن خسروا كل شيء خلال سنوات الثورة الطويلة.

مفاجأة!
ما يزال صدى موجة الانتقادات الناعمة التي طالت نظام الأسد ومسؤوليه، بسبب تردي الأوضاع المعيشية وانتشار الفساد بشكل واسع في البلاد، من قبل شريحة واسعة من الموالين، فنانين وموظفين وعسكريين، حاضرا وبقوة في الشارع الموالي، ويظهر ذلك عبر متابعة نقاشاتهم وتعليقاتهم اللاذعة على سياسة النظام وخاصة الاقتصادية في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي الواسع.

وتفيد تقارير إعلامية عديدة أن هناك حالة من السخط العام داخل الحاضنة الموالية لنظام الأسد والتي خسرت بدورها الكثير، لتجد أن الإيراني والروسي هما من يحصدان ثمن هذا الولاء، وبدلا من أن يحاول النظام تحسين أوضاعهم المعيشية المتردية وإعادة الإعمار التي وعد بها، يصرف ملايين الليرات السورية على إقامة تماثيل حجرية لأبيه حافظ الأسد على أنقاض الدمار والخراب.

ففي الآونة الأخير نشرت جريدة الأيام الموالية للنظام تحقيقين صحفيين في محاولة انتقاد غير مباشرة لسياسات النظام وتوصيف حالة الاحتقان الكامنة في نفوس الموالين، حيث عنونت الأول بـ "قطار الفساد يدهس كل محاولات الإصلاح"، والثاني بـ" من سيعيد إعادة الإعمار بعد هجرة العقول السورية".

وحمّلت الصحيفة  ما أسمتها الحكومة دون الإشارة إلى رأس الهرم بشكل صريح مسؤولية هروب السوريين من البلاد  بشتى الوسائل من فساد وفقر وعدم تقدير الكفاءات وعدم الإهتمام وغير ذلك، معطية عبر هذين التحقيقين إشارات بإمكانية انفجار هذه الحاضنة وانقلابها على النظام بعد صبرها كل هذه السنين.

جدوى الحراك السلمي
تأتي أهمية عودة واستمرار الحراك السلمي المناهض لنظام الأسد بعد كل هذه السنين، كما يراها الباحث رشيد حوراني عبر ضبطها المستمر لبوصلة الثورة والتأكيد على أنها ليست إقصائية أو طائفية، بل جاءت لتحقيق طموح السواد الأعظم من السوريين في دولة المواطنة والقانون.



ويضيف حوراني أن روسيا تسعى جاهدة لتعويم النظام وإعادة تأهيليه، لذلك فإن عودة الزخم السلمي للثورة، هو أكثر ما يحتاجه السوريون في هذا التوقيت بالذات لتعرية أكاذيب النظام المستمرة وداعميه الروس والإيرانيين في وسم ثورتهم بطابع الإرهاب والإسلاموفوبيا.

وبدوره يعزز الناشط ماجد عبد النور ماذهب إليه حوراني، حيث يعتبر أن المظاهرات السلمية هي أكثر ما يزعج النظام ويعري إجرامه وينسف كذبه بأنه يواجه إرهاب مسلح، فهي تؤكد أنه لولا القتل والفتك والظلم لبقيت الثورة سلمية، وما كان تحولها إلى مسلحة إلا من باب الدفاع عن النفس.

ويعتقد الناشط عبد النور أن الزخم المدني والسلمي للثورة سيستمر، خاصة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، ولن يخبو أبدا لأنه الهوية الحقيقية للثورة والتعبير الأمثل عنها، وما فترات انحساره إلا لظروف قاهرة واستثنائية.

مقومات الاستمرار
يؤكد الناشط عبد النور مرة أخرى أن الحراك السلمي للثورة، لم يتوقف في المناطق المحررة، ولكنه يتفاوت في ارتفاع حدته أو خفوته حسب المعطيات والتطورات، ويرى أن توقف الحرب هو أبرز عامل لعودة الزخم الطبيعي للحراك، وهو ما تدركه إيران ونظام الأسد على وجه الخصوص، لذلك فإنهما مصران على الحسم بالخيارات العسكرية. 

ويعتبر أن منظمات المجتمع المدني السوري هي المعني وصاحب المصلحة الأول باستمرار الحراك السلمي وعليها التمسك بشكل قوي بهذا الخيار لأنه قد يكون السبيل الوحيد لتحقيق أهداف الثورة وتطلعات السواد الأعظم من السوريين.

وأما الباحث حوراني فلديه رأي مختلف بعض الشيء، فعدم تغيرّ العقلية والذهنية الاستبدادية المتغطرسة لنظام الأسد وإمعانه في القتل ونكصه لعهوده ووعوده للهيئات الدولية بالنسبة للمعتقلين والمفقودين وجماعات المصالحة، فضلا عن استشراس الفساد وتردي الأوضاع المعيشيّة في البلاد، كل ذلك سيزيد حكما – بحسب وجهة نظره- من زخم الحراك السلمي وغير السلمي من قبل جميع فئات السوريين وليس فقط قوى الثورة والمعارضة حتى الوصول الحتمي لإسقاط هذه المنظومة بشكل ناجز.

إقرأ أيضاً