روسيا وإيران في اللاذقية..."الإخوة الأعداء"

  • اللاذقية – خاص - نهاد خضور
  • تاريخ النشر: 2017-07-28 17:53
على الرغم من تمكن الحليفين الروسي والإيراني من تحييد مدينة اللاذقية عن الصراع العسكري الدائر على الأراضي السورية منذ سنوات عدة، إلا أن المدينة ما زالت تشهد صراعاً من نوع آخر وأبطال مختلفين، فحلفاء السياسة المتفقون على إبقاء النظام ودفع الغالي والثمين لتثبيته، يتحولون إلى أعداء متحاربين على أرض هذه المحافظة الصغيرة في أعين ساكنيها، والكبيرة المقام بنظر الروس والإيرانيين.

المدينة الغارقة في الظلام لساعات طويلة في اليوم، وأسواقها التي تعاني نقصاً في كل شيء، تجسد للحليفين فرصة ذهبية للاستثمار في أكثر قطاعاتها حاجة، لاسيما قطاع الطاقة، مما جعلها مطروحة بقوة على بازار تأمين موارد الحياة الرئيسية لسكانها، والمقابل معروف بالطبع، حصول المستثمر الرابح على بضعة كيلومترات على سواحلها كقاعدة عسكرية.

التجربة الروسية
عندما وصل "أصلان بانييش" على رأس وفد تجاري روسي إلى سورية منذ عامين، فوجئ بحجم الفساد والبيروقراطية التي تنخر جسد هذه البلاد.
 "بانييش" الذي كان متحمساً لاستثمار الدعم الروسي العسكري لنظام الأسد ليحصل بدوره على مكاسب تجارية عاد أدراجه خائباً، وتخلى عن مشروع القرية الروسية السورية التي أطلقها بنفسه لتصدير المحاصيل السورية لروسيا لبيعها بسعر معقول هناك. 

يردد "بانييش" في جلساته الخاصة ان" الوسطاء السوريون المحسوبون على النظام لا يريدون العمل، هم يريدون الحصول على حصتهم من كل شيء دون بذل أي مجهود لمناقشة بنود الصفقات، أو لتحسين مواصفات البضائع والمحاصيل لتصبح صالحة للتصدير على الأقل".

تجربة "بانييش" أعطت الروس لمحة عن طبيعة العمل التجاري مع هذا النظام الذي جربوه أيضاً في مجال تأمين حفارات وخبراء لاستخراج نفط مزعوم سمعوا عنه من النظام نفسه، فمنذ عامين، ادعت محافظة اللاذقية اكتشاف بقع نفطية في منطقة "قنينص" على أطراف المدينة، فسارع الروس للاستيلاء على المكان بهدف استخراج ما أشيع عن توفره من ثروات، نصبوا حفارة ضخمة وبدؤوا بدراسة آلية الاستخراج، عملية ضجت بها البلاد كلها وكتب عنها الكثير، لكن وبدون سابق انذار ، وبمجرد المرور حالياً من منطقة "قنينص" ، ستجد الموقع مهجوراً، والحفارة متوقفة عن العمل، وكأن قراراً بإغلاق ملف استخراج الثروة قد اتخذ، دون إبداء أسباب، لم يأبه أحد بالبحث عنها أصلاً.

 ورغم الخيبات، لم يمتنع الروس منن البحث عن مجال آخر يحققون المكاسب عبره، فكان النقص الحاد في توفر الطاقة الكهربائية منفذاً جيداً لتحقيق بعض الأرباح لشركاتهم، فالروس أول من طرح فكرة تأمين مولدات للأمبيرات في المدينة وريفها، وتم بالفعل الاتفاق على أماكن وضع المولدات وطرق إيصال الشبكات للمنازل، لكن أسماء كبيرة محسوبة على النظام عرقلت المشروع، نظراً لعدم احتساب حصتها في الأرباح الخرافية بالنسبة لهم، مما تسبب بتعطيل التنفيذ، لتبقى مدينة اللاذقية غارقة بظلامها وصراعاتها التي دخلت إيران على خطها لتأخذ حصتها من كعكة الاستثمارات التي ما تزال قيد الإعداد حتى الآن.

إرضاء "حائكي السجاد"
لم تقف إيران بدورها مكتوفة الأيدي تجاه الخطط والمحاولات الروسية الآنفة الذكر، فالدولة الفارسية متغلغلة في صميم النظام ككل وليس فقط عسكرياً، سعت عبر خطها الائتماني الذي غطى قسماً كبيراً من حاجات السوق المحلية المختلفة لاسيما الغذائية والصناعية، وبقيمة مالية بلغت مئات ملايين الدولارات خلال سنوات الحرب، لتدخل عبر هذا الباب إلى عمق السوق السورية التي أغرقت بمنتجات إيرانية ذات جودة متدنية، لكنها تلبي، في الوقت نفسه، حاجة ملحة تفاقمت بعد خروج عدد كبير من المصانع السورية عن خارطة الانتاج خلال سنوات من القصف، مما جعل المواطنين يقبلون بأي شيء ومن أي مصدر، فالمهم أن تلبى حاجاتهم وحاجات أسرهم اليومية.

دخول روسيا العسكري المباشر على الأرض، وما تبعه من انخراط في المجتمع المحلي عبر توجهها الخيري وتوزيع سلال المعونة بشكل مجاني على أسر قتلى النظام في قرى اللاذقية، وتأمينها قسما من الأدوية اللازمة لمشافي المدينة التي تعاني بدورها نقصاً حاداً في الخدمات، مؤشرات جعلت الإيرانيين يستشعرون الخطر، خاصة وأن العلويين من مؤيدي النظام ميالون عاطفيا للروس، مما جعل مهمة الايرانيين أصعب خاصة وأنهم يقدمون خدماتهم مقابل أموال يدفعها النظام مباشرة، أو يؤجل سدادها إلى حين، لكن الإيرانيين المعروفون بالحاحهم ونزقهم، جربوا اقتحام ميدان الطاقة، مستغلين الحاجة الملحة للكهرباء، والتذمر الشعبي من عجز النظام عن ايجاد حل لتوفيرها، ففكرت إيران بتسيير سفن لتوليد الطاقة من البحر، ورست فعلاً أمام شاطئ وادي قنديل، ليستنفر مركز حميمم بكامله لإصدار أوامر للنظام بمخاطبة السفن الإيرانية للتراجع فوراً، وهذا ما فعله الإيرانيون على مضض، لتتبدد آمالهم في الحصول على موطئ قدم بحري على شاطئ الوادي الذي تعتبره روسيا محمية طبيعية خاصة بهم.

تراجع الإيرانيين تبعه صدام من نوع آخر مع النظام، الذي سارع لمراضاة إيران من خلال توقيع اتفاق منذ عدة أسابيع لمنحها حق استثمار موقع مقابل المنطقة الصناعية بهدف إنشاء محطة توليد كهربائية ستدار أعمالها وتمول بالكامل من قبل شركة "مينا" الإيرانية، وستعمل على الغاز الطبيعي باستطاعة 540 واط، حيث بدأ ممثلو الشركة بالتواجد فعلياً على الأرض لإنجاز الأعمال اللازمة بحيث تكون في الخدمة بعد 11 شهراً من تسليم موقع العمل، اتفاق جعل الروس متربصين لآخر  مماثل، ليتم ارضاؤهم بموقعين آخرين في كل من دمشق وحلب.

للصين حديث آخر
الصينيون أيضاً لم يغيبوا عن ماراتون الاستثمار في مدينة اللاذقية، الفيتو الذي رفع أكثر من مرة في مجلس الأمن، والوجود الصيني المحدود في البلاد لم يكن عبثياً، فها هم الآن يدخلون على خط تحصيل الثمن كحال حلفائهم الروس والايرانيين، من خلال ارسال أكثر من عشر محولات كهربائية مع بدايات العام الجاري خصص قسم كبير منها لمحافظة طرطوس، كما تكررت زيارات وفد تجاري صيني لمحافظة اللاذقية، للاتفاق على انشاء محطة توليد كهرباء شمال المدينة، حيث اتفق الجانبان، نظام الأسد والصين، في الوقت الحالي على شروط التعاقد والتكلفة الاجمالية ليصار فيما بعد وضع آلية العمل والتنفيذ.

 وتشير مصادر من مجلس محافظة اللاذقية أن "كلفة المحطة ستتجاوز 40 مليون دولار"، وهي واحدة من الديون المترتبة على النظام السوري لتسديدها كفاتورة اعادة الاعمار، الذي تستعد الصين لاقتحام سوقه بكل قوتها.

ماذا عن النظام؟
ما زال في مرحلة إنكار الواقع، وتسخير ماكينته الإعلامية لطمس الحقائق، والتأكيد لمؤيديه أن البلاد ما زالت بخير وتحت سيطرته، فغياب النفط، والعجز على تأمينه حتى عن طريق إيران أو فنزويلا أو حتى الجزائر، التي ترسل شحنات ضئيلة بين حين وآخر، ليس حجة كافية للإفصاح عن سبب غياب الكهرباء وغيرها من الخدمات عن مناطق سيطرته.
حجته موجودة وحاضرة دوماً، اعتداء إرهابي، على محولات الكهرباء أو منابع المياه، تسبب بانقطاعهما، حجة ممجوجة لم تعد تقنع مؤيديه أصلاً، لكنها تبقى أفضل من الافصاح والاعتراف بالعجز عن تأمين كل شيء، وإن تحول لمجرد سمسار يعرض البلاد في بازار الاستثمار لتسديد ديونه العسكرية التي ثقلت فاتورتها، دون أن يفصح حتى الآن عن اسم الرابح الحقيقي.

شارك برأيك

أضف تعليق (الحد المسموح 500 حرف)

تصويت
استقالة الحريري من رئاسة الحكومة اللبنانية بسبب: