إخضاع الشمالية وتدمير الإسلامية "مآزق ترامب"

  • الرئيس الأمريكي دومالد ترامب. الصورة:BBC

كلمات مفتاحية


من السهل إطلاق التعهدات والتصريحات النارية، التي تدغدغ حواس الناس ومشاعرهم، وتعزف على آمالهم وآلامهم، بغية الوصول للبيت الأبيض، لكن ترجمتها لواقع عملي، سيحتاج لأكثر من مجرد التغريد على تويتر، أو الظهور على وسائل الإعلام، وسنجد أن دونالد ترامب قد رسم لنفسه سقفاً عالياً ربما يكون من الصعوبة بمكان الوصول إليه.

 فمحاولته الظهور بمظهر القوي الحازم، من خلال التهديد باستخدام القوة لتأديب وإخضاع كوريا الشمالية، أوالسلاح النووي لتدمير تنظيم الدولة الإسلامية، أو بناء سور مع المكسيك وإجبارها على تمويله، أو الانسحاب من حلف شمال الأطلسي، وكذلك إجبار الحلفاء من عرب وآسيويين وأوروبيين، على الدفع مقابل الحماية التي تقدمها لهم الدولة العظمى أمريكا، جميعها أهداف يبدو أن ترامب في طريقه لنسيان معظمها!

حتى قبل فوزه بانتخابات الرئاسة الأمريكية ووصوله إلى البيت الأبيض، كان هدف دونالد ترامب المعلن والحازم، هو القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، فقد حمَّل ترامب الرئيس أوباما، ووزير خارجيته هيلاري كلينتون، مسؤولية الفوضى الحاصلة في الشرق الأوسط، والتسبب بصعود نجم تنظيم الدولة الإسلامية، من خلال سماحهم بإسقاط أنظمة الحكم في المنطقة وخص بالذكر نظامي الرئيس العراقي صدام حسين، والليبي معمر القذافي. 

ترامب أغفل أو تغافل عن حقيقة أن دعم بلاده للثورات المضادة، وعدم السماح بالتغيير السلمي لأنظمة الاستبداد، هو سبب ما يحصل من فوضى! 

لم يكن ترامب ليصل إلى البيت الأبيض الأمريكي لولا جهود كبير إستراتيجيي البيت الأبيض الحالي المحنك "ستيف بانون" الذي تولى إدارة حملة ترامب الانتخابية المتعثرة في وقت متأخر، لكنه نجح في قلب الموازين لصالح الحملة، من خلال التركيز على انتقاد السابقين من رؤساء وإدارات، وإظهار وتضخيم سلبياتها وعيوبهم، وبشكل شخصي في أحيان كثيرة، فهاجم إدارة "بوش" الإبن وحملها مسؤولية إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، واتهم كذلك كافة الإدارات الأمريكية السابقة وخاصة الديموقراطية منها بإضعاف الولايات المتحدة عسكرياً واقتصادياً، ولم يفته بالطبع تقديم نفسه على أنه "مُخَلِصُ أمريكا" والوحيد القادر على إعادة أمجادها، وهو بهذا يشطب كل من سبقه من رؤساء، ويضع نفسه في مرتبة الرئيس السوبر القادر على إيجاد الحلول لكافة المشاكل.

لقد بات واضحاً أن ترامب قد اصطدم بجدار ناري لم يستطع تخطيه منذ وصوله للبيت الأبيض بعد حفل تنصيبه بتاريخ 20/1/2017، فهو لم ينجح بعد حتى في إلغاء قانون الرعاية الصحية المسمى "أوباما كير"، ولم يستطع تطبيق قراره بحظر دخول مواطني سبع دول إسلامية، بسبب الضغط الشعبي وموقف القضاء وحكام الولايات المعارض لفرض هذا الحظر.

كثيرة هي الوعود الانتخابية التي قدمها ترامب للمواطن الأمريكي، لكنه يقف اليوم على مفترق طرق ويواجه جملة تحديات أهمها، القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات المصنفة إرهابية، وتحييد كوريا الشمالية، التي صرح ترامب خلال حملته الانتخابية بأن رئيسها قد يكون ديكتاتوراً لكن أياً من الإدارات الأمريكية لم تحاول التحدث إليه، وبالتالي فلا يبدو أن ترامب سيكون قادراً على فتح قنوات اتصال معه، فالأزمة في تصاعد مستمر، وقد تخرج عن السيطرة في أي وقت خاصة في ظل وجود رئيسين لا يمكن التنبؤ بتصرفاتهما، فـ الكوري الشمالي "كيم جونغ يون" غريب أطوار متهور، وقد لا يتورع عن فعل أكثر الأمور سوءاً، بما فيها استخدام السلاح النووي والهيدروجيني، وهو فعلاً هدد باستخدامه في حال حدوث اعتداء أمريكي على بلاده، التي ربما تمتلك أيضاً السلاح "الكهرومغناطيسي" القادر على شل الحياة التكنولوجية خلال ساعات قليلة، والذي يقال إنها طورت لنفسها نسخة حديثة منه. 

كوريا الشمالية وبالتزامن مع الذكرى الخامسة بعد المئة لميلاد الزعيم المؤسس "كيم إيل سونغ" كانت هددت بإجراء تجربة نووية سادسة، بل وأجرت الاستعدادات اللازمة لذلك، لكنها اكتفت باستعراض نوع جديد من الصواريخ التي تطلق من الغواصات، ليفاجئ العالم في اليوم التالي على خبر تجربة صاروخية فاشلة، فمرت الاحتفالية بسلام، ولكن يعتقد على نطاق واسع أن الولايات المتحدة ربما تكون هي من أفشل التجربة، بواسطة هجمات الكترونية أو باستخدام سلاح الموجات الكهرومغناطيسية كما تؤكد بعض المصادر، وهو ما يأتي استمرارا لخطة الحرب الإلكترونية التي أمر بها الرئيس السابق أوباما في العام 2015.

الولايات المتحدة عززت وجودها في بحر اليابان بأسطول بحري يضم إحدى أقوى حاملات الطائرات "يو إس إس كارل ڤنسون" التي شاركت في الحرب على أفغانستان والعراق، وتحمل على متنها 6000 جندي، 33 نوعاً من الصواريخ، 75 طائرة حربية حديثة، 15 طائرة هيليكوبتر، طائرات إستطلاع ومراقبة، ترافقها غواصة نووية وعدد من المدمرات والسفن، مع التعهد بإرسال المزيد من الغواصات والقطع البحرية للمنطقة.

ترامب وخلال حملته الإنتخابية، كان قد ألمح منتصف العام 2016 لمسألة الحوار مع كوريا الشمالية عندما قال: أنه "على استعداد للقاء رئيسها، كما عرض سحب القوات الأمريكية من كوريا الجنوبية واليابان، إذا لم تدفع الدولتان التكاليف العالية لوجود القوات الأمريكية هناك، لكن الأمور تغيرت بعد وصوله للبيت الأبيض، خاصة مع تطور الأحداث والتصعيد الأخير الذي نسف هذه الفرضية، إضافة إلى أنه من غير المرجح أن تكون زيارة الرئيس الصيني لواشنطن قبل أيام، قد نجحت في إحداث اختراق باتجاه حلحلة الأزمة مع كوريا الشمالية، ومنعها من إجراء تجارب نووية وصاروخية، تمهيدا لمفاوضات تنهي برنامجها النووي.

كوريا الشمالية كانت رحبت بوصول ترامب للبيت الأبيض بتجربة صاروخية بتاريخ 12\\2\\2017، وهي تستعد للاحتفال بذكرى تأسيس جيشها بعد أيام حيث لايزال خطر التصعيد والمواجهة قائما، وعلينا ألا ننسى أن عاصمة الجارة الجنوبية سيؤول تقع في مرمى مدفعية شقيقتها الشمالية، كونها لا تبعد عن الحدود سوى 35 كم.

صحيح أن الصين هي الداعم الأول لكوريا الشمالية، لكنها قد لا تستطيع لجمها بشكل كامل، ومع هذا فحتى لو كانت قادرة على فعل ذلك فإن غموض سياسات ترامب تجاه الصين قد لا يشجعها على فعل ذلك، وبالطبع كوريا الشمالية تستمد شيئاً من قوتها وعنادها من تصاعد الخلافات بين الولايات المتحدة الأمريكية وكل من الصين وروسيا، وهي تعلم أن كِلتاَ الدولتين تستخدمانها فزاعة في وجه ترامب وكل من سبقه من إدارات أمريكية. 

يبدو ترامب جاداً في التعاطي مع أزمة كوريا الشمالية، وقد صرح مؤخراً أنه مستعد لحل مشكلتها بشكل أحادي في حال فشلت الصين بذلك، لكنه وبالمقابل أدلى بتصريح إيجابي عقب زيارة الرئيس الصيني للولايات المتحدة، وأكد أن علاقة صداقة قد نشأت بينهما، وهو ما يناقض كافة تصريحاته العدائية للصين إبان حملته الانتخابية، إذ يبدو أن الرجل أدرك أن الصين رقم صعب لا يمكن تجاوزه، وتماماً كما تراجع عن مواقفه السلبية من الإتحاد الأوروبي وحلف الناتو بعد الضربة التي وجهها لمطار الشعيرات في سورية. 

وزير خارجية الصين "وانغ يي" صرح للصحفيين عقب اجتماعه مع وزير الخارجية الفلسطيني في بكين قائلاً: "إن "أي طرف يهيج الوضع في كوريا الشمالية يجب أن يتحمل المسؤولية التاريخية عن ذلك". الصين وبالتزامن مع التصعيد الحاصل في شبه الجزيرة الكورية، قامت بحشد حوالي 150 ألف جندي دون أن توضح الهدف من هذا الإجراء، الذي ربما يكون وقائيا تحسبا من موجة نزوج كورية باتجاه الصين في حال نشوب صراع مسلح، وقد يكون أيضاً بهدف الضغط على كوريا الشمالية وإجبارها على التوقف عن إجراء المزيد من التجارب النووية والصاروخية.

في حال فكرت الولايات المتحدة بتوجيه ضربة لكوريا الشمالية فسيتوجب عليها التأكد من أنها قادرة على شل حركتها ومنعها من الرد، فالتهديد الكوري الشمالي كان واضحا وتوعد بضرب الولايات المتحدة نفسها بقنابل نووية وهيدروجينية، عدا عن التهديد بمسح القواعد الأمريكية في الجارة الجنوبية وإحالتها إلى رماد! 

لا أحد يستطيع التكهن بمآلات الأزمة المرشحة للتصاعد، فالعناد الكوري الشمالي، يهدد بنسف المظهر القوي الذي يحاول ترامب الظهور به، وبالتالي فإن أي خطوة غير محسوبة قد تؤدي لحرب نووية مدمرة ونتائج لا تحمد عقباها، لهذا فإن كل شيء بات رهناً بمواقف الرجلين، لجهة التراجع أو المضي قدما في عملية عض الأصابع التي تتحول تدريجيا لسياسة حافة الهاوية.

كِلاَ الرجلين مصاب بداء العظمة، ولئن كان "ترامب" يرى نفسه إمبراطوراً، فإن "كيم" يعتبر نفسه إلهاً.

بالعودة إلى تنظيم الدولة الإسلامية، التي يعتبرها ترامب العدو الأول واللدود له، فإن هذا الملف قد يبدو الأكثر سهولة من بين الملفات العالقة، والهدف الأكثر قابلية للتحقيق، والذي يعول كثيراً على نجاحه في إنجاز وعده بالقضاء عليه، وهو محق إلى حد بعيد في تصوره هذا أقله نظرياً، فالدم العربي والمسلم رخيص، وشعار الحرب على الإرهاب، الأكثر جاذبية هذه الأيام، هو بلا شك شعار يجتذب الحلفاء الدوليين والإقليميين وحتى المحليين الباحثين عن السلطة والمال، الذين جمعهم العداء للتنظيمات الجهادية، التي يعتبرونها تهديداً لمصالحهم القومية والوطنية وحتى الحزبية!!

ظاهريا يبدو أن تنظيم الدولة يعيش مرحلة إنحسار في رقعة سيطرته على الأرض، وخسارة لأهم حواضنه الشعبية الكبرى في العراق وسورية، إذ وبالتوازي مع معركة الموصل التي مر عليها ستة أشهر، ودخلت في مرحلة استعصاء بعد وصولها للأحياء القديمة من الشاطئ الغربي للمدينة، فهناك معركة أخرى يجري الإعداد لها على قدم وساق، وتستهدف مدينة الرقة عاصمة التنظيم في سورية، والتي لازالت معركتها تراوح عند مدينة الطبقة.

معركة الرقة لا تقل أهمية عن معركة الموصل بل تكاد تفوقها أهمية، كونها آخر معاقل التنظيم الكبرى، ومن المتوقع أن يستبسل التنظيم في الدفاع عنها كما هو حاصل في معركة الموصل التي نشر التنظيم إحصائية تفيد بقتل وجرح حوالي خمسون ألفاً من أفراد القوة المهاجمة وتدمير مئات الآليات، ما دفعها للتوقف عند أحياء البلدة القديمة.

قبل أيام وفي خطوة مفاجئة، وجه الجيش الأمريكي وبأوامر من ترامب، ضربة صاروخية لمطار الشعيرات، أحد أهم مطارات نظام الأسد، ليتبعها بإرسال قوة بحرية سترابط قبالة سواحل كوريا الشمالية، ثم قام باستهداف مواقع لتنظيم الدولة في أفغانستان بأقوى سلاح غير نووي (أم القنابل) وهي قنبلة حرارية تستطيع حرارتها وموجة الصدمة التي يخلفها الإنفجار، قتل وشل كل حياة في نطاق دائرة قطرها حوالي 3 كم، ما يجعل من هذا السلاح أداة قتل وإبادة جماعية في حال استُخدم ضد مناطق مأهولة بالسكان.

ثلاثة رسائل عسكرية وجهها ترامب لأصدقائه قبل خصومه، وهي محاولة للخروج من حالة المراوحة التي يعيشها ترامب داخلياً منذ وصوله للبيت الأبيض، وهو بذاك يهدف لتحقيق نصر خارجي يغطي على سلسلة فضائحه وإخفاقاته، خاصة علاقته بروسيا، وتهربه من الكشف عن حجم ثروته وسجله الضريبي، الذي دفع الأمريكيين للنزول إلى الشارع بالآلاف. 

وكأن الأمريكيين يحاربون ترامب بسلاحه المفضل "تويتر"، حيث كانت تغريدة واحدة كافية لحشد آلاف المتظاهرين ضده في 150 مدينة أمريكية   

منذ وصل ترامب للبيت الأبيض، ومستوى الإنخراط العسكري الأمريكي في العراق وسورية يتصاعد، فالدعم العسكري للحشد الشيعي وقوات حكومة العبادي كبير جداً، إضافة للزج بمزيد من القوات البرية الأمريكية في كلا البلدين، عدا عن السير على نهج سلفه أوباما بتبني وحدات حماية الشعب الكردية، وكف يد تركيا عنها بإنهاء معركة درع الفرات رسميا وتوقفها عند مدينة الباب، لتبقى مدينة منبج بيد الوحدات، التي وعلى ما يبدو أنها قد قايضتها ببعض قرى ريف حلب شمال سورية، وهي خطوة لها علاقة بالحشد الأمريكي لكل ما هو متاح من فصائل وقوات، من أجل معركة اجتثاث تنظيم الدولة من سورية.

قد ينجح التحالف الدولي في إخراج تنظيم الدولة من الموصل والرقة، لكن هذا لا يعني أنه قادر على إجتثاث التنظيم، الذي يحضر نفسه منذ أكثر من عام لهكذا سيناريو، وهو بكل تأكيد يمتلك من القوة والخبرة ما يجعله قادرا على العودة لحرب العصابات والقتال بمجموعات صغيرة تنفذ عمليات نوعية مؤلمة، وحتى تصفية قادة كبار، وقد يكون في جعبته الكثير من المفاجئات، كتلك التي حدثت في الرابع من هذا الشهر نيسان \\ إبريل، عندما اقتحم التنظيم مدينة تكريت فقط بواسطة 7 إنغماسيين يرتدون زي الشرطة، ونجح وقتل 31 وجرح 40 ثم إقتحام منزل مسؤول مكافحة الإرهاب المقدم ركن "خالد الجميلي" وتصفيته مع نجله. 

 هيئة تحرير الشام بدورها ورغم مرونتها في التعاطي مع المتطلبات الدولية والإقليمية، إلا أنها تعتبر هدفاً للتحالف الدولي، لكنه هدف مؤجل وإن إلى حين!

يمكننا ملاحظة أن ترامب بدأ يتعلم الدرس، وقد أدرك أخيراً أن كونه الرئيس لا يعني بالضرورة، أنه الآمر الناهي الوحيد، وأن الولايات المتحدة دولة مؤسسات، وأن هناك مصالح وعلاقات دولية لا يمكن تخطيها بحال من الأحوال، وأن قرار الحرب والسلم ليس بيده وحده، فكيف سيستطيع الموائمة ما بين وعوده وتصريحاته الانتخابية وبين مصالح بلاده وعلاقاتها الدولية، هذا ما ستجيب عنه طريقة التعاطي الأمريكية مع قضيتي إخضاع كوريا الشمالية، والحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية.

شارك برأيك

أضف تعليق (الحد المسموح 500 حرف)

تصويت
استقالة الحريري من رئاسة الحكومة اللبنانية بسبب: