عوامل التشابه والاختلاف بين الشمال السوري وغزة.. فهل يشتركان بالمصير؟

عوامل التشابه والاختلاف بين الشمال السوري وغزة.. فهل يشتركان بالمصير؟

لعل الشارع السوري المعارض هو أكثر من يشعر بمأساة الفلسطينيين في غزة، إذ تتشابه ظروف المنطقتين، بل تكاد تكون جغرافية واحدة، من حيث ظروف الحصار والانعزال المفروض على كلا المنطقتين، وحالة الاغتراب والتهجير والشتات الممتد لأصقاع مختلفة، ونموذج استخدام القوة العسكرية ضد الشعبين وحالة التخاذل الدولي إزاء ما يحدث، إضافة للحالة المعيشية المتأزمة المشتركة، وشكل الفصائل العسكرية العاملة.

موقف الشارع السوري

منذ الأيام الأولى للحرب الإسرائيلية على القطاع تشكّلت صورة مسبقة في ذاكرة السوريين في شمال سوريا الذي يقبع فيه أكثر من 4.1 مليون نسمة يشكل 85 بالمئة منهم القاطنون ضمن المخيمات، وتمثّلت الصورة في مشاهد تدمير المنازل وتشريد ساكنيها ثم تهجيرهم نحو الداخل في أقاصي الشمال أو الخارج في دول الجوار وأوروبا، فالسوريون يمتلكون دوافع متجذرة للخوف والقلق على غزة، أولها طرد السكان وإجراء عملية تغيير ديمغرافي دائم وهو ما خبروه منذ اندلاع ثورتهم ضد ميليشيا أسد، ثم استجلاب تركيبة شيعية من بلدان عديدة موالية للنظام الحاكم، أما الثاني فهو توقّعُ تعميم سياسة القضم في القطاع كما جرى في الشمال السوري وتحديداً في إدلب التي كانت تحتفظ بحواضر سكانية وإستراتيجية تعد من صلب التركيبة المعارضة كمعرة النعمان وسراقب ومناطق واسعة في شمال حماة.

يمكن اعتبار أن أغلبية الفلسطينيين في غزة هم من أبناء وأحفاد أكثر من 700 ألف لاجئ تعرضوا لعمليات ترحيل قسري وطرد من منازلهم خلال حرب 1948، ليصبحوا لاجئين دائمين، وهو ما يتكرر الآن مع فرار العائلات في القطاع من الشمال والوسط نحو الجنوب باتجاه الحدود المصرية، في موجة نزوح هائلة متزامنة مع موجة نزوح سورية ثالثة أو عاشرة في الشمال الأقصى.

في حديثه لأورينت نت، قال مدير مكتب الإعلام في مجموعة "العمل من أجل فلسطينيي سورية"، فايز أبو عيد، إن ردود الحاضنة المعارضة الشعبية في الشمال السوري تجاه ما يحصل في غزة كانت إيجابية، رغم أن إجرام النظام ودفع الأهالي هناك للنزوح لم يتوقف، فالسوريون والفلسطينيون في الشمال السوري يعرفون تمام المعرفة معنى هذه الحرب التي ذاقوا حنظلها، وهم يعون تماماً بأن الوجع واحد والجرح واحد والظروف المأساوية التي يمرون بها هم وأهل غزة من قتل وحصار وتهجير وتشريد هي نفسها وإن اختلف مرتكبها، لذلك انحازوا بشكل كبير للشعب الفلسطيني ورفضوا ما يجري لهم من قتل وتهجير وتدمير لبيوتهم وإبادة جماعية لهم، فخرجوا في مسيرات غاضبة تعبر عن ذاك التضامن والأخوة التي تربطهم. 

وتابع أبو عيد، إن السوريين في الشمال السوري ورغم ظروفهم المأساوية، ورغم أن 90 بالمئة منهم يقع تحت خطر الفقر، إلا أن تلك الأسباب لم تمنعهم من إطلاق حملات تبرع في مختلف المناطق من أجل نصرة غزة، والتخفيف من مأساتهم، وهذا الأمر ليس غريباً على الشعب السوري الذي كان يجود بكل ما يملك من أجل نصرة قضايا أمته العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

فصائل المعارضة وفصائل غزة

تختلف الحالة الفصائلية في الشمال السوري عن الحالة الفلسطينية في غزة، إذ يمكن القول أن جميع الفصائل العسكرية في الشمال السوري لا تمتلك تصورات أو مشاريع سياسية، داخل بقعة صغيرة ساهموا باستنزافها بشكل كبير، مع ما باتت تتصف به هذه الفصائل أيضاً من طابع الاقتتال المستمر ومنهجية الإقصاء والتبعية المفرطة والبحث عن مصادر تمويل خاصة لها يُوضع عليها عشرات إشارات الاستفهام، وهو ما حدا بالحاضنة الشعبية لحالة توجس متصاعدة تجاههم يوماً بعد يوم، بالمقابل فإننا نرى حالة مغايرة في غزة من حيث تنظيم الفصائل نفسها منذ الانسحاب الإسرائيلي من القطاع في العام 2005، وتشكيلها ضمن القطاع إدارة محلية لأكثر من مليوني مدني، إضافة لقدرتها العالية على مجابهة إسرائيل في أكثر من عدوان، لما تتمتع به من قدرات تنظيمية عالية كالتسليح وحفر الأنفاق والتدريب والعمليات النوعية.

يتفق الناشط السوري معتز ناصر، في أن فصائل غزة أكثر تميزاً لأنها أكثر عقائدية، ولا تحاول أن تخفي هويتها ودوافعها، ونبتت من أرض المعاناة الشعبية الفلسطينية، ولم تُزرَع زرعاً فيها بأيدٍ خارجية، إذ استفادت من تجربة تاريخية طويلة، واستطاعت أن تعمل بحرية نسبية بعد تصفية أذرع التنسيق الأمني مع إسرائيل التابعة لسلطة أوسلو في غزة، والتي كانت تعيث فيها فساداً، وتضرب الفصائل نيابة عن إسرائيل.

و"تَوَضَح أن فصائل غزة قدّمت لإيران بعض المواقف السياسية والإعلامية الداعمة التي خسّرتها الكثير من سمعتها وحضورها في محيطها العربي السني، ولكنها بالمقابل لم تؤجّر قرارها بالكامل لها، ولم تُرهن قضيتها لدعمها السخي المبذول"، حسب حديث ناصر لأورينت نت.

ونوّه إلى أن "فصائل غزة لم تتوقف عن موضوع الإعداد والتجهيز على كافة المستويات، وقد تجلّى ذلك في مناورات الركن الشديد المشتركة بين جميع الفصائل، والتي حاكت اقتحام مستوطنات ومواقع عسكرية إسرائيلية قبل عملية طوفان الأقصى".

وتطرق ناصر للفصائل السورية والذي رأى أن معظمها أضاع البوصلة، وتورط كثير منها بأفعال مشينة وغير أخلاقية تضر الثورة، كما رهنت نفسها لأوامر المترجم، وتعليمات المعلم، دون مكسب حقيقي، مع فشلها التام بالاتفاق على أي شيء موحد، مع تصدر غير الأكفاء، وغير المؤهلين لقيادتها، لكن مع ذلك فإن بوصلة التصحيح لا تزال تعمل عند البعض، ونراهن على ذلك في تقويم الاعوجاج.

لاقت قضية غزة تعاطفاً أكبر مقارنة بالقضية السورية ساعد على ذلك قدمُ القضية نفسها، وتوصيفها كاحتلال إجرامي خارجي، واتفاق أبناء القضية على مناصرتها، إلى جانب أهمية إسرائيل كطرف بالصراع أعطاها صدى دولياً واسعاً، في حين أن الثورة السورية اعتبرت حدثاً غير محبب عند الأنظمة السياسية وخاصة القمعية منها، وإدراج قضيتها دولياً تحت بند الصراعات الأهلية والداخلية، فضلاً عن أنها ليست محل إجماع عند السوريين كون أن الصراع بين مكونات سوريّة انقسمت الولاءات بينها، كما أنه لا يمكن إنكار حملات التشويه للثورة التي جعلتها تخسر تعاطفاً كبيراً عبر وصمها بالدعشنة والتطرف.

التعليقات (0)

    0

    الأكثر قراءة

    💡 أهم المواضيع

    ✨ أهم التصنيفات