تركيا نحو الجمهورية الثانية

  • رجب الطيب أردوغان الصورة: وكالة الأناضول

كلمات مفتاحية


مع إعلان نتائج الاستفتاء الاشكالي الكبير في تركيا ، كان أغلب المراقبين ينتظرون مخاض تركيا الطويل وكيف سينتهي ، هل سيجعل تركيا تستمر في عهود أتاتورك المؤسس، أم ستنتقل إلى الجمهورية الثانية كما أراد رؤساء عدة للجمهورية التركية من توركوت أوزال و سليمان ديميرل مروراً إلى عبدالله غول الذي حاول أن يعدل الدستور في أروقة البرلمان فواجه رفضاً من أكثر من النصف بسبب التجاذبات الحزبية، وصولاً إلى رجب طيب أردوغان الذي قرر إعادة الأمر إلى الشعب، ووضع الخيار أمامه في خيار شكل الحكم، برلماني أم رئاسي.

ومع نجاح الخيار الرئاسي ،يكون حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان قد طوى الصفحة الأخيرة تقريباً من جمهورية أتاتورك التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى بأغلب تفاصيلها ، معلناً الجمهورية الثانية في تركيا ،بكل ما يكتنفه الغموض من شكل للحكم وعلاقة المواطن مع الدولة والدولة مع المؤسسات الدولية ، وأسئلة حول تغول سلطات الرئيس ودور البرلمان ومجلس الوزراء والقضاء وباقي مؤسسات الدولة ، ومع أن كل تلك الأسئلة مشروعة وبقوة في المخاض السياسي التركي القادم ،إلا أن المجتمع التركي بات راسخاً بلا هوادة في ممارسة الديمقراطية والحصول على حقوقه بلا أي خوف ، ولن يستطيع أي كان لا بقوة الجيش ولا بقوة الشعبوية أن يصادر للإنسان التركي حقه في المشاركة في الفضاء العام والتعبير عن الرأي.

 ولذلك لا خوف على تركيا من الانعكاسات السلبية للإستفتاء التي تراها أوروبا حاضرة في المستقبل التركي ، ولكن يقول أهل الحل والربط من العناصر الأساسية في حزب العدالة والتنمية أن الاستفتاء على التعديلات الدستورية وإعطاء صلاحيات أكبر لرئيس الجمهورية في قضايا دقيقة وحساسة كانت عادة تثير الانقسام بين مؤيد ومعارض في البرلمان التركي وبين الأحزاب التركية ،سيمنح لمسائل عالقة منذ التأسيس الأول للدولة التركية بأن تواجه انفراجاً ما في حال كان المقرر شخصاً واحداً يستطيع فرض تلك الحلول بصيغة الأمر الواقع.

 وربما يكون أهمها المسألة الكردية في تركيا، وبموافقة من الإدارة الأميركية التي تولي الملف الكردي أهمية كبرى في العقود الأخيرة من حيث ايجاد حلول داخلية جريئة بما يشبه الادارات الذاتية المحلية في كل دول النطاق  الكردي، سوريا والعراق وايران وتركيا، وتمنح الصلاحيات  الجديدة الممنوحة للرئيس التركي هامشاً في إعادة توجيه التقسيم الاداري للمحافظات وللأقاليم، بحيث من الممكن انجاز ما يشبه حكم فيدرالي في المنطقة الجنوبية الشرقية ولكن ضمن النطاق التركي للسيادة الجمهورية في تركيا، بما يؤسس لمرحلة جديدة من الحوار التركي الكردي الذي يواجه عقبات تاريخية بين القوميين الأتراك والقوميين الأكراد على حد سواء.

وهنالك مؤشرات كبيرة من زعماء أكراد لا يخوضون بالسياسة في تركيا وانما يمتلكون كلمة ورأي خاص في المسألة الكردية في المنطقة ، ومنهم عثمان أوجلان الذي وجه سهام انتقاد كبيرة لصلاح الدين ديمرطاش من حيث أنه أغلق بوابة الحوار مع المؤسسة السياسية في تركيا عبر تصريحاته الحادة والاستفزازية ،ويرى عثمان أوجلان شقيق المؤسس التاريخي لحزب العمال الكردستاني، أن تحول النظام إلى رئاسي له سلبياته على المدى الضيق للمناورات السياسية.

ولكنه يمنح مؤسسة الرئاسة التركية مساحات هائلة للعمل على اتخاذ قرارات حاسمة وجوهرية في اطلاق الجمهورية الثانية التي طال انتظارها بعد قرن تقريباً على تركيب الجمهورية الأولى على يد كمال أتاتورك ووقوع تلك الجمهورية بمآزق كبرى لم تستطع عبر مايقارب مائة عام من العمل السياسي على حلها ،ومنها هوية تركيا و المسألة الكردية والملف الأوروبي وملف العلمنة أو الأسلمة والنمو الاقتصادي وغيرها من الملفات،أما في ما يخص تحول منصب الرئيس مهما كان اسم الرئيس في ظل صلاحيات كبيرة إلى ما يشبه الدكتاتور فهو أمر منوط حقيقة بالمعارضة التركية وأسلوب ممارستها للعمل السياسي في تركيا ، فالدكتاتور لا يخلق من العدم.

 ولايمكن له أن يتحول إلى وحش في ظل مؤسسات إعلامية تحاسب وصحافة تنتقد وبرلمان يتحرك والأهم هو القضاء الذي يمتلك سبعة قضاة أحرار حق المحاسبة للجميع من أصل أحد عشر يعين الباقي منهم الرئيس حسب التعديلات الأخيرة، فأحزاب المعارضة التركية خبيرة بمناورات التحالفات وإسقاط الثقة و الهجوم والدفاع، وإن كان لأروغان أن يسقط فهو يقولها علانية بأن صناديق الانتخابات المراقبة دولياً هي التي ستسقطه فقط ،بينما يسعى الأخير لإنجاز حكومة جديدة ،تكون حكومة تنفيذية تكنوقراطية توائم التغييرات التي تجرف السياسة العالمية، من أمريكا إلى روسيا وأوروبا.

فما  منحته الصناديق للرئيس دونالد ترامب وهو يغير دفة الولايات المتحدة والعالم عبر الانتخابات لا بد أن تمنح لمارين لوبن في فرنسا إن نجحت ،ولا بد أن تمنحه لأردوغان وميركل وغيرهم من السياسيين في العالم ،مع العلم أن شرعية الصناديق تاريخياً لم تكن خالية من الانتقاد ،إذا ما تذكرنا تجارب مريرة في أوروبا وأميركا ، وتبقى الذكرى المئوية لتأسيس الدولة التركية في 1923 هي الموعد الأخير للمحاسبة حسب تصريحات أردوغان ، حيث وضعت الخطط العشرية للاحتفال بوصول الاقتصاد التركي إلى واحد من الاقتصادات العشرة الكبرى في العالم حسب الوعد الذي قطعه عبدالله غول منذ سنوات ،وستسرع التعديلات الدستورية من هذا الانجاز حسب تصريحات الحزب ،وحتى ذلك الوقت ، يجب على المعارضة التركية أن تكون بالمرصاد لأي تجاوز أو سهوة أو خطأ ،يقوم به من هم في السلطة،فالديمقراطية تحتاج من يحميها ،ويهتم بها ويراعيها ،دون أي خوف.

شارك برأيك

أضف تعليق (الحد المسموح 500 حرف)

تصويت
ما رأيك بمخرجات مؤتمر أستانا الأخير؟