أساس راتب... سليماني!

  • جريدة الراي- علي الرز
  • تاريخ النشر: 2018-02-10 23:40

كلمات مفتاحية

في الشركات والكيانات التجارية الكبرى والعملاقة، يتقاضى المدير التنفيذي الناجح راتباً أساسياً مربوطاً بسلسلة مزايا، منها المكافأة السنوية (بونص)، وزيادات تتعلّق بتحقيق الأهداف وتكبير المَبيعات والترويج والتسويق وحجْم الانتشار، إضافة إلى سلسلة بدلاتٍ مثل السفر والتمثيل والضيافة والمناطق النائية والمَخاطر والسهر ليلاً ومواصلة الدوام.

شركاتٌ بعيْنها تضع موازنةً خاصة في تَصرُّف المدير تحت بند «مصاريف سرّية»، كي لا تَدْخل في النظام الرقابي لأوْجه الصرف، وهي مخصصةٌ مثلاً لتمويل حملةٍ إعلاميةٍ من تحت الطاولة بغية ضرْب مُنْتَجٍ معيّن أَطْلَقَتْه شركةٌ مُنافِسة، أو لدفْع رشاوى لمسؤولين في أجهزةٍ معيّنة لتمريرِ صفقةٍ أو ترسيةِ مناقصةٍ، أو لشراءِ ولاءاتِ مديرين وعناصر في شركاتٍ أخرى لمعرفة سياساتها الإنتاجية والتسويقية، أو - كما حصل في إيطاليا وبعض دول أميركا اللاتينية - دعْم مافيات وعصابات مُنَظَّمة بهدف تخويف المُنافِسين ورجال كبار في السلطة من وزراء وقضاة وضبّاط بأن التعرّض لبعض التجاوزات قد يكون ثمنُه الاغتيال أو التهميش.

إذا قلبْنا الطبيعة التجارية وتحدّثنا عن الكيانات السياسية والأمنية الكبرى والعملاقة وتوقّفْنا عند ما أُعلن من تقاضي قائد (مدير تنفيذي) «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني قاسم سليماني 1250 دولاراً في الشهر راتِباً أساسياً، نلحظ أن استهجان الرقم لدى العامة فيه شيءٌ من التَسرُّع والسطحية، ويمكن للمقرّبين من الرجل أن يثبتوا ببساطةٍ شديدة صدقية الراتب مشفوعاً بورقٍ رسمي من الهيئات المالية المختصة.

وبما أن إيران كيانٌ عملاق يريد التوسّع إقليمياً وحصْد الأرقام الصعبة عالمياً، كان لا بدّ من مزايا وبدلات تُرافِق رواتب قادتها، وأهمّهم سليماني الذي يتولى عملية ترويج المُنْتَج العقائدي والسياسي والفكري والثوري والأمني عبر إدارته التنفيذية لـ«فيلق القدس»، وهي المؤسسة التي تتولى ظاهرياً دعم المُسْتَضْعَفين في كل العالم وعملياً توسيع الإمبراطورية في كل الاتجاهات الإقليمية بحيث تكون لها السيطرة الكبرى على أسواق السياسة وساحات الأمن عبر إنهاء المُنافِسين وإنهاكهم والتفاوض مع الدول الكبرى من موقع القادر المتمكّن.

ولا شك في أن سليماني الذي مُنح رتبة فريق بدل لواء يَعتبر الترقية الحقيقية تسمية المرشد علي خامنئي له بـ «الشهيد الحيّ»، فهذه دونها أثمان وبدلات ومزايا الدنيا كلها، لأنها جمعتْ بين الجنة والأرض. إنما بعيداً من ذلك، فالمنطق يقول إن أساس راتِب الرجل لا يمكن فصْله عن البدلات والمزايا التي استحقّها بحُكْم عمله على رأس «الفيلق» طوال 20 عاماً. فهذه القوة التي بدأتْ بمئات العناصر وكان مدارها محصوراً في العراق بدايةً وتنفيذ عمليات انتحارية ضدّ مصالح أميركية وإسرائيلية، صارتْ جيشاً كاملاً يضمّ عشرات وربما مئات الآلاف من أفغانستان إلى غزة، فيما يتجاوز مدارُ عملِها الفعلي هذه المساحة إلى الخليج وافريقيا وأوروبا والأميركيتين... فبدَلات التوسع والانتشار أرقامُها فلكية وخصوصاً أن العمل انتقَل من المحلّي إلى القاري في أقلّ من عقديْن.

هذا «البونص» ليس كل شيء، فالرجل حقّق من الأهداف الموضوعة في بندِ المزايا ما لم تكن إيران نفسها تتوقّعه. انتقلَ من السيطرة على المناطق والأحياء إلى السيطرة على الدول نفسها مثل العراق وسورية ولبنان وغزة، وما زال يحاول في اليمن والبحرين. فتحَ «أسواقاً» جديدة بضمّ مقاتلين من أفغانستان وبنغلاديش وباكستان وبعض جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق مُغْرِقاً العراق وسورية بهم، مع تدوير الوظائف والمهمات لكسْب الخبرات مثل إرسال مقاتلي «حزب الله» إلى العراق وإرسال عراقيين إلى سورية.

لم تَشْهد إيران في تاريخها ترويجاً لـ «مُنْتَجِها» بإدارةٍ تنفيذية كالتي يقودها سليماني. زادَ «المبيعات» عبر حملةِ تسويقٍ غير مسبوقة مربوطة فوراً بالتهديد والتهديم والدم. رجلٌ لا يؤمن بقيَم المنافَسة ولا حتى بالتعاون. يَقْبل فقط بالانصياع وتنفيذ الأوامر. بدلات الخطر والسفر والسهر ومواصلة الدوام مستمرّة لديه على مدار العام لأن موقعه يفرض عليه البقاء الدائم خلف المتاريس لا الكواليس، وبدلات التمثيل واضحة مع سقوط القرى والمدن وضحايا الصواريخ والطائرات، وبدلات الضيافة تتعاظم مع فتْح الصدور قبل البيوت للفاطميين والزينبيين والعصائب وكتائب أبو الفضل العباس والنجباء والخراساني و«حزب الله» والحوثيين، وبدلات المناطق النائية تُدفع مُقَدَّماً كونها - بوصوله - لم تعد تنأى بنفسها عن إيران.

أما بند المصاريف السرية، وهو ما يقول المُنْتَفِضون الإيرانيون عنه إنه بمليارات الدولارات، فقد استَخْدَمَه الرجل على أكمل وجه. تمويلُ حملاتٍ إعلامية للتشهير بالآخرين والطعْنِ في ذممهم الوطنية وإلصاق تهمِ العمالة بهم أو دعْم التكفيريين. دفْعُ رشاوى مالية وسياسية لمسؤولين بغية تمرير مشروعٍ سياسيّ ما أو ترسية مناقَصة «تَوافُقية» على طرفيْن. شراءُ ولاءاتٍ من مختلف المذاهب والتيارات مقابل دورٍ أو نفوذ. استقطابُ مطبّلين ومهلّلين وملمّعين لمحور الممانعة، دعْمُ تنظيمات وأحزاب وميليشيات ومافيات وعصابات منظّمة بهدف تصفية معارضين وتخويف رجال كبار في السلطة.

في حِسبةٍ بسيطة، تدمير نصف العراق، زائد تدمير كل سورية، زائد احتلال قرار لبنان وغزة، زائد مأساة اليمن، زائد المساهمة الرئيسية في «دوْزنة» إطلاق وُحوش «القاعدة» و«النصرة» و«داعش» إلى ساحات الاعتراض لتغيير هوية المعارك، زائد التفجيرات هنا وهناك، زائد عمليات الاغتيال، زائد نصف مليون شهيد سوري وملايين الجرحى والمهجّرين، زائد تأسيس بيئةٍ ممانِعة طائفية في عددٍ من دول آسيا قد تنفجر قنابلها قريباً... تصبح زيادات الرجل وبدلاته والبونص السنوي بحجْم موازنةِ دولة، ولذلك على الجميع أن يصدّقوا أن أساس راتِبه هو 1250 دولاراً.

شارك برأيك

أضف تعليق (الحد المسموح 500 حرف)

تصويت
ما هو مصير الغوطة الشرقية؟
Orient-TV Frequencies