لوبيات الإعلام وحرية الرأي المزعومة!

لوبيات الإعلام وحرية الرأي المزعومة!
يدين بشار الأسد في بقاءه على سدة الحكم كل هذا الوقت، للدول الكبرى التي إعتمدت بدورها على وسائل الإعلام لتلميع وتبييض صورته أمام مجتمعاتها، ومنعها من الضغط على حكوماتها، بل وتصويره كرئيس "موديرن" يحارب الإرهاب نيابة عن الغرب، حتى رغم تدميره لسورية وتهجيره ملايين البشر وإرتكاب مجازر يندى لها جبين البشرية، إنها لوبيات الإعلام التي تصنع الرأي العام.

إذا كان لقب السلطة الرابعة يطلق مجازاً على الصحافة ووسائل الإعلام، فإن "الرأي العام" بات يستحق لقب السلطة الخامسة، وربما الرابعة التي سقطت سقوطاً مدوياً أمام حدثان مهمان، الأول تصويت البريطانيين في حزيران \\ يونيو من هذا العام على خروج المملكة من عضوية الإتحاد الأوروبي. أما الثاني فقد كان الفشل بتوقع فوز دونالد ترامب بإنتخابات الرئاسة الأمريكية، التي جرت بتاريخ الحادي عشر من شهر تشرين الثاني \\ نوفمبر.

لماذا الإعلام هو السلطة الرابعة؟

لأنها الأوسع إنتشاراً والأكثر تعاطيا مع الأحداث، ولأنها القادرة على صنع الرأي العام والتأثير فيه، ولأن كبريات مؤسساتها وشبكاتها كشبكة "سي إن إن" و"فوكس نيوز" وغيرها، تمتلك مراكز إستطلاع مؤثرة لا تفوّت حدثاً إلا وأشبعته نقداً وتحليلاً وتوقعاً لمآلاته، عدا عن إجراء الأبحاث وإستطلاعات الرأي، التي أصبح الجميع يأخذ بها ويعتمد عليها في إستقاء المعلومات والأخبار والتوقعات.

ولإن كانت السلطات الحكومية الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية هي مصدر قرار الدول والحكومات، إلا أن الصحافة ووسائل الإعلام هي الأكثر تأثيراً على الشعوب، ومن هنا جاءت التسمية، التي كان ظهورها على يد المفكر الإيرلندي "إدموند بيرك" الذي ذكرها في سياق تحليله لطبقات المجتمع آنذاك، وهي رجال الدين والنبلاء والعوام، قائلاً: "إن المراسلين الصحفيين هم الحزب الرابع "السلطة الرابعة" الأكثر تأثيراً من كافة الأحزاب الأخرى، ولعل الفضل في إشهار المصطلح يعود للمؤرخ الأسكتلندي "توماس كارليل" من خلال كتابه "الأبطال وعبادة البطل" في العام 1841 حين اقتبس عبارات المفكر الإيرلندي "بيرك".

يمكننا القول إن السقوط المدوي لمؤسسات ومراكز إستطلاع الرأي، غير مبررٍ لسببين رئيسيين هما

الأول: أن إستطلاعات الرأي الفاشلة هذه، جرت في دول تعتبر رائدة في مجال حقوق الإنسان وحرية التعبير عن الرأي. 

الثاني: أن هذه المؤسسات والمراكز مُرخّصة وتمتلك كافة أسباب ووسائل النجاح، من ميزانيات كبيرة وخبرات متراكمة، إضافة إلى وجود الكوادر المؤهلة ووسائل الإتصال المتطورة.

  

لطالما اعتمدت الدول المصنفة ديموقراطية، إضافة للمنظمات، والهيئات، والمؤسسات، وحتى الشركات الكبرى، على عملية قياس الرأي العام، وسبر أغواره ومعرفة توجهاته، ومدى رضاه عن القرارات أو الخدمات والمنتجات، الأمر الذي يساعدها على رسم السياسات المستقبلية، وتحسين جودة الخدمات والسلع المقدمة، فأصبح إستطلاع الرأي، أشبه ما يكون باستفتاء مصغر غير رسمي، في حين لاتزال إستطلاعات الرأي في العالم العربي تنحصر في معظمها وإلى حد بعيد على مسائل التسويق التجاري.

تعتمد الأنظمة في دول العالم الثالث، على أجهزتها الأمنية، في قياس مدى رضى أو سخط شعوبها على سياسة الأنظمة الحاكمة، فتلجأ لبث إشاعة ما، ثم تقوم بسبر الآراء تجاهها، لهذا فإن مسألة قياس الرأي العام عملية في غاية الأهمية ومنذ القدم، حتى وإن لم يؤخذ أو يعمل بها مؤسساتياً على نطاق واسع وشفاف. 

من هنا فإن بعض الأنظمة التي تحاول تلمس طريق الديمقراطية أو إعتماد شفافية مؤسساتية، أو حتى تلك التي تمثل دور الديموقراطية، وإدراكاً منها لأهمية الرأي العام، قامت بإنشاء مراكز أبحاث ومؤسسات إستطلاع رأي، هدفها الظاهر إستطلاع آراء المجتمع حول سياسات الدولة، وقضاياها المهمة، لكنها ضمنياً تعمل على توجيه الرأي العام لهذه المجتمعات، وبما يتناسب مع سياساتها.

بعض هذه المراكز تُعرّفُ الرأي العام، على أنه الرأي الذي أجمع عليه غالبية أفراد وقطاعات المجتمع، بعد "مناقشة" عدة آراء مختلفة، وهذا لعمري قمة الإسفاف والاستخفاف بعقول الناس، ولا هدف له إلا تدجين الشعوب وإدخالها حضيرة الطاعة، طوعاً لا كرها وبأسلوب حضاري، يجبرها على تقبل الواقع مهما بلغت درجة سوءه، لذلك فإن الرأي العام الذي ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار، هو رأى الأغلبية، مع عدم التقليل من شأن الآراء المخالفة له.

يمكننا أن نعرِّف الرأي العام على أنه التعبير العلني والصريح، الذي يعكس وجهة نظر أغلبية مجتمع محلي ما، تجاه قضية تهم كافة أفراده، وتؤثر على حاضرهم ومستقبلهم، والرأي العام كما صنفته العديد من الأبحاث والدراسات ينقسم لأنواع، فهناك الرأي العام القائد، ويتمثل بالشريحة المثقفة الواعية التي تقود المجتمع، وهناك الرأي العام المتعلم، وهو الشريحة التي تقرأ وتستوعب المعلومة، وهناك الرأي العام المنقاد، ويتكون من السواد الأعظم من الشعب. والرأي العام إما أن يكون ظاهراً كما هو حاصل في الدول المتقدمة التي يجاهر فيها الناس بآرائهم دون خوف أو وجل، وإما أن يكون باطنيا سرياً، كما هو حاصل في الدول التي تحكمها أنظمة ديكتاتورية مستبدة.

إحتكار أنظمة العالم الثالث للإعلام من أجل توجيه الرأي العام الوجهة التي تريدها، يقابله إحتكار لوبيات الضغط في الدول المصنفة ديمقراطية، لهذه المؤسسات، بحيث يتم تسخيرها كوسيلة لغسل عقول وأدمغة الناخب، وتوجيهه الوجهة التي تريدها، ولكن بشكل لا يكشف عن تدخل في مجريات الأحداث، ولعل أبرز مثال حي على هذا الأمر هو إستطلاعات الرأي التي أجرتها كبريات المراكز الأمريكية قبل وأثناء إنتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة التي فاز فيها ترامب.

 

يقدر حجم صناعة بحوث الرأي العام في العالم بنحو 20 مليار دولار أمريكي، حيث بات لها شركات ومؤسسات ومراكز متخصصة، تعتمد عليها مراكز صنع القرار العالمي، والحكومات وحتى المؤسسات والمجتمعات المحلية، لكن هذه الصناعة مُنيت بنكسة كبيرة من خلال فشلها في توقع نتائج تصويت البريطانيين على الخروج من الإتحاد الأوروبي، وتوقع نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة، وهو ما طرح أكثر من علامة إستفهام حول طبيعة عمل هذه المراكز ومدى شفافيتها وصحة توجهاتها وحتى أجنداتها.   

لعل أهم ما يمكن الحديث عنه في مسألة تأطير عمل هذه المراكز وفشلها مؤخراً، هو إختلال المعايير المهنية والبحثية، وعدم الالتزام بأخلاقيات البحث العلمي، لجهة توظيف أو تحوير نتائجه لصالح أيديولوجيا معينة، أو توجه سياسي ما، أما الأمر الآخر المهم والذي يطرح نفسه تلقائياً، هو هل تعمل هذه المراكز على فبركة نتائجها وبما يتماهى مع نتائج إنتخابات سابقة مثلا؟ وفي حال إفترضنا هذا، فهل هو نتيجة توجه إيديولوجي ما؟ أم أنه كان نتيجة عزوف الأفراد عن المشاركة في الاستطلاعات؟ أم أن هذه المراكز تأخذ وتنقل عن بعضها البعض؟

لقد مثل الفشل الكبير لهذه المراكز والمؤسسات، فضيحة أضرت بمصداقيتها، خاصة وأن بعضها مؤسسات عريقة ذات شهرة عالمية، فهي وبعد فشلها هذا، تعاملت مع فوز ترامب مثلاً وكأنه كائن فضائي هبط علينا من السماء فجأة. 

من السذاجة بمكان إغفال الدور الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، خاصة وأنها باتت مرآة تعكس أراء الشارع ومزاجه العام الحقيقي، إضافة للكم الهائل من المعلومات التي تقدمها فور حدوثها، وهو ما ساهم في خلط الأوراق وتغيير آراء الناس بين ساعة وأخرى، بل وحتى توجيهها، وذلك إعتماداً على مصداقية مواقع ومؤسسات وأشخاص يعتبرون موثوقين بالنسبة للجمهور.

استطلاعات الرأي وإلى وقت قريب، كانت تستند إلى معطيات واقعية، فالرأي العام لم يكن عرضة للتغير السريع بين ليلة وضحاها، أو حتى بين لحظة وأخرى، كما أنه لم يكن يتأثر بالكم الهائل من المعلومات التي يجري ضخها عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصال الحديثة التي تنقل الخبر لحظة وقوعه!

الاحتكار الحكومي ورقابة الدول ومنع تداول الأخبار أو النقاش الحر، يعطي نتائج عكسية في كثير من الأحيان، ويفتح الباب واسعاً أمام الآخرين لتقديم إستطلاعات وبحوث غير حقيقية، يمكن توجيهها بما يخدم أجندات الآخرين خاصة عندما يتم الإعتماد على مراكز ومؤسسات خارجية، بغض النظر عن أسمائها ومدى دقة عملها وصحة نهجها، فزمن العولمة فتح المجال أمام سيطرة اللوبيات على مختلف نواحي الحياة، وعلى رأسها وسائل الإعلام، فمكنها من صنع القرار. 

لعل أحد اهم الأخطاء التي قد نقع فيها كشعوب وأنظمة ومؤسسات، هو الثقة المفرطة والقداسة التي نمنحها لنتائج دراسات أو إستطلاع رأي، تقدمها مؤسسات تعتبر مرموقة، فيتم الأخذ بها وإعتمادها، كحقائق ومسلمات لا يمكن مناقشتها أو الطعن فيها. 

السقوط المدوي لكبريات مراكز إستطلاع الرأي التي بات معظمها مؤدلجاً، أسهم في تسليط الضوء على عدد قليل من المؤسسات التي نجحت في توقع نتائج صحيحة لبعض الأحداث، ومن ضمنها شركة جديدة إسمها شركة "براندس آي" ومقرها جنوب أفريقيا، حيث تعتمد في دراستها ونتائجها على تحليل التدوينات في وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال نظام حسابي كمبيوتري يصنف شعور المستهلكين إزاء الحدث الذي تقوم بدراسته.

هذه الشركة نجحت في توقع فوز ترامب، والتصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو ما دفع العديد من الجهات، لطلب الاستعانة بخبرات هذه الشركة مستقبلا، حتى مراكز إستطلاع الرأي باتت مهتمة بهذه الطريقة، خاصة تلك المراكز التي تواجه صعوبة في الوصول إلى مستخدمي الهواتف الخلوية أو غير الراغبين بإبداء رأيهم حيال الأحداث.

يمكننا القول إن الرأي العام ونتيجة للعولمة والطفرة التكنولوجية الهائلة في مجال الاتصالات، قد أصبح السلطة الأقوى، في حين أن عملية إستطلاع الأراء باتت هي المحرك الدافع لهذه السلطة والمتحكم فيها، رغم ما يصاحبها من عيوب أو أخطاء، لا يجب أن تبرر شيطنتها، ولا قيام العديد من الأنظمة بتخويف الشعوب وصولاً إلى مصادرة رأيها والحجر على حريتها وحقها في التعبير، وعملية إستطلاع الرأي مهمة جداً، كونها المرآة التي تعكس آراء المواطنين، وتسمح بخلق تفاعل صحي بين الشعوب والأنظمة.

حرية الفكر والإعتقاد، والإجتماع، والإتصال، وتبادل الآراء والأفكار ونشرها، حق أساسي للإنسان كفلته كافة الشرائع السماوية والقوانين الوضعية.

التعليقات (1)

    م أسامة

    ·منذ 7 سنوات 6 أشهر
    في زمن الولمة نحن أقوياء لكننا لم ندرك بعد مكمن قوتنا ولهذا سنبقى مسيرين
1

الأكثر قراءة

💡 أهم المواضيع

✨ أهم التصنيفات