انقلاب تركيا الناعم وتوحّش أوروبا

كلمات مفتاحية

جاءت نسبة المشاركة في الانتخابات التركية غير مسبوقة، أكثر من ٨٦٪ ممن يحق لهم التصويت شاركوا في الاستفتاء، نسبة تعكس حالة الاستقطاب الحاد في الشارع التركي بين مختلف الأحزاب، ولا سيما أن الاستقطاب تجاوز الشارع التركي إلى عموم أوروبا، بعد حملة تصريحات  نارية متبادلة بين ساسة أوروبيين ونظرائهم الأتراك، وصلت إلى حد وصف أروغان لأوروبا بـ"النازية" وأن الحملة ضد تركيا هي حملة "صليبية"، تصريحات سبقها إجراءات استفزازية تجاه وزراء ومسؤولين أتراك في أكثر من مدينة أوروبية، وصلت إلى منع طائرة تقل وزير الخارجية التركي من الهبوط في مطار أمستردام وفي سابقة خطيرة منعت وزيرة تركية من دخول سفارة بلادها في هولندا.

انتهى التصويت وأُقرّ الدستور الجديد، لكن الجدل حوله لم ينتهي بعد، داخلياً كانت نتيجة التصويت متقاربة بين مؤيدي ورافضي التعديلات الدستورية، وكانت النتائج لافتة في المدن الكبرى وخصوصا التي تعتبر حاضنة رئيسية لقاعدة الحزب الحاكم الانتخابية، اسطنبول على سبيل المثال قالت لا للتعديلات، وهي المرة الأولى التي تقول فيها اسطنبول لا لـ"أردوغان" منذ أن كان رئيسا لبلديتها منتصف التسعينيات، جدل داخلي سيستمر حتى موعد تطبيق الدستور الجديد في عام ٢٠١٩، إلا إذا دعا رئيس الجمهورية إلى انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة، حينها يصبح الدستور الجديد نافذاً.

أوروبياً يبدو أن التصعيد بين الطرفين على خلفية التصويت لايزال مرتفعاً، أحد الوزراء الألمان هدد تركيا برفض نهائي لملف انضمامها للاتحاد الأوروبي في حال أقرت عقوبة الإعدام، العقوبة التي يريدها أردوغان وحزبه الحاكم لأجل معاقبة مرتكبي الجرائم التي وقعت اثناء الانقلاب الفاشل صيف العام الماضي.

لماذا تستاء أوروبا من التعديلات الدستورية لدرجة جن جنونها قبل واثناء التصويت وبعده أيضاً، أليس الاستفتاء شأناً تركياً داخلياً؟. أليس الغرب يدّعي أنه صاحب قيم تتعلق بالديمقراطية وتعزيز حقوق الإنسان، لماذا تخيفه اذا الديمقراطية في تركيا طالما أن أردوغان وحزبه لم يفرضوا هذا الدستور بقوة الدبابة على الشعب التركي، لماذا كل هذه المحاولات لشيطنة تركيا ورئيسها في الإعلام الغربي منذ عدة سنوات، شيطنة أردوغان لدرجة تشعر وكأن كل أخطار العالم مصدرها تركيا ورئيسها الديكتاتور!.

لمعرفة كل الأجوبة عن تلك الأسئلة علينا أن نتذكر ونستعرض موقف الغرب من كل الديمقراطيات الناشئة في العالم الإسلامي، في منطقتنا العربية هناك مثالان صارخان علي رؤية الغرب الحقيقة لشعوب المنطقة، وبالتالي عن أهدافه وتطلعاته، حين فازت حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية جن جنون العالم بأسره، وحاربوا الحكومة الفلسطينية المنتخبة بشتى الوسائل الممكنة والتي وصلت إلى إطباق الحصار على قطاع غزة، كل هذا لأن حركة حماس فازت بالانتخابات وسيطرت على الحكومة.

المثال الآخر، ماجرى في مصر بعد الثورة، حين انقلب العسكر على أول رئيس منتخب في تاريخ مصر، أوروبا دعمت الانقلاب وإن على استحياء في بداية الأمر، فهي تصدر خطاب يدّعي كذبا وزوراً أنها مع قيم الحرية والديمقراطية، لذا لا تستطيع القول علنا أنها ضد إرادة الشعوب وخياراته، لكنها تفعل ذلك بشكل ممنهج وواضح، وماحدث في الجزائر بداية التسعينيات، حين فازت الحركة الإسلامية للإنقاذ بالانتخابات، يجسد بشكل حقيقي ما يضمره الغرب لنا. 

في تركيا أيضا حين حدث الانقلاب صيف العام الماضي كان الأوروبيون يتمنون نجاحه وحسب بعض المصادر التركية أنهم كانوا داعمين للانقلابيين.

وحدهم فقط، المستلَبين للغرب من أبناء المنطقة، رأوا في التعديلات الجديدة دماراً لتركيا ولنموذجها الملهم في الديمقراطية والتنمية، بحجة أنها تصنع ديكتاتوراً جديداً في تركيا، علماً أن صلاحيات الرئيس الفرنسي الحالية على سبيل المثال، هي أكبر بكثير من صلاحيات الرئيس التركي حسب الدستور الجديد.

الغرب لايزال ينظر للشعوب الإسلامية في مختلف دولهم، نظرة المستعمر الاستعلائية، نظرة احتقار، هي مزيج بين نظرة تفوق عرقي وديني، تفوق العرق الأبيض المسيحي، لذا، هم لا يريدون للشعوب أن تختار حكامها ودساتيرها، يريدون لعملائهم ووكلائهم في هذه الدول أن يبقوا في الحكم ليسهل التحكم والتلاعب بهم.

تركيا قوية ديمقراطية لا تناسب مزاجهم الاستعماري، وما الهجوم والتركيز على شخص أردوغان وشيطنته ووصفه بالدكتاتور، إلا ذريعة يخفون خلفها حقيقة موقفهم.

تسير اليوم تركيا على الطريق الصحيح، إذ لأول مرة يحدث انقلاب على شكل الحكم مدنياً، وبالتالي أن نظام الحكم تغير بواسطة صندوق الاقتراع ولم تغيره الدبابة كما يحب الغرب.

شارك برأيك

أضف تعليق (الحد المسموح 500 حرف)

تصويت
ما رأيك بمخرجات مؤتمر أستانا الأخير؟