حشود عسكرية وحراك سياسي هل حصلت تركيا على الضوء الأخضر في سوريا!

حشود عسكرية وحراك سياسي هل حصلت تركيا على الضوء الأخضر في سوريا!
العالم بعد ترامب ليس هو نفسه قبله، وكذلك طبيعة التحالفات والحراك الحاصل على كافة المستويات، حتى الأحداث اختلفت كثيراً وتسارعت وتيرتها، وتناقضت في كثير من تفاصيلها، فقواعد اللعبة تغيرت ولم تعد هي نفسها التي سادت على مدى سنين، تحالف الأضداد بات هو السمة الطاغية التي قد تصبح عنواناً للمرحلة المقبلة. 

ترتفع وتيرة التحدي عندما يتعلق الأمر بالمصالح الاستراتيجية والأمن القومي للدول، وهو ما يدفعها للإنقلاب على الكثير من المفاهيم والسياسات التي خطتها لنفسها وسارت عليها لعقود، هدفها من ذلك تحصين أمنها القومي والإستفادة القصوى من المتغيرات الجيوسياسية إقليمياً وعالمياً، وهو ما يمكن إسقاطه على تركيا، التي حاولت ومنذ البداية النأي بنفسها عن إرتدادات الأزمة السورية، لتكتشف لاحقاً أنها مرغمة على التعاطي مع العديد من الملفات جملة واحدة.

تعتقد تركيا اليوم أنها تمتلك فرصة ذهبية للمضي قدماً في هدفها الرامي لتامين الشمال السوري من خطر مشروع الإنفصاليين الأكراد، وما سيتركه من أثر على وحدة أراضيها، حيث تعززت حظوظها بوصول ترامب لسدة الرئاسة في الولايات المتحدة، فترامب المسكون بالهاجس الأمني المتمثل بخطر الإرهاب الإسلامي المزعوم ومحاولة إبعاده عن حدود بلاده، تعهد بالعمل على إنشاء مناطق أمنة في سورية، وصرح علناً أنه سيمضي قدما في مشروعه الذي طالب دول الخليج العربي التكفل بتمويله.

لعل السِّمة الرئيسية للمشهد السوري تتمثل في ازدياد تعقيداته مع مرور الزمن، وهو اليوم أكثر تعقيداً مما كان عليه حتى قبل عدة شهور، فتغير الأجندات ووصول ترامب لسدة الحكم وظهور لاعبين جدد على الساحة أسهم في تحول المشهد من حرب ضد نظام يقتل ويدمر ويهجر، إلى حرب على ما يسمى الإرهاب، لتعاد صياغة التحالفات التي قد تحول أعداء الأمس لأصدقاء وإن بشكل غير معلن.

الإحتراب الفصائلي في سورية بين عدد من التنظيمات الجهادية من جهة والثورية من جهة أخرى، دفع باتجاه جعل الأولوية لمواجهة خطر الإسلام الراديكالي، وبالتالي فإن جهات دولية وإقليمية عديدة تضغط بهذا الإتجاه، قبل المضي في أية تسوية سياسية.

تركيا وعلى مدى سنين إكتفت بمشاهدة تنظيم الدولة الإسلامية وحزب العمال الكردستاني بجناحه السوري يتصارعان ويستنزفان بعضهما البعض، لكن الدعم الذي تلقاه الأكراد من روسيا والغرب عموماً والولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً، وما حققه الأكراد من تمدد في الشمال السوري، كان كفيلاً بإجبارها على النزول إلى الساحة والتضحية بكثير من الشعارات التي رفعتها، فباتت أقرب للتخلي عن مطلب إسقاط الأسد، ودخلت في مواجهة مفتوحة مع تنظيم الدولة الإسلامية، وتعمل على دخول البيشمركة الكردية السورية إلى الساحة كبديل عن وحدات حماية الشعب العدو اللدود لها، وهي كذلك تعمل على دمج الفصائل الموالية لها بما يسمى الجيش الوطني السوري، الذي سيكون من أولى أولوياته قتال الجماعات المصنفة إرهابية.

معركة الرقة وبضغوط أمريكية – روسية قد تسهم في إيجاد قواسم مشتركة بين قوات درع الفرات من جهة وقوات سورية الديموقراطية "قسد" التي تقودها وحدات الحماية من جهة أخرى بدل حالة العداء، وذلك نظراً للحاجة الماسة لتظافر كافة الجهود والتنسيق فيما بينها، وهو ما يمكن أن نستشفه من الحراك السياسي الحاصل على الساحة.

بالنسبة لتركيا فإن معركة الباب باتت قاب قوسين أو أدنى من الحسم، وباتت تضع عينها على مدينة منبج الخاضعة لسيطرة الأكراد، وتعلن في نفس الوقت جاهزيتها للتعاطي مع ملف الرقة بجدية، وأنها تطمح لقيادة معركة السيطرة على عاصمة تنظيم الدولة في سورية، وأن طموحها هذا ليس مجرد أمنيات، فهي قدمت بالفعل خطتا عمل عسكريتان لإدارة الرئيس ترامب، وتقضي بمشاركة الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية مدعومين بوحدات من المارينز ودعم لوجستي وجوي أمريكي، أما في حال رفضت الإدارة الأمريكية المشاركة بقوات على الأرض فإن الخطة الثانية تقضي بالاستعاضة عن ذلك بإرسال مستشارين عسكريين وتقديم دعم جوي ولوجستي.

على عكس ما هو رائج، فإن ما تطمح له تركيا، ليس الدعم الأمريكي ولا حتى مشاركة قوات أمريكية على الأرض، فجل اهتمامها يتمثل في الحصول على ضوء أخضر أمريكي، وذلك لجهة تحييد وحدات الحماية الكردية التي تقود ما يسمى قوات سورية الديموقراطية، التي هي خليط من الكرد والعرب والأشوريين واليزيدين، فتيار الجربا المعروف باسم سوريا الغد، بات أحد أهم الجهات المحسوبة على العرب والمنضوية تحت راية قوات سورية الديموقراطية، وهو ومنذ تأسيسه يحظى برضى غربي – روسي ودعم من قبل بعض الأطراف العربية، التي ربما تكون قد زادت من وتيرة دعمها للتيار مؤخراً، ما دفع الجربا للتصريح مؤخراً بأنه مستعد للمشاركة في معركة السيطرة على الرقة بثلاثة آلاف مقاتل عربي.

في الشق السياسي من التحرك التركي يمكن ملاحظة اجتماع رئيس الوزراء التركي مع نائب الرئيس الأمريكي على هامش مؤتمر الأمن الدولي في ميونخ الألمانية، واجتماعه كذلك مع رئيس أقليم شمال العراق مسعود بارزاني بحضور وزير شؤون الاتحاد الأوروبي وكبير المفاوضين الأتراك عمر جيليك، ووزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، ورئيس الاستخبارات التركي هاكان فيدا، حيث انتهى الاجتماع بحسب وكالة الأناضول، بالتأكيد على التزام الجانبين بمكافحة الإرهاب، لكن اللافت كان تصريح البارزاني الذي قال في معرض رده على أسئلة الصحفيين: إنه "سيدعم عودة قوات البيشمركة السورية إلى مناطقهم وأن أكراد سورية لا ينتمون لتنظيم (ب ي د) الإرهابي، ولهم الحق أيضا بالتواجد في مناطقهم، ونحن سندعم ذلك.

تصريحات البارزاني هذه كانت لافتة كونها مؤشر قوي على قرب دمج ما يسمى البيشمركة السورية التي دربتها تركيا في قاعدة بعشيقة العراقية، ضمن قوات التحالف المشاركة في عملية الرقة وذلك كبديل عن وحدات الحماية الكردية التي يقودها صالح مسلم والتي تعتبر الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني (بي كا كا)، وهي بلا شك دعم كردي لتركيا في معركتها ضد وحدات الحماية والصراع على النفوذ وإدارة مناطق شمال سورية.

وزير الخارجية التركي بدوره كان له تحرك لافت حيث اجتمع مع نظيره الأمريكي ريكس تيلرسون، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ووزير الخارجية الكندي كريستا فريلاند، ووزير الخارجية الإيطالي أنجيلينو ألفانو، ووزير الخارجية الياباني فوميو كيشيدا، ووزير الخارجية الفرنسي جان مارك ايرولت، وكذلك مع وزير الخارجية الإيراني ظريف، والقيرغيزي أيرلان عبدالداييف، والأردني أيمن الصفدي، والممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة والأمنية فيديريكا موغيريني. 

الحراك التركي بما فيه زيارة الرئيس إردوغان لكل من البحرين والسعودية وقطر، إضافة للاجتماعات التي عقدها مسؤولون سياسيون وعسكريون أتراك، جميعها تشير إلى أن تركيا قد قررت المضي بعيداً وحتى النهاية في خطتها الرامية لبسط نفوذها في سورية، لذلك فإنها لا تضيّع فرصة في الحصول على دعم وتأييد دولي وإقليمي ربما تكون قد حصلت عليه. 

تركيا مهتمة جداً بمسألة تحييد وحدات الحماية الكردية في سورية، وتعمل على عزلهم أو تحييدهم في أسوأ الحالات، وبحيث لا تكون أي من المناطق الأمنة في الشمال السوري خاضعة لنفوذهم، لكن الأمر اللافت للنظر والذي بدأ يطفوا على السطح مؤخراً، هو غياب مسألة التنسيق الروسي – التركي، ما يعطي الإنطباع بتوتر في العلاقات بين البلدين، حيث تجلى هذا التوتر في إستهداف روسيا لموقع تركي في محيط الباب ما أدى لمقتل ثلاثة عسكريين وجرح 15 آخرين، فحتى اعتذار روسيا والعزاء الذي قدمه بوتين لأروغان، لم يفلحا في إزالة التوتر الناجم عن الحادثة حيث أكد الأتراك أنهم سلموا إحداثيات قواتهم باليد لضباط ارتباط عسكريين روس.  

 تصريحات المسؤولين الأمريكيين بما فيهم نائب الرئيس، تعتبر تحولا نوعيا في مسار السياسة الأمريكية وتخلياً من الرئيس ترامب عن بعض ما كان يعتبر ثوابت سياسية لإدارته، فالتطمينات التي ساقها نائب الرئيس الأمريكي للاتحاد الأوروبي من أن أمريكا ملتزمة بحلف الناتو وضمان أمن أوروبا، بالإضافة لما تمخض عنه مؤتمر الأمن العالمي في ميونخ من إلتزام بمحاربة الإرهاب، إضافة لنية ترامب المضي قدما في مشروع إنشاء المناطق الأمنة، والتصريحات الأمريكية المناهضة لإيران ووصفها براعي الإرهاب الإقليمي، جميعها عوامل تصب في مصلحة تركيا التي ربما تكون علاقاتها بإيران قد دخلت مرحلة حرجة ومتوترة، وذلك على خلفية التصريحات والتصريحات المضادة.

مؤتمر ميونخ لم يتطرق لمسألة حل الأزمة السورية كونها أحد أهم عوامل زعزعة الاستقرار العالمي، لكنه اكتفى بالحشد لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، بحسب تصريحات المستشارة الألمانية، وهو ما يعتبر هروباً من استحقاقات الحل ومعالجة الأسباب إلى معالجة النتائج، الأمر الذي لن يسهم سوى في تعميق الأزمة وزيادة تعقيداتها لتدخل في متاهات جديدة خاصة في ظل التكهنات بتدخل أردني محتمل في تدمر وجنوب سورية.  

التعليقات (1)

    أحمد

    ·منذ 7 سنوات 3 أشهر
    مقال مميز شكراً لكم .....
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات