عاد أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، الأسبوع الجاري، إلى ممارسة هوايته المفضلة في إلقاء الخطب "الحماسية" التي يحاول من خلالها تحقيق أغراض مختلفة، مثل إيصال رسائل من "السادة" في إيران إلى العالم، أو استنفار جمهوره كلما شعر ببرود "همّته"، أو التذكير بما كادوا ينسونه، وهو أنه ما زال "سيد المقاومة"، وإن اختلفت ساحاتها. استنفد نصر الله كل هذه الأغراض تقريباً، في كلمةٍ تأبينيةٍ أخيرةٍ، استغلها لتحذير الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من المسّ "بالسادة" في طهران، والتذكير "بالانتصارات" التي تحقّقها "المقاومة" في سورية والعراق واليمن، بعد أن باتت الطريق إلى القدس، لأسباب فنية يضيق المجال لشرحها، أطول مما كانت عليه في أي وقت مضى، إلى درجة أن نصر الله غفل حتى عن ذكر إسرائيل والصراع "المقدّس" معها.  لا يمكن لأي تحليلٍ رصينٍ أن يزعم بعدم وجود علاقة عدائية بين حزب الله وإسرائيل، أو أن إسرائيل لا تتحيّن الفرص للانقضاض على الحزب، وإضعاف قدراته أنّى استطاعت ذلك، بدليل غاراتها التي باتت شبه أسبوعية على مواقع الحزب وقوافله ومخازن أسلحته في سورية. لكن أي تحليل رصين لا يمكنه، في المقابل، أن يغفل كيف أن الصراع السوري كشف بجلاء أن أولوية حزب الله لم تكن يوماً في مقارعة إسرائيل، أو دعم مقاومة فلسطين، وأن هذه لم تكن سوى أداة أو وسيلة للتعمية على الهدف الاستراتيجي الأعلى للحزب، ومن ورائه "السادة" في طهران، وهو هدف طائفي بامتياز، يمكن اختصاره بتمكين إيران، بما تمثله قوميةً ومذهباً، وإنهاء قرون من حكم العرب المنطقة، بما يمثلونه قومية ومذهباً.  استدعاء التدخل العسكري الروسي في سورية، وتحول حزب الله وغيره من مليشيات إيرانية إلى قوة برية تعمل بخدمة سلاح الجو الروسي، قد قضى عملياً ونهائياً على منطوق الصراع مع إسرائيل واستخداماته الأداتية، حيث دفعت أولويات الحزب وأجندته الطائفية إلى تجاهل طبيعة العلاقة التي تربط روسيا بإسرائيل، وجعلت منه، في واقع الأمر، حليفاً لحليف عدوه المزعوم.  لا يحتاج حزب الله إلى من يكشف له عن طبيعة العلاقة التي تربط حليفه الروسي "بعدوه" الإسرائيلي، فهي مكشوفة، وليس فيها أسرار كثيرة، فقد كانت إسرائيل الوحيدة من بين حلفاء واشنطن جميعاً التي رفضت الالتزام بالعقوبات الغربية على روسيا بعد ضمها القرم، لا بل توثقت العلاقات الروسية - الإسرائيلية أكثر بعد التدخل الروسي في سورية، باعتبار أن هذا التدخل الذي قام على خلفية تحالف روسي - إيراني لإنقاذ النظام السوري، يخدم مصالح إسرائيل بطريقتين: الأولى لأنه موجه ضد التنظيمات الإسلامية السنية المتشددة، والثاني لأن هذا التحالف الروسي - الإيراني يجعل لروسيا دالةً أكبر على إيران وحزب الله، وينهي أي إمكانيةٍ لأن تتحوّل سورية أو لبنان قاعدة لهجمات ضد إسرائيل. فوق ذلك، تدرس إسرائيل الآن عرضاً لإنشاء شراكةٍ مع شركة غاز بروم الروسية لاستغلال حقل ليفياثان المشترك بين دول شرق المتوسط (تركيا وسورية ولبنان وإسرائيل وقبرص)، حيث تسعى روسيا إلى استغلال علاقاتها الجيدة مع هؤلاء لإنشاء كونسورتيوم بقيادتها، خصوصاً بعد أن تحولت فاعلاً رئيساً في الشأن السوري، واللبناني أيضاً، حيث لعبت موسكو دوراً رئيسياً في إيصال حليف حزب الله الجنرال ميشال عون إلى الحكم.  في عام 1986 اهتزت إدارة الرئيس رونالد ريغان على وقع فضيحة إيران - كونترا، والتي قام بموجبها مستشار الأمن القومي في ذلك الوقت، روبرت ماكفارلن، بتدبير الالتفاف على حظر الكونغرس تقديم معونات مالية لجماعة المعارضة الرئيسة (كونترا) التي كانت تقاتل الحكومة اليسارية في نيكاراغوا من خلال الإيعاز لإسرائيل ببيع أسلحة أميركية لإيران التي كانت في حربٍ مع العراق، في مقابل تحويلها ثمن هذه الأسلحة لكونترا. لم تتعاف إدارة ريغان أبداً من هذه الفضيحة، أما في إيران فلم يظهر ما يشير إلى وجود مشكلة، طالما أن الغاية كانت تتمثل في هزيمة العراق، كما تتمثل اليوم في هزيمة الشعب السوري، بما يرمز إليه قومياً ومذهبياً. ترك العرب، بتخليهم عن القضية الفلسطينية، الباب مشرعاً أمام إيران وحلفائها، لاستخدامها أداة تحاربهم بها والتعمية على حقيقة مقاصدها الطائفية، وعليهم الآن أن يستغلوا فرصة انكشاف الأجندة الإيرانية لتخليصها من هذه الأداة، عبر العودة إلى احتضان القضية الفلسطينية، والتي هي مسؤولية عربية أولاً وأخيراً.