Orient Net

أورينت نت صحيفة إلكترونية مستقلة إعلاميا و الآراء التي تنشر فيها لا تعبر بالضرورة عن سياستها الخاصة أو سياسة تلفزيون أورينت

» مجتمع جديد «

(المتة) .. بنزين الساحل... من الغلاء إلى العداء!

أورينت نت - نبيل يوسف

المتة المشروب الرسمي وإحدى الشعارات التي يعتز بها الكثيرون من سكان الساحل السوري وعدة مناطق أخرى من سورية مثل حمص والقلمون والسويداء وسهل الغاب، إلا أن حضورها في الساحل السوري هو الأقوى بسبب ارتباطها عضوياً بالمواطن، فهي المشروب الموجود في كافة المنازل على الإطلاق، وفي الدوائر الحكومية واستراحات الباص والمقاهي والقطع العسكرية والحواجز، هي شعار واضح وصريح يتضمن كأساً صغيراً أو جوزة خشبية ومصاصة معدنية وعلبة "كروز" بأنواع مختلفة مستوردة من الأرجنتين وعدد من دول أمريكا اللاتينية ومعبأة في سورية وبالتحديد في مدينة يبرود بمنطقة القلمون بريف دمشق.
في طرطوس واللاذقية كان المشهد الأكثر حضوراً مع بداية الثورة هو اصطفاف المئات خلف سيارات المتة عندما تعرضت هذه المادة للانقطاع من الأسواق، ولم يخفف ارتفاع سعرها الكبير من استهلاكها الضخم فالعلبة التي كانت تباع مطلع عام 2011 بـ 25 ليرة هي الآن بسعر 200 ليرة .. هذا الارتفاع لم يمنع من تموينها وشرائها بكميات كبيرة واعتماد أغلب المحلات التجارية عليها كمصدر أساسي للربح، فلا يقل بيعها في أصغر محل في الساحل السوري عن 20 إلى 30 علبة يومياً ويفوق استهلاكها في بعض المنازل العلبة يومياً مع العلم أن وزن العلبة 250 غرام.

 ( إرهابيون) يسممون المتة!
إلا أن المتة وحالة الخمول وما يقارب الثمالة التي كانت تتركها في جسد شاربيها لم تكن أقوى من فوبيا تصديق الشائعات في الساحل السوري.. لم يكن لأي أحد أن يتخيل هذا الرفض الجمعي للمتة في وقت واحد، كانت مادة مؤثرة وترتبط عاطفياً بالمواطن إلى درجة من الصعب تصديق أنه بالإمكان التخلي عنها، إلا أن البيئة القابلة لتصديق أي كذبة من أكاذيب النظام أو لعبة ترهيبية أقوى بكثير من "المتة"... فوبيا الخوف لدى أبناء اللاذقية طرطوس لا مثيل لها لدرجة أنها رمت علبة المتة جانباً وألغتها من حياة المواطن الذي كانت تأخذ من يومه معظم الوقت.
الشائعة كانت بملخص بسيط جداً "المسلحون يسممون المتة لقتل مؤيدي النظام" والتفصيل أن الإرهابيين الموجودين في منطقة يبرود يقومون بإضافة مادة الزرنيخ إلى عبوات المتة كما يقومون بسحب العلب من الأسواق وتعبئتها مرة جديدة بإضافة السموم ثم إرساله إلى الساحل، كما وردت أنباء عن أن القصد هو قطع النسل عن الذكور والإناث رغم أنه آثار الزرنيخ تبتعد عن هذا المضمون إذا كان هو السم الذي ادعى أصحاب الإشاعة وجوده في علبة المتة.

 تراجع بنسبة 70 بالمئة !
ردة الفعل لم تكن متوقعة خاصة وأن المادة المستهدفة هي "المتة" إلا أن الموقف بدا جمعياً للغاية حيث تم رفض شراء المشروب بل وإتلاف ما تم تخزينه في بعض المنازل ومقاطعة المتة بشكل واضح ما أثر على المحال التجارية بل وأجبر بعضها على إتلاف الكميات الموجودة عندها، وبات من يمارس بيع هذه المادة عرضة للتعليق اليومي إذا لم يكن عرضة لمصادرة الكمية حسب أنباء أخرى بحيث تراجع بيع المتة في الساحل السوري بنسبة تزيد عن 70 بالمئة.
وساهمت الدولة بخلق الإشاعة ونشرها بطريقة كبيرة خاصة من خلال بيانات رسمية صدرت عن عدة جهات منها ما صدر عن الإدارة العامة لمرفأ طرطوس حيث وجهت إلى منع بيع وتوزيع مادة المتة حرصاً على السلامة بينما نفى مصدر من المرفأ ذلك على اعتبار أن ذلك من اختصاصه إلا أن بياناً منه يتم تداوله بين الأهالي حالياً، بينما فصلت معامل الدفاع التابعة التابعة للجيش والقوات المسلحة بأن المجموعات المسلحة في مدينة يبرود قامت بجمع المتة من الأسواق وتعبئتها من جديد بعد إضافة الزرنيخ إليها ومواد أخرى لا ترى بالعين المجردة تحد من النسل عند الذكور والإناث لذا ينصح بعدم شراك واستهلاك هذه المادة، بينما وردت أنباء عن توجيه وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك مديريتها في دمشق لسحب عينات وإحالتها للمخبر المركزي ولم تصدر النتائج حتى الآن، وتفاقمت الإشاعات لتصل إلى وجود عشرات الإصابات في مشفى الباسل في طرطوس جراء استهلاك المتة بينما نفى عاملون في المشفى ذلك ولم يتضح أي بيان عن المشفى يفسر ما يجري.

 غموض رسمي متعمد
وتظهر مختلف الجهات الرسمية في سورية محاولة تعميم الغموض حول الحالة، بحيث لا يصدر بيان دقيق يؤكد أو ينفي أو حتى نشر نتائج تحليل كيميائي للمادة، ما يسهم في سهولة تداول الإشاعة وإعطائها الطابع السياسي ودخول المادة في سجل المؤامرة المحاكة ضد سورية بل وضد الساحل السوري بالتحديد على اعتبار أنه الأكثرية المؤيدة للنظام، بالتالي فإن خيوط المؤامرة الأمركية التركية الفرنسية الصهيوعربية تحاول التسلسل من خلال علبة المتة إلى معدة المواطن، وهو المنطق الذي بالإمكان رؤية المئات ممن يتداولوه الآن، بل ويؤكدون أن ذكائهم الشخصي وذكاء القيادة فوت على الأعداء فرصة قتل الشعب الصامد الممانع بالمتة... لا متة بعد اليوم.
هو الكأس الأخضر... المتواجد على أغلب طاولات المؤسسات الرسمية، وهي البقعة الخضراء الدائرية التي يتركها على كل مكان تتواجد فيه الكأس، تجدها على مكاتب الموظفين، على بعض الأوراق، على دفاتر الطلاب... أسطورة المشروب الساخن التي يمكن أن تنهار بمجرد إشاعة صغيرة، إشاعة ليست عن السلاح الذي يرسله عبد الحليم خدام إلى قلعة المرقب ولا تمترس عقاب صقر وضباط اسرائيليين في بانياس، ولا سيارات مفخخة تتجول في شوارع القرداحة.... إشاعة يمكن أن تجد الآلاف من مواطنين هويتهم بشار الأسد وإيمانهم بشار الأسد وأوسع مجالات تفكيرهم واهتمامهم هو شخص يثير ما شاء من إشاعات ويقيد أكبر كم من مؤيديه بخيوط المؤامرة ....

20/5/2013

عدد القراءات : 3228
رابط مختصر:
لمشاركة الصفحة