الشرق الاوسط والالعاب القذرة (الجزء الاول) - حقيقة دور واهداف الولايات المتحدة في سوريا والعراق

  • Mhd Alomar
  • تاريخ النشر: 2017-02-07 18:03

كلمات مفتاحية

المقدمة:
بعد مرور حوالي ثلاثة عشر عاما على الغزو الامريكي للعراق....وما يقارب الست سنوات من بداية الازمة في سوريا....فاننا نشهد اليوم على مرحلة من الانهيار شبه التام في المنظومة المجتمعية والاخلاقية والاقتصادية والسياسية في المنطقة. فالعراق لم يعرف ابدا الطريق الى الديمقراطية التي جاءت الدبابات الامريكية لنشرها فيه....وها هو اليوم يعيش حالة مزرية من الفوضى العارمة والتشتت والارهاب والطائفية. اما الماساة في سوريا فقد تجلت بابشع صورها وامتدت وطالت حتى اصبح شعب سوريا موزعا بين قتيل وجريح ومعاق ومشرد ونازح ولاجئ....اما المتهم الاول في كل هذا فهو التخاذل الدولي....وخاصة الامريكي...عن التدخل في سوريا وانهاء الصراع القذر الدائر فيها.
سنحاول في الجزء الاول من هذه السلسلة "الشرق الاوسط واللعبة القذرة"  ان نستكشف ونحلل حقيقة واهداف الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة الامريكية في المنطقة, خاصة فيما يتعلق بالأزمة في كل من العراق وسوريا.
اما الاجزاء الاخرى فستكون مخصصة لتحليل ودراسة مواقف القوى الاخرى المعنية بصراعات الشرق الاوسط مثل روسيا و ايران وتركيا ودول الخليج ومصر..

اولا : سلطة المال.... وقصور التحليل السياسي

بعد حوالي ربع قرن على نشر كتاب نهاية التاريخ للفيلسوف الامريكي فرنسيس فوكوياما عام 1992 والذي قال فيه بان انتصار النظام الراسمالي سوف يحدد نهاية التاريخ باعتباره النظام الاكثر ملائمة لحياة البشر, فاننا نجد انفسنا اليوم في عالم وصل لذروة توحشه وقسوته. فبينما استطاعت الرأسمالية ان تجمع ثروات العالم في ايدي قلة قليلة من الاشخاص, تزداد حياة مئات الملايين – بل المليارات- من البشر يوما بعد يوم فقرا وجوعا وبؤسا وحرمانا.
ان متابعة الارقام والتقارير المرتبطة بموضوع تكدس الثروات لا يمكن ان يصيب المتابع الا بالذهول والصدمة ....علما ان هذه الارقام لا تشكل سوى راس جبل الجليد. فلو عدنا مثلا الى تقرير منظمة اوكسفام البريطانية غير الحكومية الصادر في كانون الثاني يناير 2017 فاننا نجد ان ثمانية اشخاص فقط يملكون ثروة تعادل الثروة التي يملكها نصف سكان الارض الاكثر فقرا مجتمعين. زد على ذلك بان الثروة المقدرة لنصف سكان الارض الاكثر فقرا قد تناقصت بحوالي 38 بالمئة بين عامي 2010 و 2016 (بما يعادل حوالي الترليون دولار),  بينما زادت ثروات الاشخاص الاكثر ثراء بحدود خمسمئة مليار دولار في نفس هذه الاعوام لتصل الى حوالي ترليون وثمانمئة مليار دولار[1].

نعم, في عالمنا اليوم, قد بات ممكنا  ان نقارن النشاطات الاقتصادية التي تتم في دول كبيرة بالنشاطات الاقتصادية لإحدى الشركات الكبرى. فلو اخذنا على سبيل المثال قيمة معظم الشركات المسجلة في دولة مثل الهند والتي يفوق عدد سكانها المليار نسمة, فانها تعادل تقريبا قيمة اسهم شركة نستله لوحدها . اما مصر فتتعادل تقريبا مع شركة Burger King  والبرازيل مع Google وروسيا مع شركة P&G والمغرب مع شركة Hasbro... (انظر تقرير The Economist الصادر في 18 يناير 2014).
هذه الثروات الفلكية مكنت اصحابها من اختراق مراكز صنع القرار العالمي خاصة في الدول الكبرى وتوجيه دفة القيادة فيها بما يتناسب مع مصالحها....ومصالحها فقط.....

واذا كانت اساليب التحليل السياسي التقليدية تقوم اساسا على دراسة سلوكيات وافعال وردود افعال الدول بالاستناد الى تقديرات مصالح الدولة في القيام بهذ الفعل او الامتناع عن القيام بذاك الفعل....فان هذه النظرية اصبحت اليوم براينا قاصرة بشكل كبير عن تفسير مجريات الاحداث في العالم...وذلك نظرا لانها تتجاهل او تقلل من دور لوبيات الضغط الكبرى التي اصبح لها حقيقة اليد العليا في رسم سياسات الدول الكبرى بما يتوافق مع مصالحها...

ثانيا : محددات السياسة الامريكية في الشرق الاوسط....

في الحقيقة, ان السياسة الامريكية في الشرق الاوسط ليس حرة وليست مرتبطة بمصالح الدولة الامريكية وامنها اولا كما يتخيل الكثيرون, بل انها تابعة تبعية شبه مطلقة لإرادة جماعات الضغط الموالية لاسرائيل, والتي تشكل الجزء الاهم من عالم المال والثراء المسيطر في الولايات المتحدة الامريكية كما شرحنا ذلك اعلاه. يقوم دور جماعات الضغط الموالية لاسرائيل في الولايات المتحدة على توجيه السياسة الامريكية في منطقة الشرق الاوسط تبعا لما تمليه مصلحة "اسرائيل"....و بغض النظر عن مصالح واهداف الدولة الامريكية....اما الادلة على ذلك فهي وفيرة للغاية سنورد بعضها فيما يلي .(انظر كتاب الاساطير المؤسسة للسياسات الاسرائيلية للكاتب روجيه غارودي)

في عام 1973, طلب الملحق العسكري في السفارة الاسرائيلية لدى واشنطن موردخاي غور من رئيس هيئة الاركان الامريكية توماس مورر تزويد اسرائيل بطائرات  حديثة مزودة بصواريخ متطورة من نوع "مافريك". فاجابه مورر بان الولايات المتحدة لا تملك سوى سرب واحد من هذه الطائرات...."وقد اقسمنا امام الكونغرس باننا بامس الحاجة لها"....فاجابه جور قائلا : اعطونا الطائرات ونحن نتكفل بموضوع الكونغرس. ...وهكذا ذهب بالفعل السرب الوحيد المزود بصواريخ" مافريك" الى" اسرائيل"....

وفي عام 1976 قامت القوات الاسرائيلية بقصف السفينة الحربية الامريكية "ليبرتي" المزودة بأنظمة اتصالات حديثة وذلك لمنعها من التجسس على اسرائيل....وعلى الرغم من ان الطائرات الاسرائيلية ظلت تحلق فوق الباخرة لمدة سبع ساعات وبقيت عملية القصف لمدة تتجاوز الساعة مما ادى لمقتل 34 بحارا امريكا واصابة 171 اخرين....فان الحكومة الاسرائيلية بررت ذلك بانه حدث بطريق الخطا....وتوقفت التحقيقات عند هذا الحد حتى استطاع احد الضباط الأمريكيين  الذين كانوا ضمن طاقم الباخرة من اماطة اللثام عن اسرار القضية عام 1980 واثبات ان الهجوم كان متعمدا من قبل" اسرائيل"...

اما في عام 1984 فقد وافق الكونغرس الامريكي باغلبية 98 بالمئة من اعضائه على قرار بالغاء كل القيود على المبادلات التجارية مع اسرائيل رغما عن تحفظ وزارة التجارة الامريكية على ذلك ومعارضة كل النقابات.

ان الدعم الامريكي الاعمى والمساعدات المخصصة لاسرائيل لم تتوقف عن الازدياد عاما بعد عام وذلك مهما كانت التخفيضات في بنود الموازنة الاخرى...فقد تمكنت"اسرائيل" من الحصول عام 2016 على صفقة مساعدات عسكرية تعتبر الاكبر في تاريخها بقيمة 38 مليار دولار...
اما داعمو اسرائيل فلم يتوقفوا عن احكام قبضتهم يوما بعد يوم على كل مفاصل السياسة الامريكية في الكونغرس والبنتاغون والاستخبارات ووصولا الى البيت الابيض...مستخدمين كل الوسائل المتاحة من الضغط الى الابتزاز وحتى التهديد بالقتل...ولعل التحقيق الاستقصائي الذي قامت به مؤخرا قناة الجزيرة الفضائية حول نفوذ اللوبي  الاسرائيلي في لندن يظهر تماما الطريقة والاسلوب الذي يتبعه هؤلاء للتاثير على سياسات الدول تجاه قضايا الشرق الاوسط. ومما كان لافتا للانتباه في هذه القضيه هو ردة الفعل الرسمي البريطاني على هذه الفضيحة والذي اكتفى باستقالة موظف السفارة الاسرائيلية الذي كان يتآمر لتلطيخ سمعة احد اللوردات البريطانيين بسبب اتخاذه موقفا مناهضا للاستيطان...كما انها امرت بطي الملف وعدم فتح اي تحقيق فيه !

ولعل خير تلخيص لهذه الحاله ما اورده السيناتور بول فندلي في كتابه "من يجرؤ على  الكلام...الشعب والمؤسسات في مواجهة اللوبي الاسرائيلي" عندما قال :
" ان تاثير رئيس وزراء اسرائيل على السياسة الخارجية الامريكية في الشرق الاوسط اكبر بكثير من تاثيره في بلاده ذاتها"
استنادا لكل ذلك فإننا نستطيع تثبيت القاعدة التالية : اذا كنت تبحث عن تفسير السلوك الامريكي في الشرق الاوسط....فابحث عن مصالح اسرائيل اولا !!

ثالثا :اسرائيل.... دولة الإيديولوجيا

تبدو اسرائيل منذ اندلاع الازمة السورية كحمل وديع ومسالم.....فبينما تنخرط كل القوى الاقليمية في حروب ضروس في سوريا....فان اسرائيل تبقى على الحياد. علاوة على ذلك....فانها تبدو للمراقب "كدولة" تريد سلتها بدون عنب....فهي لم تشارك باي مؤتمر يخص القضية السورية في جنيف او موسكو او القاهرة او غيرها....ويبدو دورها مقتصرا على ضرب بعض قواعد الاسلحة التي تسعى ايران لتسليمها لحزب الله على الاراضي السورية وعلى بعض المعالجات الموضعية"للأخطار الارهابية" التي تتهدد حدودها مع سوريا.....لكن الحقيقة مخالفة لهذا تماما.

لا يشك عاقل في ان "اسرائيل"  انما هي فكرة ايديولوجية بامتياز. هذه الفكرة قائمة على مجموعة من المعتقدات  لدى رؤوس الحركة الصهيونية من مثل "الارض الموعودة....واسرائيل الكبرى".

لو تجاوزنا كل التحركات التكتيكية لاسرائيل من مثل اتفاقيات السلام مع مصر والاردن او محادثات السلام مع الفلسطينين او غيرها ....فان الاهداف الاستراتيجية الكبرى لاسرائيل واضحة للغاية وتنتظر الفرصة الملائمة للتنفيذ.....
ان مخطط بناء "اسرائيل الكبرى" حسب الرواية التوراتية (سفر التكوين 18:15- 21) كان يستحوذ دائما على فكر كبار قادة الحركة الصهيونية من امثال  مناحيم بيغين وديفيد بن غوريون. كما ان تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية ذكر صراحة في مذكراته بان الدولة اليهودية ستمتد من النيل الى الفرات.  وهذا ما يفسر اصرار الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة على مواصلة بناء المستوطنات على الرغم من الرفض الدولي الواسع لها. ومن البديهي ان قيام "اسرائيل الكبرى" لا يمكن بحال من الاحوال ان يتم في حالة من الاستقرار او التناغم في المنطقة, بل يحتاج الى فوضى عارمة تترافق مع تفتيت النسيج الاجتماعي لشعوب المنطقة من اجلل الوصول الى دول فاشلة ممزقة ومستنزفة تماما يسهل التلاعب بها واختراقها, بل واحتلالها.
ان ما يجري في سوريا والعراق هو بالتحديد ما تريده اسرائيل لتحقيق اهدافها. فقد نشرت مجلة كيفونيم التي تصدرها المنظمة الصهييونية العالمية في عددها رقم 14 الصادر عام شباط عام 1982 مقالا للكاتب الصهيوني عوديد يونيون عن خطط اسرائيل الاستراتيجية في الثمانينيات ومما جاء فيها :
"ينبغي ان يكون تقسيم العراق وسوريا الى مناطق منفصلة على اساس عرقي او ديني احد الاهداف الاساسية لاسرائيل على المدى البعيد...والخطوة الاولى تكمن في تحطيم القوة العسكرية لهذين البلدين".
وتتابع المجله : ".بالنسبة للعراق, ذلك البلد الغني بالموارد النفطية والذي تتنازعه الصراعات الداخلية, فهو يقع على خط المواجهة مع اسرائيل, ويعد تفكيكه امرا مهما, بل انه اكثر اهمية من تفكيك سوريا, لان العراق يمثل على المدى القريب اخطر تهديد لاسرائيل"
ولما كانت هذه الخطط تتضمن اهدافا بعيدة المدى ومحفوفة بالكثير من المخاطر, فقد نجحت مجموعات الضغط الموالية لاسرائيل من دفع الولايات المتحدة الامريكية للقيام بهذا الدور, وهذا ما يفسر حقيقة الحرب الامريكية على العراق منذ بدايتها في بدياية التسعينيات مرورا بالغزو عام 2003 وما تبعه من حل الجيش العراقي والقضاء على مؤسسات الدولة ووصولا الى الانسحاب من العراق وتسليمه لايران بطريقة لا يمكن لصبي صغير ان يفعلها لو كان يهدف فعلا لبناء العراق او لنشر الديمقراطية فيه.
تم بالفعل تدمير العراق وتفتيت نسيجه الاجتماعي بقوة الولايات المتحدة الامريكية.....ان انهيار العراق بهذا الشكل الكارثي فتح المجال واسعا امام الفوضى في المنطقة باسرها....و دون الحاجة هذه المرة للتدخل المباشر.....وهذا ما يحصل في سوريا حاليا. فالدور الواضح والجلي الذي تلعبه القوى الكبرى في سوريا....وخاصة الولايات المتحدة,  هو الحفاظ على حالة من التوازن بين القوى المتصارعة في سوريا ومنع أي منها من حسم الامور لصالحه وذلك للوصول الى اكبر قدر ممكن من التدمير والقتل  والتهجير....
هكذا نستطيع ان نفهم سبب التخاذل الامريكي عن التدخل في سوريا....ولنكن دقيقن اكثر....فان امريكا ليست متخاذلة في سوريا....بل انها تلعب دورا محوريا في ادارة الازمة من اجل اطالتها تنفيذا لرغبة اسرائيل التي تحلم بقدوم اليوم الذي ترى فيه المنطقة كلها انقاضا على رؤوس اصحابها.

Mhd Alomar
Institut de Sciences Politiques Louvain-Europe
université Catholique de Louvain - Belgique

شارك برأيك

أضف تعليق (الحد المسموح 500 حرف)

تصويت
على ضوء التصعيد الروسي الأمريكي ما الذي تتوقعه: